الأخبار

الموسيقار محمد حسين گمر : آلةُ (الجوزة) عراقيّةٌ ومشْروعي التّراثيّ مُهْمل

الموسيقار العراقى
الموسيقار العراقى محمد حسن كمر


 


أكد الموسيقار العراقي الدكتور محمد حسين گمر  إنّ تاريخ هذه الآلة يرجع الى العصر الأكدي 2350  قبل الميلاد، و إنهُ نقلها الى قارات العالم الخمس عبر المشاركة مع فرق موسيقية للجاز والفلامنغو، وقال أستاذ العلوم والنظريات الموسيقية وآلة الجوزة والمقام العراقي، والمشرف العام لمشروع تسجيل وتوثيق المقامات العراقية، ان المصريين يسمونها (الكمانة) حين ظهرت في مؤتمر القاهرة في العام 1932.
 
* لنبدأ من الإسم.. لماذا سميت بالجوزة وما تاريخها؟ 
* سميت الجوزة .. لأن الصندوق الصوتي مصنوع من مادة جوز الهند، تاريخ هذه الآلة يرجع الى العصر الأكدي 2350  قبل الميلاد، ولكن على هذه الهيأة وبمصاحبة المقامات العراقية عمر هذه الآلة من الممكن أن نسترجعه الى العصر العباسي عندما كانت بغداد مركز الإشعاع الحضاري الى العالم، ففي بغداد كانت تجتمع مختلف الثقافات فيكون التأثر والتأثير من أجل تقديم موسيقى تحوي على هذه الثقافات، آلة الجوزة مصدرها، كما في بعض اللوحات والصور، وهي بوترين أو ثلاثة أوتار ولكن على هذه الهيأة التي هي بأربعة أوتار مرجعها الى العهد العثماني.
* ما أبرز الأسماء من عازفيها؟
* أبرز الاسماء التي حضروا خلال هذا التاريخ هو إسم نسيم بصون 1820 وهو واحد من أبرز عازفي ’آلة الجوزة، وهو يهودي، وهو الذي درّس احمد زيدان أصول المقام العراقي وتقاليد تلاوة القرآن الكريم والآذان، فكان أحمد زيدان تلميذا لنسيم بصون، وهناك ياحوم بن يومه الترزي، وهو أحد أبرز العازفين للجوزة، ولكن أبرز العازفين  لهذه الآلة والذي شارك في مؤتمر القاهرة في العام 1932 هو صالح شومّيل ويوسف زعزور على آلة القانون وثالثهما يوسف بتّو الذي كان يعزف على آلة السنطور، هؤلاء هم من نقلوا هذا التراث الى عازفينا الذين هم خضير الشبلي وشعوبي ابراهيم والحاج هاشم الرجب بتوجيه من رئيس الوزراء نوري السعيد (1888 - 1958)، الذي كان لديه بُعد نظر في العام 1952 او 1951 عندما بدأت هجرة اليهود من العراق، السعيد قال هذا تراثنا سيذهبُ معهم فأوصى هؤلاء الثلاثة أنْ يلتزموا ثلاثة موسيقيين شباب في تلك المرحلة الذين هم: شعوبي ابراهيم، الحاج هاشم الرجب وخضير الشبلي، فالتزم صالح شوميل شعوبي ابراهيم ويوسف بتو ألتزم الحاج هاشم الرجب ويوسف زعرور درّس خضير الشبلي، ومن خلال هذا الرعيل الأول عاش في بغداد واستمر في تدريب العازفين، وأحبّ أنْ أذكر إنّ أول من أطلق هذه الآلة بـ (الجوزة) هو إستاذي شعوبي ابراهيم 1925 - 1991) رحمه الله، كان نجارا ويصنع هذه الآلة فسماها الجوزة نسبة الى الصندوق الصوتي المصنوعة منه.
* هل لها تسمية أخرى؟
* كانت تسمى بـ (الكمانة) والدليل إنني من خلال البحث وجدت هذه المعلومة، فهناك في مؤتمر القاهرة الموسيقي 1932، إنّ عريف حفل المؤتمر عندما قدم الموسيقيين العراقيين مع مطرب المقام العراقي محمد القبانجي (1904 - 1989) عندما وصل الى عازف ألة الجوزة قال عنها (آلة الكمانة).
* كيف أستطعت أنّ تجعل شهرة الجوزة عالميا؟
* في العام 1997 هاجرت من العراق، وفي العام 1999 كنت في حفل في القاعة الملكية الهولندية، قدمنا حفلا وكان موجودا حينها الموسيكولوجي ورئيس فرقة جاز "الطيور الاربعة" اكفارتا فوخيل، كما تلفظ بالهولندية، وهو عازف كونترباس، أتاني وطرح عليّ فكرة المساهمة مع فرقته (فرقة الجاز ميوزيك)، ولأول مرة، عندما طرح الموضوع قال لي صحيح إنّ آلتك صغيرة بحجمها ولكنني عندما سمعتها عرفت إنها كبيرة في عطائها، رحبت بالفكرة ولكنني قلتُ له إعطني مجالا لكي أدرس الجاز وأعرف فحواه لأنني بصراحة لم تكن لديّ تلك الفكرة الكبيرة عن موسيقى الجاز، فأول ما جذبني اليها هو "الإرتجال" فوجدت إنّ مسألة الربط بين موضوعة الجاز وموضوعة المقام العراقي هو هذا الارتجال الآني، يعني إرتجال اللحظة، عندما تخاطب الآلات الأخرى وتبدعُ في اللحظة نفسها ويحدث هناك حوار ثقافي ما بين ثقافتين مختلفتين، كما قرأت عن راي تشارلز (1930 - 2004) الزنجي الضرير أحد أبرز العمالقة الخالدين في تاريخ الموسيقى الأمريكية، الذي ولد في ولاية جورجيا التي غادرها ومن شوقه الكبير لها عمل قطعة موسيقية إسمها (جورجيا في ذاكرتي) وعلى الفور خطر في بالي تساؤل وهو (لماذا لا أعمل قطعة موسيقية وأسميها جورجينا في الذاكرة) نسبة الى الإيقاع العراقي المعروف (الجورجينا) الذي أكثر ما يعزف في العراق، وإن كان موجودا في تركيا وإيران وأذربيجان، لكنه لن يعزف كالطريقة العراقية، ولدينا نوعان من الجورجينا: الثقيلة والسريعة .
* وتعاملت معه؟
* نعم.. جذبتني الفكرة ومثلما كان أستاذي الموسيقار منير بشير (1930- 1997) يحرصُ على عمل حوارات مع الثقافات الأخرى، فقلتُ لماذا لا أخطو الخطوة نفسها خصوصا إنني، كما تعرف، عاصرت الأستاذ منير بشير منذ العام 1975 ولكن عملي الفعلي معه بدأ في العام 1977 في فرقة التراث الموسيقي العرقي، فكانت نصيحته أن حافظوا على تراثكم وقدموه بطريقة صحيحة تليق بتاريخ العراق، فقلت جاءت الفرصة لأقدم تراث بلدي بأحلى صورة في خلق حوارات ومشاريع موسيقية في الحوار مع الثقافات الموسيقية الأخرى.

* هل كانت مجرد مشاركة أم مشروعا ؟
- كان مشروعا حمل عنوان (جوزة أون جاز) أي أسمينا الحفل بهذا الإسم وشركة البلوكآب الهولندية بعد أن قدمنا 25 حفلة في فرنسا وألمانيا وبلجيكا وهولندا وحققنا نجاحا كبيرا بهذا الحوار وهذا المزج بين ثقافتين مختلفتين من ناحية الموسيقى.
* وما تمخض عن هذا الحوار او التعاون؟
* جاءوني من الشركة الهولندية الشهيرة وقالوا نريد أنْ نعمل لك ( سي دي) للجوزة، فرحبتُ بالفكرة خاصة انهم شركة عالمية، فكان ذلك وانتشر وقد أسموه "جوزة أون جاز"، فكان وقع العنوان على الأذن الغربية جميلا، وانتشر في كل أنحاء العالم، وهذا ما شجع بعض فرق الجاز أنْ يوجهوا لي دعوات، فوجهت لي دعوة من مهرجان الجاز العالمي في مونتريال بكندا لتقديم حفل مع رباعي فرانسوا بوراسا (François Bourassa Quartet) وهي فرقة جاز كندية شهيرة، يقودها عازف البيانو والملحن الكندي فرانسوا بوراسا. وقدمنا حفلا على مسرح بلاس ديز آرت (Place des Arts) مسرح قصر الفنون، وكانت من أجمل الحفلات التي قدمتها، ومن خلالها كانت بدايات نشر الموسيقى العراقية وآلة الجوزة الى العالمية، ثم وجهت لي دعوة من العازف الأميركي فريدريك وقدمنا حفلا في الدوحة، مع هذه الفرقة الأميركية، قدمنا هذا الحوار الموسيقي الجميل.
* وهل تواصلت في هذا الحوار الثقافي؟
* شاركت مع أربع فرق جاز في العالم وقدمنا الحفلات ما بين كندا والدوحة وهولندا وبلجيكا وألمانيا، وهكذا من هذه النقطة بدأت موسيقى الجوزة تنتقلُ الى مسارح العالم في القارات الخمس.
* وماذا بعد مشروع الجوزة جاز ؟
* وأنا في أسبانيا عندما شاركت في مهرجان هناك، كانت معنا فرق الفلامنغو فولدت عندي فكرة جديدة وهي (مقام فلامنغو) فوظفتُ مقام المبني مع موسيقى (الباسا دويه) أي حركة القدمين أو الخطوتين المشهورة، وهي (بالتهجئة الأدق: الباسو دوبلي - Pasodoble) هي نمط موسيقي ورقاصي تقليدي نشأ في إسبانيا، ويعني اسمها حرفياً "الخطوة المزدوجة"، وكانت هذه التجربة الثانية مع الفلامنكو في الحوار الثقافات الموسيقية المختلفة الأخرى، والفكرة الثالثة كانت لقاءات الحضارات مع الملحن والمايسترو الهولندي الشهير ديك باكر (Dick Bakker) قائد أوركسترا متروبول (Metropole Orkest) الذي يعتبر واحدا من أفضل قادة الأوركسترا في العالم وقدمت معهم كعازف جوزة منفرد، وفيه غنتْ سيدة المقام العراقي فريدة وأنا أعزف على الجوزة، وكانت فكرة جميلة جدا لإننا قدمناه بلغة بعيدة عن لغتنا ولكن بموسيقى من روح المقام العراقي، الفكرة كانت ما بين وبين المؤلف تيو هوك (Théo Hook) وهو مؤلف موسيقي شهير، وقائد الأوركسترا ديك باكر.

* أزاء هذه النشاطات ما الذي كان يدور في بالك؟
* مجموعة النشاطات التي قدمتها، والحمد لله، كان الغرضُ منها أنْ أقدم موسيقى بلدي بصورة تليقُ بسمعة بلاد ما بين النهرين كما أوصاني أستاذي منير بشير، خاصة إنني طوال مدة الهجرة شاهدتُ الناس كيف تتعاملُ مع تراثها، وشفتُ الناس كيف تحافظ على تراثها لذلك جئت بمشروع توثيق وتسجيل المقامات العراقية عندما حضرت الى العراق، المشروع بعثته قبل مهرجان بغداد عاصمة للثقافة العربية 2013، طرحت هذا المشروع بتاريخ 7 / 11/ 2011، ولكن للأسف منذ تلك الفترة والى حدّ الآن لم أحصل على أي دعم عراقي، على الرغم من إنّ اليونسكو دعمت المشروع باعتباره جزء من التراث الإنساني كما قالوا، والصندوق العربي للثقافة والفنون دعم جزء من المشروع أيضا وقالوا أنه جزء من التراث العربي، ولكن بلدي، الذي من المفروض أن يكون المشروع مشروع وطن وليس مشروع محمد حسين كمر، مشروع يحفظ التراث للأجيال التي ستأتي من بعدنا، ولكن للأسف لاحياة لمن تنادي، وقد خيبوا أملي وخيبوا ظني، وقد اشتغلت على المشروع لمدة 15 سنة من أجل حفظ التراث وتدريسه في المعاهد، فأنا أشتغلتُ عليه وفق أحدث البرامج الموسيقية وسجلته بأصوات الدكتور حسين الأعظمي والحاج حامد السعدي وسعد الأعظمي وفريدة، والتسجيلات (الخام) موجودة عندي ولكن تنقصني الأموال ولا أستطيع أن أشتغل المشروع لوحدي.
* ما سرّ عدم دعمك؟
* لا أعرف.. كنت أتمنى لو إنّ وزارة الثقافة العراقية ودائرة الفنون الموسيقية والمؤسسات الأخرى، الفنية والثقافية في العراق، وللأسف لم أجد أي دعم منهم، لكنني مصرّ على تنفيذ المشروع، ولا أخفي إنه مشروع عمري وسيخلد أسمي كوني حافظتُ على التراث بشكل منهجي وأكاديمي، أتمنى أن يتحقق المشروع على شكل كتاب مع مجموعة (سيديات) مسجلة فيها المقامات، فالتسجيلات القديمة حتى لا يمكن فهم شيء منها، ولكن التسجيلات التي قمت بها ما بين الأردن وسوريا و(المكس النهائي) في هولندا في أحدث الإستديوهات، وهذه تكلف مبالغ، وللأسف ان الملايين التي تسرق من العراق.
* هل يكلف المشروع كثيرا من الأموال؟
* أولا : تصوّر إنّ مشروعي الذي يتألفُ من ثلاثة أجزاء قررتُ اختصاره بجزءين مع التسجيلات مع فرقة أوركسترا عراقية وبالآلات التقليدية التراثية، يصل المبلغ ما بين 350- 400 ألف دولار، فهناك 16 موسيقيا وتأجير إستديوهات وأنا أحتاج الى 800 ساعة، وسبق أن وعدني أربعة وزراء لذلك أنا أتحدث عن الموضوع بألم كبير .
* عودة الى (الجوزة) كيف كانت طريقك نحو الجوزة؟
* ورثتُ الجوزة عن أساتذتي..، وقد تتلمذتُ على يد الفنان الطاجكستاني محمودوف في معهد الدراسات النغمية ببغداد في العام 1975 وكنت ضمن الدورات التأسيسية، حيث تمّ إختياري لدراسة آلة الجوزة، والفنان محمودوف هو الذي أدخل أساليب علمية حديثة في العزف، منتهجاً إسلوب الربط بين الحداثة والماضي، كما تعلمتُ منه تقنيات القوس والمنهجية الغربية وهو ما ساعدني على تطوير أسلوبي الخاص ونقل آلة الجوزة إلى فضاءات عالمية أوسع، مقدماً مقطوعات عراقية مع الجاز والفلامنكو، كما إنني درستُ على يد أساتذة كبار مثل شعوبي إبراهيم وعبد الرزاق العزاوي، وهو ما أسس لهويتي الموسيقية لاحقا.
* ولكنك أصبحت أستاذا في المعهد؟
–  نعم .. كان ذلك بعد تخرجي وحصولي على المرتبة الأولى في دورتي، فتم تعييني أستاذاً للنظريات الموسيقية وآلة الجوزة بأمر من الأستاذ الموسيقار منير بشير،  وكنت حينها أصغر أستاذ في المعهد، وحينها بدأت بوضع مناهج جديدة لتعليم العزف وهو ما أعتبره من أهم إنجازاتي المبكرة.