جسرُ الصّرافيّة الحديديُّ ببغداد .. ذاكرةٌ متْخمةٌ بالفرح والألم
يُعدُّ جسرُ الصّرافيّة الحديديّ في بغداد علامة فارقة ليس في المكان فقط بلْ في بغداد كلها، جسدٌ من حديد لكنَّ تاريخه مليءٌ بالعناء والوجع، مثلما هو مفعمٌ بالجمال والفرح والذكريات.
حين تمشي على سطحه لابدّ أنْ تداهمك الأغنيةُ التراثيةُ العراقيةُ الشهيرةُ التي تقول كلماتها (يا عين موليتين، يا عين مو ليّه، جسر الحديد انكطع من دوس رجليّ)، فتضطرُ الى أنْ تغنيها يصوت مسموع مانحاً خطواتك قدراً من الغرور والتباهي!!، لأنّ هذا هو الجسرُ الحديديُّ الذي ربما تعنيه الأغنية، فليس قبله من جسر حديديّ في بغداد، هكذا يقالُ وأنْ كان المعنى مجازيا ولا علاقة للأغنية به لأنها تراثٌ عراقيٌّ قديمٌ لا يعرف مؤلفها ولا ملحنها، كما إنه يمتازُ عن سابقيه بكونه جسراً ثلاثيّ الاستخدام سابلة، مركبات و قطارات !!، وصار النظر إليه من بعيد بهجة للناظرين خاصة بعد أنْ تمّتْ إضاءته في العام 2017، فكان يرسم أضواءه على ماء النهر المترقرق.
يا لهُ من جسْر ..
مشيتُ عليه بمختلف تغيراته عبر سنواتٍ تباينتْ ظروفُها وعاينته من بعد ومن قرب، في ليالٍ يضيءُ فيها ويعيشُ ظلماتها، وفي نهاراتٍ يبتهجُ بها بالحركة أو وهو مكسورٌ محطمٌ ملقى جزء منه في النهر، أعدّ خطواتي التي أسمع لها وقع محبب، يتجاوزُ العدّ الألف خطوة وإنْ كنتُ أعرفُ إنّ طوله على النهر ليس أكثر من 450 متراً، فقط كنتُ أمشي مشياً وئيدا أستعيدُ به ما أعرفه عنه وما نظرتُ فيه من حديد، ولا أنسى ما شاهدته عليه بعد يوم التاسع من نيسان/ أبريل من العام 2003 وقد أنتشرت قوات الإحتلال الأميركي في شوارع بغداد، حيث صار المشاة يحملون الرايات الصغيرة البيض ويلوحون بها ومثلهم الراكبون بالسيارات تعبيرا عن كونهم مسالمين!!، يعبرون الجسر ، جبئة وذهابا، في مشهد تراجيدي غريب، لكن الجسر في كل الأحوال يقف شامخا يحفظ لنا ذكرياتنا وأحداث البلد، ملفتا للنظر والإنتباه في المكان على نهر دجلة سابحا في الفضاء ينظر في الاتجاهات حوله مانحا إياها علامة فارقة ومادّا سيقانه في النهر ومنحنياً بإبتسامة دائمة ليسمح للناس بالعبور الى ضفتي الكرخ والرصافة، وإن كان قد نال تعسفا مريرا من القصف الاميركي ومن تم تفجير إرهابي طرحاه في النهر وعطلاه عن العمل والخدمة .
أمرّ عليه ناظراً ومتأملاً كل شيء فيه والنهر من تحته، حديدٌ كثيرٌ شاهقٌ متخمٌ بالصامولات التي تثبتُ أجزاءه، والعوارض التي تتسيّدُ فضاءاته، وحين أتكأُ على سياجه أستذكرُ شيئاً من تاريخه الجميل والحزين حيث كان ظهرُه حاملا لقضبان السكك الحديدية ليمرّ القطارُ ذهابا وإيابا ويطلقُ صفيره كإنه يستنهض المدن أو يحييّ الجسر والنهر والضفاف وتشعره سعيدا بهذا التميز الذي بسببه كانت الأمتدادات هي الأخرى جميلة حيث الأرتفاعات الحديدية والقواعد الكرنكريتية عند تقاطعات الطرق التي تمثلُ البُنى التحتية للقطار وتعلو فوق سطح الأرض، حيث يشيرُ الى إنّ العراق هو أول بلد عربي كان يملكُ قطارا معلقا.

ثالث الجسور في بغداد
يعدُّ جسر الصرافية من أقدم جسور بغداد، بل إنه ثالث الجسور في بغداد من بين 13 جسرا، بُني عام 1946 لمرور القطارات بين الكرخ والرصافة، إنه واحدٌ من أشهر معالم مدينة بغداد وأكثرها تميزا وجمالا ، إسمه الرسميّ (جسر الصرّافيّة) لكنّ سكان مدينة بغداد القدماء يطلقون عليه أسماء عدة منها: جسر الحديد، جسر القطار، وهو يربط مناطق الوزيرية والصرافية والعلوازية (العيواضية) من جهة الرصافة بمنطقة العطيفية في الكرخ، ويؤدي اليه جيئة وذهابا شارعان هما: صفيّ الدين الحليّ من جهة الرصافة وبراثا من جهة الكرخ.
كانت هذه السكة للقطار الذي يجيءُ من محطة بغداد المركزية (المحطة العالمية) طائرا فوق القواعد الراكزة على الأرض عبر تقاطع براثا ومن ثم يعبرُ جسر الصّرافية الى الوزيرية والى محطة شرق بغداد، حيث (الشماعية) ثم الى محطة الجادرجي وكاسر بوص وخشم كدري في خان بني سعد ثم بعقوبة ويستمر الى كركوك، وينقل المسافرين وصهاريج النفط، لكنّ الظروف ومتغيرات الأزمنة ألغتْ سكة القطار ولم تبق منه الا الأعمدة الكونكريتية المثبتة وقد أزيلت هي الأخرى وانتهى القطار الى غير رجعة واندثرت مقترباته التي كان يعتزّ بها أهل بغداد كونها تذكرهم بتميّز جميل .
أصلُه كان أسْتراليا ..
التاريخُ يحدثنا عن حقيقة جسر الصرافية، وما يقول الأولون حسب وثائقهم، إنهُ كان في الأصل مُعداً للإنشاء في مدينة سيدني في أستراليا قبل أنْ تقرّر وزارةُ الاشغال والمواصلات العراقية شراء هيكله الحديدي وتعْهد إلى شركة كوبربلايزرد الهندسية البريطانية بإدخال التحويرات المقتضية على هيكله حيث قامتْ الشركةُ بوضع تصاميمه لمدة أستغرقتْ عامين في حين قامت الشركة البريطانية (هولو) في أواخر العام 1946م بتنفيذه واعتبر في حينها أطول جسر حديدي في العالم، حيث يبلغ طولُ الجسر مع مقترباته 2166 متراً بينما يبلغ الجزء الواقع على النهر 450 مترا كاسراً الرقم القياسي الذي كان يحمله الجسرُ الحديديُّ المقام على نهر الراين بألمانيا والذي لم يتجاوز طوله 1500 مترا.
إحتجاجات تعطّلُ بناءه..
ويتكوّن جسرُ الصرافية من سبعة فضاءات خمسةٌ منها بطول 58 مترا وفضاءان آخران بطول 80 مترا كما يبلغُ عرض ممرّ السيارات 6 أمتار وعرض ممرّ السكة الحديدية 4 أمتار وخُطط له أنْ يكون بممرين للسيارات وأنْ يكون سقفُ الجسر من الهياكل الحديدية الجاهزة حيث كانت مديرية السكة الحديدية تعتمدُ على إستعمال الهياكل الحديدية الجاهزة لسقوف الجسور التي أنشئتْ في تلك الحقبة وما قبلها، وتعثر بناء الجسر عام 1948م بسبب إنتفاضة الوثبة (وثبة كانون عام 1948 وهي انتفاضة شعبية عراقية كبرى وقعتْ في الفترة بين 16 و27 يناير/ كانون الثاني 1948)، واعتبره الذين قاوموا معاهدة بورت سموث بين العراق وبريطانيا جسراً لخدمة الأغراض البريطانية فقاموا بمهاجمة المهندسين الإنكليز والعمال الهنود الذين يعملون فيه ورموهم بالحجارة والقطع الحديدية كما تم رمي بعض قطعه الحديدية في النهر وإتلاف البعض الآخر ؟
وبعد تأسيس وزارة الإعمار ومجلس الإعمار رُصد للجسر مبلغ الا إنه لم يكن كافيا لتنفيذه بالصورة المتفق عليها وفق الخارطة الأصلية التي رسمتها الشركة المصممة وهي ممران للسيارات واحد ذهابا والآخر إيابا وبينهما سكة الحديد لسير القطار قبل أنْ يتم تعديل التصميم الى ممرّ واحد للسيارات وممرً سكة الحديد تقليصا للنفقات، وبدأ العملُ من جديد خلال وزارة السيد محمد الصدر (1882- 3 نيسان 1956) واستمر حتى عام 1952م حيث جرى إفتتاحه باحتفال رسمي كبير حضره رئيس الوزراء جميل المدفعي (1890 - 26 أكتوبر 1958) ودُشّن بمرور القطار من فوق نهر دجلة وكانت السيارات تعبرُ من فوقه في إتجاه واحد، وفي هذا اليوم شاهد أهلُ بغداد لأول مرة قطاراً يعبر فوق جسر حديدي على دجلة، ويذكرون إنّ من قاده سائق القطار الأقدم خضير عباس السعد المفرجي من أهالي بغداد .
قطار الثورة..

كان جسر الصّرافيّة السبب في تأسيس "قطار الثورة"، نسبة الى مدينة الثورة شرقي بغداد، فالجسرُ همزة الوصل وقنطرة العبور الحديدية التي منحت هذا القطار وجوده، ويعتبره البغداديون من تراث النقل العام حيث لم يحدث سابقاً أنْ تم نقل الركاب داخل مدن أي محافظة عراقية منفردة بواسطة القطار الذي خصص لنقل الركاب من شريحة العمال والطلبة أما مجانا او بأسعار رمزية، بعد إلغاء الخط المتري. بدأ العملُ فيه عام 1977م، وكان هذا القطار ينطلقُ من محطة غربي بغداد (المحطة العالمية) عابرا جسر الصرافية ويبقى القطارُ مرتفعاً محمولاً على قواعد جسر ذي عوارض حديدية تتخللها عوارض خرسانية عملاقة إلى انْ تم إلغاؤه في حزيران عام 1979م.
قصف.. أول مرة
لكن حلاوة الجسر وأمتنان أهل بغداد بعلامتهم الفارقة لم تكتمل، فداهمه الأسى وداهمهم وقد تعرض الجسر لقصف قوات التحالف مطلع العام 1991م، يقال إنّ طائراتٌ أمريكية قاذفة من طراز "أف 16" وقنابل زنة الواحدة منها 500 رطل (225كغم)، هي من ضربته وأطاحتْ به في النهر في مشهد أدمى قلوب البغداديين الذين صاروا يعاينون النهر من صوبيه بألم وأسف، وسعوا الى أعماره وتمّ ذلك فعلا حين كلّفت هيئة التصنيع العسكري بإعادة بنائه وتحول إلى جسر بممرين ذهاباً واياباً وألغيت سكة القطار، وكان الإستشاري للمشروع المهندس نبيل عبدالقادر حمادي.
تفجير إرهابيّ.. أيضا
لكنّ الجسر لم يسلم من الأرهاب الذي تربّص به، ففي المرة الأولى حاول مسلحون عام 2006 تفجيره بواسطة عبوات ناسفة، لكنّ العملية أُحبطتْ بعد أنْ أشتبكت قوة من الجيش العراقي تابعة للواء الثاني من الفرقة السادسة مع المسلحين ما أسفر عن مقتل أحد المسلحين وتفكيك العبوات الناسفة، لكنّ الإرهاب لم يتركه فتعرض له بتفجير شاحنة أدتْ إلى تدمير الجسر، ففي صبيحة يوم الخميس الـ 12 من أبريل/ نيسان 2007، وعند تمام الساعة السابعة صباحاً، تفجّر أعلى الجسر في حادثة خلّفت العديد من الشهداء والجرحى والمفقودين والغرقى، بالإضافة إلى تدمير الجسر، وبحسب المصادر الأمنية آنذاك، فإن "شاحنة ضخمة قديمة مُحمّلة بالمتفجرات توقفت بشكل عرضي في منتصف جسر الصرافية ولقطع السير بالإتجاهين الأمرُ الذي أدى إلى إزدحام شديد على جانبي الجسر، فقام الإنتحاري الذي يقودُ الشاحنة نفسها بعد دقائق من إنتظاره إكتظاظ الجسر بالسيارات بتفجير الشاحنة، وما أنْ شاع الخبر حتى خرج أهالي المناطق المجاورة لينظروا الجسر المحطم بحسرات وأسفٍ وهم يبكونه فيما كانت النساءُ (يبكينه ويلطمن نائحات عليه كأنه فقيدٌ حبيبٌ)، وفي يوم الثلاثاء 27 أيار/ مايو 2008، اُفتتح الجسر رسميا بعد مرور أكثر من عام على إغلاقه.
رثاء شعري..
وألهم حطام الجسر الشعراء لكتابة قصائد رثاء، ومنهم الشاعر خلدون جاويد (1948 - 5 نوفمبر 2022) الذي كتب قصيدة رثاء للجسر جاء فيها: (نوحي على جسر الزمان فقد كبا، ولتلطمي خداً وصدغاً متربا، حومي على جرفيه فهو مهدمٌ، شرف الدموع بشطّه أن تُسكبا، ومع النساء اللآطمات تفجّعي، قمرٌ قضى نحباً ودهرٌ قد نبا، قمرٌ على الكرخين جسرٌ من ضيا، كالروح إذ تخبو بأنجمِهِ خبا)...
ذكريات الناس .
جسرُ الصرافية.. يحتفي به الناسُ بأفراحهم وقد صار قطعة من حكاياتهم وذكرياتهم، لا سيما والقطارُ يطلقُ صافرته من بعيد قبل أنْ يهتزّ الجسرُ تحت عجلات القطار بقاطرته البخارية وصوت إحتكاكها بالقضبان، إذا حاولت إستفزاز ذواكر الناس سيأتونك بذكرياتهم، فمنهم من يذكر طلاب الكلية العسكرية وجنود القوات الخاصة الذين كانوا يجرون التمارين العسكرية عليه، وهم يقذفون بأنفسهم من أعلى الجسر الى وسط النهر في موسم الشتاء، ومنهم من يذكرُ كيف كانوا يستظلون بالجسر وهم يسبحون بالنهر، ويبتسمُ البعض وهو يستذكر كيف كان في شبابه يعبر الجسر الهاديء مع حبيبته ومنه يتأملان النهر، كما يذكر البعض عن سنوات بعيدة كيف كانوا يشاهدون (قطيع جاموس يعبر من ممر المشاة)، كما يؤكدون حزنهم على ضياع قضبان السكك الحديدية من الشوارع المؤدية الى الجسر وإزالة كل شيء يخصها، لكنهم يؤكدون أيضا إنهم كلما عبروا الجسر مشياً على الأقدام يتغنون بـ (جسر الحديد انكطع من دوس رجلية) ويبتسمون لذكرياتهم التي كانت وما زالت ماثلة .
.
.







