الأخبار

الخزّافةُ زينب الركابي : يجْذبني سحرُ الطين، وأحاول تجسيد مشكلة الإنسان المعاصر

 الخزّافةُ زينب الركابي
الخزّافةُ زينب الركابي : يجْذبني سحرُ الطين، وأحاول تجسيد

 

تؤكد الخزّافة العراقية زينب الركابي انها انجذبت الى الطين لتشكيل عوالمها ومشاعرها لأنه مطواع حتى أستحوذ على كلّ إهتماماتها، مشيرة الى معاناتها الكثيرة معه، والتي ذكرتها في حوارنا معها ..

* من أين بدأ طريقُك نحو الخَزف ؟

- إنها هواية كبرتْ معي واستحْوذتْ على كلّ إهتماماتي، كانتْ ومازالت الأعمال الخزفيّة تجذبني منذ الطفولة وكنتُ أشعرُ بقوة للإنشداد إليها ومحاولة تلمّسها والتأمل فيها، كان حلمي أنْ أدرس الخزف لهذا درسته في محترف مديرية التراث الشعبي على أيدي الفنان مؤيد نعمة والفنان قاسم حمزة .

 * لماذا الخزفُ تحديداً، أيّ شيء جذبك فيه ؟ 

- ما جذبني هو سحر الطينُ وكونه مطاوع للفنان، يمكنُ أنْ تشكّل الفكرة التي تريدُها ويوفرُ أعمق وأطول علاقة مع العمل، إنني أشعرُ بحاجة شديدة للإندماج مع العمل الفني لذلك أخترتُ أنْ أكون خزّافة لأن العمل الخزفيّ لا يأخذُ هيأته الكاملة منذ اللحظة الأولى وإنّما يبدأُ فكرة ثمّ تتجسدُ الفكرةُ في الطين وفي دوران الدولاب وإنشغال القدمين واليدين والعينين بالكتلة الطينية التي تأخذُ طريقها بعد ذلك الى الأفران أياماً عدة، لا تخرجُ من الفرن بصورتها الأولى وإنما تأخذُ حجماً مختلفا، وألوانا مختلفة . 

 

 * ألمْ تسْتهْوك الفرشاة والقماشة للتعبير عن مكنونات نفسك بهما ؟ 

- بالتأكيد تستهويني، للفرشاة و الكنفاس مشاعرٌ مختلفة عن الطين وقد درستُ في كلية الفنون الرسم حتى أُكمل صورة الخزّاف الذي يرسمُ، ففي الرسم ستكون لديّ حرية كبيرة في التعبير عن أفكاري ومشاعري، أحببتُ الرسم وأدركتُ بأنّهٌ يختلفُ عن الخزف، وعندما مارسته أثناء دراستي في أكاديمية الفنون الجميلة زادتْ محبتي له و تعلقي به .  

 * ما سرُّ التجريد الذى تمارسينه ؟

- التجريدُ يوفرُ لي الحريّة في طرح المواضيع بدون قيد أو شرط  لطالما كان التمرّدُ على القيود والنزوعُ نحو التغيير من السمات التي تميزُ التجريد، عمليةُ الرسم أشبه ما تكون بالممارسة الذهنية التي منها تنطلقُ الفكرةُ وأستخدم الرأس الذي هو خلاصة الإنسان، فأنا أعملُ على تجريدة مكوّنة صوراً وعلامات وأرقاماً هي رموز ذات علاقة بالذاكرة الشخصية، لعلّ تجريد الأشكال المستمدة من المحيط لا تبتعد كثيرا عن الواقع، فبوسع المتلقّي أنْ يدرك التكوينات اذا ما أمعن النظر فيها 

 *ما بين الموروث و الحداثة، أين يكمنُ أهتمامك وما يفهمه الناسُ منك ؟

- إهتمامي يركّزُ بالدرجة الأولي على الرموز الموروثة، قد تكون رموز تراثية أو تاريخية، أحبّ البحث فيها وإكتشاف المعاني والأسرار التي تحتويه هذه الرموز وكل لوحة أرسمها تحتوي على هذه الرموز، أكتشف إكتشافاً جديداً وأدخلُ في تفاصيل تشعرني بالسعادة كإنني أقرأ كتاباً جديداً وأتعرفُ على عالم جديد من الأسرار والخبايا والتي تضيفُ إلى ذاكرتي الكثير، وأرى ردود أفعال المتلقي الذي تثيرُ فضوله فيهتم ويسألُ ويحاولُ أنْ يتعلم منْ هذه الأسرار ونظلّ نناقشُ هذه الأعمال حتى يفهم المتلقي كلّ جزء من رموز اللوحة. 

 

 

 * ما الثيمةُ الأبرزُ في إشتغالاتك الخزفيّة ولماذا ؟

- وجهُ الإنسان هو الثيمةُ الأبرزُ والأهمُّ في كلّ إشتغالاتي الخزفيّة إنّهُ يساعدني على مناقشة قضية مهمّة تشغلُ كل تفكيري هي مشكلة الإنسان المعاصر الذي لديه أكثر من وجه وشخصية والتي تخبئ خلفها أمراضاً يعاني منها المجتمع والتي تجعلني والكثير من الناس يعاني من كذبه و نفاقه، ولا يمكنُ التعبير عن ذلك الا بالوجه الذي يمكنُ قراءة كلّ إنفعالاته . 

  * مازال عددُ الخزّافات العراقيات قليلاً جداً، كيف تفسرين هذا ؟ 

- بسبب الصعوبات التي تواجهها الخزّافة منذ سنين ومنها إنقطاع الكهرباء، فالأعمال الخزفية تحتاجُ الى درجات حرارة عالية وكهرباء مستمرة وهذا طبعا صعبٌ بسبب انقطاع الكهرباء المستمر، مما أضطرتْ الخزافة معه الي إيجاد بديل لفنّ الخزف، وفي الغالب تذهب الى الرسم لتمارس حبّها وأفكارها الفنية لتحققها على الكنفاس أو الخشب. 

 

 

* ما الذي يمثله لك معرضُك (مرايا النفوس) ضمن مسيرتك الفنية ؟

- المعرضُ الشخصيّ الأولُ، وجهة نظر أو رأي في قضية أو تعبير عن مشاعر يركزُ فيها الفنانُ على نقطة معينة يريدُ  أنْ يجذب اليها عين الرائي وعقله و فؤاده وتبلور أسلوب الفنان ومدى تأثير وجهة نظره على الجمهور المتذوق. 

*ما الذي يثيره فيك وجه الإنسان ليكون شاغلك في أعمالك الخزفيّة ؟

- المتعةُ في إنني أستطيع قراءته واستنطاقه فنقرأها وندرك ما في دواخلها وجهاً يكذبُ عليك ويعتقدُ إنك لا تعرفُ كذبه، أحبُّ كثيراً أنْ أنجز عملاً خزفياً بهذه التعبيرات التي لا يقرأها سواي، مشاعر الإنسان الداخلية (حب، كره، غضب، فرح ، نفاق ومشاعر مزدوجة) فضلاً عن المغْزى الدفين المستفزّ الذي تستبطنه عادة أعمالي المنتقاة برموزها و ألوانها . 

 *ما أبرزُ ثلاث محطّات في حياتك ؟

- منْ أبرز وأهمّ المحطات في حياتي الفنية معرضي الشخصي الأول ومن ثم إقامة المعرض الثاني في بابل، وهذان يعتبران الخطوات المؤثرة ، أما الثالثة فهي دراستي في كلية الفنون الجميلة. 

 *ما الصعوباتُ التي تواجهك في أعمالك الخزفية ؟ 

- إنّ من أجمل اللحظات في حياة الخزّاف هو تعامله مع الطين وتكوينه عملاً ينقلُ فيه مشاعره من حبّ أو كره أو غضب وفرح بعد إنجاز العمل و لكنْ حين يجفُّ العملُ تبدأ هنا الصعوبات في إدخال العمل الفني الي الفرن وإنتظار الكهرباء التي قد تاتي أو لا تاتي ساعة ربما، في حين يحتاجُ الى ستّ ساعات لإنجاز العمل كمرحلة أولى وهي الفخر، وأحيانا يستغرقُ أسبوعاً ما بين إشتعال وإطفاء .. وتتكررُ المعاناة في تزجيج العمل الى أنْ يصبح عملا فنيا ناضجا، ثم نبدأ في النهاية (الفنشن) من تجهيز قاعدة خشب للعمل وهذه المرحلة معاناة أخرى مع النجار الذي لن يكون أرحم من الكهرباء حتى ينجز القاعدة الخشبية التي هي جزء مهمٌّ مكملٌ لإنضاج العمل، بعدها تبدأ معاناة أخرى مع المشاركة والنقل والحفاظ على العمل من الكسر وووو الى ما لا نهاية  من الصعوبات التي ليس لها حلّ،  وعلى الرغم من ذلك نواصل العمل الفني . 

 *هل تعتقدين إنّ المتلقّي العادي يفهمُ ما تعملين ؟ 

- لا أعتقد إنّ المتلقي العادي يفهمُ الفن أو يتحسسُ الأعمال الفنية وذلك بسبب معاناة المتلقي العادي في الحياة التي تجعله يهتمّ بمعيشته أكثر من إهتمامه بالفنّ الذي يعتبره رفاهية لا تستحق، لهذا تجد إنّ إقتناء الأعمال الفنية قليل جدا فلا توجدُ ثقافة الإقتناء أو الإهتمام بالنشاطات الفنية، وفي المعارض تظهر نسبة المتذوقين للفن قليلة جدا والحضور يقتصرُ فقط على الفنانين. 

 

* أين المرأةُ في أعمالك ؟ كيف تعاملت معها ؟ 

- المرأةُ موجودة في كل أعمالي، فعندما أناقشُ المشاكل الإجتماعية في المجتمع، فهناك فيه إمرأة تعاني من النفاق والكذب والإزدواجية التي تتعرضُ لها المرأة في كل يوم، فالمرأة حاضرة في كلّ أعمالي تقريبا بشكل ما، قد تكون مختزلة أو على شكل الرموز المستقاة جميعا من العديد من التجارب المريرة التي مرّتْ بها المرأة وما زالت تعاني منها.

 *هل هناك إهتمام بهذا الفنّ؟ لماذا لم نشاهد له معارض كبيرة ؟

- أبدا .. لا يوجدُ إهتمام بفنّ الخزف، والتركيزُ كله على الرسم أو النحت والتبرير لهذا الإهمال المتعمّد إنّ الخزف ينكسر وعمليات نقله صعبة والعمل يكونُ وزنه ثقيلاً، لهذا يفضلون الرسم بالدرجة الأولى والنحت تقامُ له معارض خاصة وكذلك الرسم، أما الخزف فيقامُ له معرض سنوي واحد فقط . 

 * كيف ترين واقع الفنّ التشكيليّ بشكل عام ؟ 

- علينا أنْ نتمعن في الفنّ التشكيلي بكلّ ما هو أهل له من اهتمام و تقدير، وأننا نجورُ على الفنّ التشكيلي في العراق إذا لم نفردْ له بحثاً خاصا يتناولُ واقع الحركة الفنية، إنها في حيوية واتساع متواصل والرسامون كثيرون ويصعبُ ذكرهم جميعاً حتى المهمين منهم في نطاق محدود .

 * ما الطموحاتُ التي مازالتْ في نفسك وتتمنين تحقيقها ؟ 

- الانسانُ طالما هو على قيد الحياة فطموحاته لن تنتهي ولن تتوقف عند حدّ ..، ومن أهم طموحات الفنان إقامة معرض شخصي وأنا أعمل على تحقيقه وأتمنى أنْ يلاقي النجاح مثل معارضي السابقة بإذن الله . 

 *هل حاولت تشكيل وجهك خزفيا؟ ما الذي يمكنُ أنْ تقولي له ؟

- أبدا .. لم أحاول أنْ اشكل وجهي ولم يخطرْ على بالي ولكنّي أحبُّ أنْ يقوم فنانٌ بذلك، لديّ مجموعة من اللوحات وعمل نحتي لوجهي لمجموعة من الفنانين أعتزُّ بها جدا حتى التي لا تشبهني وهي تزينُ جدار المرسم الخاص بي، ولا أقولُ لها شيء، أنظرُ إليها بإعجاب لفرشاة الفنان وليس لأنها أنا . 

 * هل هناك خزافة تجدين نفسك فيها ؟ ولماذا ؟

- لا توجد.. مع إحترامي لكلّ الخزّافات اللواتي أحبّ أعمالهنّ وأحترم تجاربهنّ، ولا أجدُ نفسي في إحداهنّ لأنّ موضوعي يختلفُ تماما عن كل الخزّافات.