الأخبار

عبّاس لطيف: المشْهدُ الثقافيُّ في العراق يميلُ الى الإنطفاء..

الكاتب العراقى عباس
الكاتب العراقى عباس لطيف

 

 

أكد الروائيُّ العراقيُّ عباس لطيف إنّ الدراما التلفزيونية أكثر ما تستهويه، وقدْ وجد إنّ رسالة الدراما التلفزيونية أكثر تأثيراً في الناس، مشيراً الى إنّ رواياته إنسانية تحملُ هموم الأنسان لا سيما العراقي الذي عاش أزمنة متقلبة، موضحاً في حوار له مع "سياق 24" إنّ المشهد الثقافي في العراق يميلُ الى الإنطفاء، للأسف، الا من ومضات هنا وهناك.

منْ أين نبع عندك حبُّ الأدب وأنت في بيئة شعبية، وأيّ الكتابات جذبتك اليها ولماذا؟

هناك قاعدة إنّ البيئة الشعبية توفّرُ نوعا من المحفزات نسمّيها التحديات التي تجعلُ الإنسان أكثر حدّة وأكثر وعياً نتيجة المعاناة الطبقية والإجتماعية، والإبتعاد عن الترف الحياتي والنسق البرجوازي، هذا العيشُ في الأعماق وجدته حافزاً للإبتكار والتفكير والى الإحساس بأبعاد الحياة أكثر عمقاً، لذلك نجد، وهي نظرية ليستْ ثابتة، الكثير من هذه المعاناة قد تصنعُ أدباً، ونجد في سير الأدباء والعلماء والفنانين، إنّ المناطق الشعبية أو الحرمان أو الفقر، تؤدي الى تمظهرات وإستجابات ترتقي الى التحدي أو التعويض، أيْ إيجاد مساحة للتميز والتفوق كما تقول كارمين هونري" انّ الإحساس بالإحباط أحيانا يؤدّي الى التفوق لإثبات الذات"، وأنا وجدتُ هذه المحفزات وبدأتُ أقرأُ وأنتبه الى مكتبة أخي الكبير، فقرأتُ وأنا في المتوسطة الأدب والصحافة ما يشكل عندي وعيا مبكراً تطوّر مع الزمن.

طالما يطلّ الشعرُ برأسه بداية في مدينة مكتظة بالشعراء، هلْ راود موهبتك؟

- دائما البدايات تقترنُ بالشعر، لأنهُ الجنسُ الأدبيُّ الوحيدُ الذي يتلاءمُ مع رومانسية الإنسان في شبابه وبداياته، ربما كنا نحتاجه لنكتب قصائد لأنفسنا أو نرسله لأمرأة ما لنجلب الإنتباه، فبدأتُ بمحاولات الشعر، وهي قضايا ذاتية وأرسلتُ بعضها الى نساء كنت أتقربُ منهنّ، وبالفعل بدأتْ القضية شعريّة، لكنني مع مرور الزمن أكتشفتُ إنّ نفسي وإمكانياتي في مكان آخر.

منْ أين بدأ طريقُك نحو الرواية وما الحافزُ للسيْر فيه قُدماً؟

- إرتباطي بالرواية جاء بعد القصة القصيرة والمسرح والنقد، وأنا أعترفُ للتاريخ إنّ البداية كانت من سامي مهدي، الشاعر الستيني المعروف، هو حرّضني في يوم من الأيام، بداية التسعينيات وفي مقهى حسن عجمي، قال لي أنا قرأتُ لك بعض القصص القصيرة وبعض النقد المسرحي وتابعتك كثيرا، وسأنبهك الى قضية، قال لي: أجد عندك لغة سردية جميلة ويجب أنْ تنتبه الى هذا، وعندك قدرة على الرواية، أنا أدعوك الى أنْ تجرّب الرواية التي أراها قريبة منك، وحرّضني على المشاركة بمسابقات أدبية على أنْ لا أتعرضُ للدين والجنس والمساس بالنظام السياسي في ذلك الحين، وعندما كتبتُ الرواية التي عنوانها (الأعالي) فوجئتُ بفوزها بجائزة الابداع الكبرى بوزارة الثقافة في العام 2000، بمشاركة كبار الروائيين، وكُتب عنها الكثير بإعجاب كبير.

 

كتبت في المجالات الأدبية المختلفة، ما الدافعُ لتجربتها وأين تجد نفسك مميزا؟

- أنا متعددُ الإهتمامات، ولكنني أجد نفسي في الدراما التلفزيونية على الرغم من أنّ الأعمال التي طلعت لي قليلة جدا ولم تظهر بالشكل الكامل للأسف لظروف إنتاجها، وواحدة منها الأولى بثلاثين حلقة أنتجت في الأردن أشتراها مني المنتج والمخرج محمد يوسف الجنابي الذي حرضني على كتابة الدراما، أنا أعشق الرواية والمسرح والقصة القصيرة ولكنني وجدتُ إنّ رسالة الدراما التلفزيونية أكثر تأثيرا في الناس، هذا الفنّ يدخلُ كل بيت فنحنُ نبحثُ عن المساحة الأوسع وأنا أجدُ لذة في تركيب السيناريو الذي أعشقه، لكنّ الإنتاج في العراق متوقف تقريبا.

ولكنك امتهنتَ الصّحافة ؟

-عملتُ في الصحافة وكتبتُ الكثير في فنون الصحافة، وتبوأتُ مناصب مدير تحرير ورئيس تحرير ومنها جريدة اوروك في وزارة الثقافة وأنا من أسميتها "أوروك" بعد أنْ كان إسمُها "الإتجاه الثقافي" الذي وجدته غير ملائم وأخبرتُ الوزير فغيّرته ونقلتها الى منطقة "القشلة" بعد أنْ كانت في دار الأزياء وبقيتُ فيها 4-5 سنوات كرئيس تحرير لهذه الصحيفة التي هي الصحيفة المركزية لوزارة الثقافة .

 لماذا طريقُ القصّة القصيرة يؤدي دائما الى منعطف الرواية برأيك؟

-هناك أرتباط بين القصة القصيرة والرواية، لكنّ القصة القصيرة تختلفُ إختلافاً كليا عن الرواية، جينيا هما تنتميان للسرد، لكنّ قوانين القصة القصيرة قد تبدو غير قوانين الرواية، وأنا أقولُ لك إنّ القصة القصيرة قد تبدو أصعب لأنّ عليك في عدة صفحات قليلة أنْ تقدم عالما كاملاً، بطل وحدث وقضية وفكرة وبداية وتصعيد وتكثيف ونهاية، وهذه عملية هندسية ليستْ سهلة، لكنّ الرواية فيها مجالٌ لتدخل مساحات للإسترسال والإنتقالات والوصف ولتُدْخل أفكارا سياسية، فلسفية، سايكلوجية ووجودية، بمعنى الفضاء السردي أوسع من فضاء القصة القصيرة .

 ما رست كتابة النقد، هل لسرّ أردت إكتشافه أم رسائل مبطنة للنقاد ؟

- ممارستي للنقد قديمة منذ المتوسطة والإعدادية وكنت أكتبُ عن بعض الأشياء التي أشاهدها سواء مسلسلات او مسرحيات او أفلام سينمائية ولكنْ ليس محترفا، لكنّ النقد بدأ عندي عندما كتبتُ مسرحيات وعرضتْ ودخلتُ في الكواليس مع المخرج والممثلين، فصارت عندي خبرة بالمسرح ،عرفتُ الإخراج والرؤية الإخراجية وأداء الممثل والسينوغرافيا وكيفية تركيب العرض المسرحي وأسرار القوانين الداخلية للعرض المسرحي، كل هذا عشته عمليا، أنا اكتبُ وهم يخرجون وأنا أنظرُ، الى جانب بدأتُ أقرأُ عن المسرح كنصوص ونظريات كمخرجين كتاريخ مدارس ومذاهب الى أنْ تمكنتُ، وحاليا عندما أكتبُ نقدا مسرحيا أعتبر الكتابة متقدمة ومحترفة بشهادة أصدقائي ومشاركات داخل وخارج العراق وفي كل مهرجانات المسرح العراقي، وأسّسنا، نحنُ مجموعة من النقاد، تيارا نقديا بدأ مع منتدى المسرح في دوراته الأولى في العام 1984 لحد العام 2016 ونحن مواكبون للعروض الطليعية التي أسست لإتجاه مغاير في المسرح العراقي وفي النقد المسرحي.

إهتمامك الكبير بالمسرح .. أين توقف؟ هل أجبرك إضمحلالُ التجارب المسرحية على ذلك؟

- إضمحلالُ المسرح وإنطفاؤه ، إنْ صحّ التعبيرُ، حالة يرثى لها ويفترضُ أنْ يكون المسرح في طليعة الفنون، والعراق عُرف بتجاربه المسرحية الكبيرة ومسرحييه المعروفين ولكنْ هناك ظروف كثير، تخصّ المسرحيين وطبيعة المرحلة للدولة، طبيعة عدم إهتمام الدولة بالمسرح، فلا وجودُ لتنظيم المسرح، بمعنى إبتعاد وزارة الثقافة عن الثقافة بشكل عام وليس عن المسرح، الى جانب الأزمات الإقتصادية التي تعيشُها الدولة أيضا، فالمسرحُ والدراما إنتاج لذلك بدأتْ الفنون تضمحل.

 ألا تشعر بالتشتت ؟ أم إنّ التريث في كتابة الرواية يمنحك فراغا ووقتا ؟

- التعددية في الكتابة تخلق نوعا من التشتت، لكنّ الأنسان المنظم، ومن حُسن حظّ الأنسان الذي يعمل في مهن دقيقة مثل التدريس المهنة الصعبة لكنه يتطلبُ الدقة في حفظ الأشياء والمتابعة والتقارير والدرجات وحفظ الأسماء وحفظ المنهج إلخ..، هذا النظام أنتقل عندي في الكتابة، فأنا لديّ سجلات ومذكرات أستعين بها، اذا فكرة مسرحية أكتبُ إنها تصلحُ فكرة مسرحية، وكذلك إنْ كانت روائية او نقدية أو فلسفية، وهذا التعددُ بالقراءات، وهو أصلا عندي موسوعية بالقراءة، فأستطيعُ أنْ أكتب في كل مجال، لكنّ هذا التشتت صعبٌ فلم أستطعْ أنْ أنجزها كلها على الرغم من وجود إمكانية فاقتصرتْ على المجالات التي نجحتْ فيها لكنها تتطلبُ جهدا مضاعفا في أنْ تعرف أسرار وقوانين المسرح والرواية والقصة القصيرة والنقد والدراما والسينما، وهذه كلها علوم ولا بدّ أنْ تبرع بها وتكون محترفا فيها، هي متعبة لكنّ الفنّ والإبداع هما نوع من اللذة الجمالية أزاء تقديم عمل جماليّ مكتمل.

لا بدّ للكاتب من تجارب أولية يُخفيها عن النشْر.. ماذا لديك؟

- هناك الكثيرُ من الكتابات للكاتب في بداياته وحتى في هذا العمر نكتبُ أشياء ليست للنشر، مثل قصص او أفكار ممنوعة، أنا أكتب كثيرا الميتافيزقيا والتديّن الشعبوي والظواهر الدينية والعقل العربي القائم على النسق التركيبي وليس التحليلي، نسق تأملي، غيباني، ميتافيزيقي أو حكواتي، أكتبها وأحتفظ بها لنفسي أو أنشر بعضها على الفيس، وعندي من البدايات قصص قصيرة لم أنشرها لأنها لا تصلحُ للنشر حتى الآن لجرأتها في جانب سياسي او آخر معين.

 

روايتك (العروج الى شيراز) يوحي غلافها إنها فلسفية صوفية، هل أردت لها ذلك؟

- الحديثُ عن العروج الى شيراز هي مزاوجة ما بين التصوف والحب والحرب، رواية مركبة، متعبة في كتابتها، أمضيتُ مدة سنتين في كتابتها، لأنني مزجتُ ما بين أحداث معاصرة هي الحرب العراقية الايرانية تحديدا معركة نهر جاسم والتصوف القديم، سيرة حياة حافظ الشيرازي، الشاعر الصوفي الإشكالي، وبين الجندي العراقي الذي هو جلال شاكر من المثقفين المرغمين الذي سيقوا الى الحرب، هناك ثلاثة شخصيات ترفضُ الحرب وهم يعشقون الحب والمرأة والطبيعة لكن السلطة تقودهم وتحولهم الى قطيع عسكري.

 روايتك (شارع الزعيم) هل أردتها تاريخية توثيقية؟ ما الذي أردت أنْ تحتجّ عليه فيها بإسم الزعيم؟

- هذه الرواية أردتُ منها أنْ أدخل الى إشكالية الثورة المختلف عليها ما بين إنقلاب ضد نظام ملكي دستوري ومن يعتبرها ثورة تحمل فلسفة، لكنْ لكلا الطرفين الحجة والعذر، لكنها ليست ثورة بإعتقادي الشخصي بدليل إنّ الذي قام بها ليس الشعب والثورة هي من تقوم بها طبقات الشعب، أما عسكر ويسيطرون على السلطة فهذا إنقلاب عسكري ليس له علاقة بالثورة، لكنّ بعض الإنقلابات تحملُ بعض الأفكار مثل انقلاب عبد الرحمن سوار الذهب في السودان ولكنه منح السلطة للمدنيين، نحنُ لم يجر مشروع ديمقراطي بل صراع دموي.

وروايتك (تذكرة الى الجحيم) أي جحيم تعني؟ وأي الطرقات تؤدي اليه؟

- سيميائية الجحيم تشيرُ الى جحيم ما بعد الإحتلال من خلال رصد لتوليفة درامية بين خمس نساء يعملنَّ في صالون للتجميل، ومن خلال المتن الحكائي دخلتُ الى المجتمع العراقي ورصدتُ ظواهر الإرهاب وإنهيار المنظومة الأخلاقية والإجتماعية، رصدتُ الإنقلاب الطبقي التراتبي الذي حدث لدينا، فهناك طبقات صعدت وكانت في الهامش وهناك طبقات كانت في المركز ونزلت الى الهاوية، أشتغلتُ على ثنائية الهامش والمركز، ورصدتُ كل إفرازات الإحتلال البغيض وظهور الطائفية والقتل على الهوية حيث قدمتُ مشهدا بكل تعقيداته بإسلوب درامي وسردي حاز على إعجاب الكثيرين.

أيُّ أحزانٍ ما زالت مترسبة في نفسك بعد كتابتك (شرق الاحزان) ؟

- فعلا هي أحزان "مدينة الثورة" التي دائما تُنكبُ، لأنها مدينة المهاجرين الجنوبيين الذين جاءوا الى بغداد التي ليس فبها سكان أصليون، وحتى الأعظمية والكرخ والكرادة هم أيضا نزحوا من المحافظات، من المحافظات الغربية والشمالية والوسط، بغداد دائما لا أصل فيها، وكل سكانها من المهاجرين، لكنْ ألصقتْ أشياء بمدينة الثورة لإعتبارات سياسية أكثر من غيرها، لأنّ هذه المدينة أسسها عبد الكريم قاسم في ذلك الوقت فارتبطتْ به، لذلك كل نظام يأتي يحاولُ أنْ يحتويها ويطلقُ عليها إسماً يجيّره لصالح النظام، و(شرق الأحزان) عن المدينة وأحزانها وهي كما سميتها مدينة طقوسية كرنفالية فيها أشياء غريبة.

 قرأتُ لك مصطلح (الإستبداد المقدّس) متى يكونُ الاستبداد مقدسا؟

لا يوجد إستبداد مقدس ولكنه يحاولُ أنْ يسبغ القداسة عليه، أحيانا التقديس الزائد والمغالى فيه يتحولُ الى استبداد وهذا عندنا (الأستبداد الديني)، فالدينُ هو التسامحُ لكنّ الاستبداد يأتي من التدين المزيّف، لذلك هو إستبداد يضفي على ذاته وممارساته نوعا من القدسية لكي يكون مهيمنا، فأنت لا تستطيع مواجهة المقدس لأنّ هناك العقل الجمعي وهناك الموروث الديني الذي لا يمكن مساءلته او الشك به، فهذا هو الخطاب الذي أستغله الإسلام السياسي بالذات لتشكيل القداسة على هذا النوع من الإستبداد، وقلنا إنّ اية فكرة او أيدلوجية مغلقة تتحولُ الى نصوص مقدسة، وليست الدينية فقط بل حتى الأيدلوجيات السياسية من أقصى اليمين الى أقصى اليسار، كلها تتحولُ الى ما نسمّيه الجمود العقائدي، أي ممارسة الاستبداد، مشكلة القداسة إنّ كل نظام مستبد وكل قوة تحاول الهيمنة تتوسمُ بالشعارات المقدسة لكي تحتفظ بقوة خفية وقوة قمعية داخلية، بمعنى تستغلُ القداسة من أجل الهيمنة.

 

ما رأيك بالمسابقات الأدبية وجوائزها؟

أنا مصرٌّ على إنّ الجوائز بشكل عام لا توجدُ بينها جائزة بريئة في العالم، الا اذا كانت مؤطرة بالأدلجة والتوجيه والتسييس حتى جائزة نوبل، مثلا كم عدد اليهود الذي أخذوا جوائز، تجد فيها إشكاليات كبيرة، أما عندنا فهي جائزة الابداع وهي جائزة متهالكة لا تتوفرُ فيها الشروطُ بسبب وجود الوزراء الذين لا يفهمون بالثقافة ولا يمثلون شخصيات ثقافية وقد توالى عليها ضباط شرطة وإرهابي وعن طريق المحاصصات، وحتى الذي قيل إنه أستاذ جامعي فكان رجلا تقليديا ليس له علاقة بالثقافة، في إحدى المرات ظهر على التلفزيون وقال سنوسع جائزة الإبداع لأفضل (شيف) عراقي، وحين سأله المذيع عن (الشيف) قال له نحن وزارة الثقافة والسياحة ونعطي جائزة للشيف مثلما نعطيها للروائي والشاعر، هذا الفهمُ السطحيُّ لا علاقة له بالموضوع، لذلك أعتقد إنّ الجائزة ظاهرة سلبية في العالم وإنْ كانت تحفّز ماليا وتوفر شهرة لكنّ فيها أجندات وإشكاليات وقد تسوء بأنّ تجعل الكتاب يكتبون على النمط الجوائزي، أيْ كتابة أعمال من أجل الجائزة، وهذا ما أسمّيه الأدب الجوائزي، والخطر الآخر أنْ تتحول هذه الروايات الى مثال يقتدى به .

 يشاعُ إنّ القصة القصيرة على طريقها للتلاشي، ماذا تقولُ في هذا؟

- القصة القصيرة بدأتْ تنحسرُ وتغيبُ عن الساحة ويقلُّ كتابها، وأعتقدُ إنّ الأحداث الكبيرة الفادحة في العالم والأزمات والكوابيس والتحولات بدأت القصة القصيرة لا تستوعبها، لأنّ القصة القصيرة ترصدُ حدثا سريعا عابرا، لقطة صورة سريعة بينما الهموم الاجتماعية تحتاج الى الرواية، لأنّ هناك تعقيدا صار في الانسان وفي همومه وأزماته، أزمة الذات وأزمة السلطة والفكر والحرية وأزمات الأمان والحروب وإغتراب الانسان عن العصر والهجوم الغريب للثورات الاقتصادية والالكتروني، بدأ الانسانُ يبدو غريبا داخل هذه الغابة الالكترونية، فأحيانا الجنس الأدبي يعجزُ عن إستيعاب الكمّ الهائل من التعقيد الاجتماعي والوجودي والفلسفي، سحر الرواية بدأ يغلبُ على سحر القصة القصيرة .

ازدادَ عددُ الروائيين بعد العام 2003 ، كيف تنظرُ الى جودة ذلك ولماذا؟

- هذه مشكلة من مشكلات الواقع الثقافي في العراق، تخيّل إنّ الرواية العراقية منذ بدايتها في العشرينيات الى العام 2003 صدرت منها 120 رواية فقط خلال نحو قرن، بيما ما بعد 2003 وصل العدد الى نحو 2000، ما هذا الكمّ الهائل، كل واحد ألتفت على نفسه ووجدها (روائي)، وكل واحد لديه فلوس ذهب الى شارع المتنبي وطبع رواية، والكثير منها تقدم إليّ ولا أجدها رواية، فالبعضُ يعيشُ وهم الرواية، يعتقدُ إنّ هذه الخواطر والذكريات او فكرة ملحة عنده او (سالفة) سامعها فيعتبرها رواية، لكنها قاصرة فنيا ولا تتوافر على شروط الكتابة الروائية التي أصبحت صعبة جدا لأنها عمليات تقنيات سردية وجمالية وعناصر وتكوين وإنشاء، ورسم الأحداث والتعامل مع الزمان والمكان، وهذا التعدد الكمي لم يخدم النوع الروائي بل على العكس كما أتصور لن نجد الا عددا قليل منها تتوافر على إشتراطات الكتابة، وهذه موجة ستنحسرُ ، فهذه ظاهرة سلبية ثقافيا.

 

كيف ترى المشهد الثقافيّ العراقيّ الحالي ؟

للأسف الشديد ،هناك لعنة أبتلي بها المثقفُ وصارت سبّة عليه وهي إنه ليست لديه قدرات مالية واقتصادية لتسويق إنتاجه فاعتاد المثقفون أنْ تحتضنهم الدولة وتعطيهم وتطبع اعمالهم، وهذه الظاهرة فيها جانب سلبي وآخر ايجابي، فمن ناحية الإيجاب أنّ الكاتب لا يستطيع أنْ يطبع على نفقته الخاصة، وهذه تسهل عمله، ولكن كيف الدولة تتعامل مع هؤلاء؟ لتسويق أفكارها وأيدلوجيتها ومعتقداتها ولا تسوّق الأدب الإنساني الحقيقي الذي يتناول كل الظواهر السلبية ، فهي تحتاج الى أدب مجاني كما حدث في النظام السابق، كانت القصة القصيرة والرواية تخدمان الحرب وأيدلوجية الحزب الواحد والقائد الضرورة الذي يحكم البلاد بطريقة فردية، وما كانوا يسمحون بالأدب المغاير، الآن توفرت الحرية ولكن هذا الإنفتاح الكلي ما حقق نتائج جيدة لأنّ هناك رقابة أخرى بدأت وهي الرقابة المجتمعية، رقابة رصد ووصاية وتدجين من جديد، ممارسات لقمع الثقافة وعدم اهتمام الدولة بشكل عام، فلا نجد اهتماما بشيء إسمه الثقافة، فنطمحُ الى دعم كبير، فإمكانيات الأدباء والمؤسسات الادبية لا تستطيعُ أنْ تنتج أعمالا كبيرة، وما ينقصنا هو وجود قطاع خاص يهتمُ بالثقافة، لذلك بدأ المشهد الثقافي في العراق يميلُ الى الإنطفاء، للأسف، الا من ومضات هنا وهناك.

 هلْ يهمُّك رأيُ النقاد في تجاربك الأدبية ،وهل أنصفك النقدُ؟

ليس لدينا نقدٌ منظمٌ، وأنصفني الكثير من النقاد، وأعتز جدا بكتابات نقاد كبار مثل الأستاذ الكبير فاضل ثامر والدكتور سمير الخليل وغيرهما من الأسماء الكبيرة والكثيرة والصحف والمجلات والحوارات والجلسات التي أستدعيت لها في إتحاد الأدباء وجمعية الثقافة للجميع وفي التلفزيون، وكلها أجد فيها إنصافا وأستغربُ وجود قرّاء خطيرين في العراق على الرغم من هذا التأخر، لدينا إحالة نادرة، فأحيانا ألتقي شخصا في شارع المتنبي فيذكرُ لي روايتي الأولى وقصة قصيرة قديمة ويسألني عنها، يعني هناك متابعة من قراء عجيبين، وهذا أجد فيه متعة كبيرة ولذة في هكذا أناس يتذكرون أعمالي التي نسيتها، أحدهم ذكّرني بقصة من العام 1983، إسمها (هموم عازف الناي) وكنت قد نسيتها ولا أحتفظ بنسخة منها، العمل يصبح ملك النقاد والقراء بعد النشر، ولا يهتم الكاتب لما يقال سلبا او ايجابا، فإنْ كان إيجابا فتستمتع به وإنْ كان سلبا فتطّلع على توجهات وقراءات متعددة، ومن حق النقد أنْ يقول كلمته.

 هلْ شعرتَ يوماً ما إنك تريدُ هجرَ الكتابة ؟

الكتابة لا أستطع هجرها، لانني لم أكتب للآخرين ولم أكتب إبتغاء للشهرة، بل أكتب لنفسي ثم أقدمه للآخرين، وعندي كتابات أكثر من الذي طبعته، وهو للتمتع، فأنا أرصد كل شيء وأدوّن كل شيء، والكتابة عندي عملية مرتبطة بوجودي، متلازمة مع ذاتي وعقلي وأجد إنها متعة ونزهة وهروب من الواقع، ليس الهروب السلبي، بل العزلة التي اسميها الجميلة المنتجة، لأن المعرفة تقيك من التفاهة ومن الإنخراط مع الحياة العادية، وكما يقول القرآن العظيم هذه الجملة الجميلة (ولا تخض مع الخائضين) وهي الوسيلة الوحيدة التي تجد في محرابها نفسك وتلتقط المعارف وتكتمل ذاتيا ويبدأ عندك الاكتفاء والإستغناء عن أشياء كثيرة حتى تكون لديك قدرة على قمع الرغبات والشهوات العابرة والأشياء المستهلكة، فتعيش عالما من المتعة والرقي، لذلك فالكتابة إن هجرتها لن انشر لكنني لا استطيع عدم القراءة والكتابة معا.

 ما الأسئلة التي تقف أمامك على الورقة وأنت تفكرُ للبدء بالكتابة ؟

- هي الأسئلة التي ترتبط بالحياة المتوازنة، البحث عن الحرية الحقيقية، البحث عن الإنسان المتكامل على مستوى الفرد أو المجتمع.

 ما الذي يتأرجحُ في داخلك ؟

- الأسئلة التي تبحثُ عن الحياة المتوازنة، البحثُ عن الإنسان المتكامل على مستوى الفرد والمجتمع، تحقيق هذه الاحلام التي رسمتها المخيلات الفلسفية واليوتوبيات والمثلوجيات، الأفكار السياسية، الفلاسفة، النبلاء، الأدباء، المفكرون، ولكنْ نرى إنّ المجتمع يبتعدُ عن هذه الطموحات والمشاريع، فالمجتمعُ يتدحرجُ نحو مادية مقلقة ونفعية وسيادة القوة والطمع والإستئثار والملكية الخاصة وأنظمة غرائبية سريالية على مستوى العالم والصراع الدولي الذي يبتعدُ عن تحقيق مجتمعات إنسانية متوازنة، يعني أصبح الهمّ العسكري والهمّ الاقتصادي وقضم الآخرين والإحتلالات والغزو والتشوية والسلطات القمعية والدكتاتورية والحروب هي المهيمنة على العالم، والإنسان حبيس هذه التوجهات الرثة والقمعية، فتدورُ في داخلي دائما أسئلة وجودية حيرى: لماذا يتجهُ الإنسانُ الى هذا الخراب؟، لماذا الى هذا الفناء؟ لماذا غياب الأخلاق والصدق وغياب الإنسان كإنسان كما خلقه الله، ككائن جميل وعاقل.