الأخبار

عمارة آدْفيش عبود .. أيْقونةٌ بغداد التائهةٌ في مدى النسْيان !!

.
.

علامة فارقة في المكان، بل إيقونة معمارية بغدادية، جميلة المنظر والمظهر، أدهشت البغداديين الذين لم يروا مثلها في بغداد، سواء بشكلها الإسطواني/ العلوي، أو شكلها الوسطي/ المربع متساوي الأضلاع، الذي ترفعُه أعمدة خرسانية تتناغمُ مع أعمدة شارع الرشيد، أو جزئها السفلي الذي هو عبارة عن محالٍ تجاريّة.

 

أمرُّ منها فألقي التحيّة إليها، وأتركُ نظراتي تعانقُها وتدورُ مع دورانها، أتأملُ ما فيها ،بياضَها الذي يحاولُ الزمنُ أنْ يقسو عليه لينال منه ليبهت وقد بهُتْ، وقاعدتها التي تَشوّه الكثيرُ منها، وأعمدتها التي تحملُها وربما أشعرُ إنها ما عادتْ تقْوى على حملها وأمررُّ نظراتي على جزئها الأرضيّ الذي تكدّستْ حوله الأشياءُ وصَخبتْ قربهُ الصّراخاتُ والنداءاتُ، وحينَ أنظرُ وجهَها العلْوي أشعرُ إنّ الإهمالَ الذي دبّ فيها سينخرُها ويجعلُها على وشك أنْ تتهاوى.

 

في زمانها طبعا، تُواجهُ القادمَ من جنوبيْ شارع الرشيد بكامل بياضِ وجهها الدائريّ المفعم بالبهْجة والدهْشة ولمعان قوامها المكتظّ بدوائر فخارية أسْتلزمتهُ روعة التصميم، وأناقة ما هي عليه بشكلٍ عام لتبهر الناظرَ وتجعلُهُ، رغْماً عنهُ، يتأملُها ويحاكيها سواء بلسانه أو عينيه، وقد كان الفضاءُ أمامها مفتوحاً ويكادُ الناظرُ يراها ترفرفُ بأجنحة تدورُ حول نفسها.

    فيما هي الآن ليستْ كذلك، تغوصُ أجزاؤها الأخرى في غيّابة فوضى المكان، مثلما هي ماثلة لمنْ يأتيها من شمالها، فيرتدُّ نظرُه لأنّ هذا الجزء لنْ يجذبه، ولكنْ مهما يكنْ فلابدّ من النظر أليها والتعلق بسيمائها كونها بناية إستثنائية وجميلة تمتلكُ حكايات ذكرياتها.

البنايةُ المدوّرةُ أو السفرْ طاس!!

   يسمّونها (العمارة الدائرية) وتارة (البناية المدورة) وهناك من البغدادييّن من  يسمّيها (عمارة السفرْ طاس)، (أو سفر طاس) والسفرطاس هو وعاءٌ معدنيٌّ طبقيّ يُستخدمُ لحفظ ونقل الأطعمة وإبقائها دافئة، وحملتْ إسْم لقب عائلة صاحبها (عبّود) ثمّ إسم إبنته السيّدة المسيحية (إدفيش عبود)!! وركزتْ هذه التسْمية، من ثمّ بالأسماء الأخرى التي تعاقبتْ على شرائها مع مرور الأعوام، بدأ البناءُ فيها في العام 1955، وتمّ إفتتاحها في العام 1959 وتُوصفُ بأنها (كانتْ أوّلَ تصميم جريء نقل العمارة في العراق من الطابع التقليديّ الى الحداثة وقد صُممتْ من قبل المعماري الكبير عبد الله إحسان كامل (1919 – 1985) أستاذ الهندسة في جامعة بغداد آنذاك، بالإشتراك مع المعماري الكبير المرحوم رفعت الجادرجي (6 ديسمبر 1926 - 10 أبريل 2020) .

  وحسب المصوّر الفوتوعرافي لطيف العاني الذي نقل عنه الكاتب سعدون الجنابي أنه سمع من المصمّم المهندس عبد الله إحسان قوله "أنّ الجزء العلْويّ المدوّر يرْمزُ إلى تصميم مدينة بغداد المدوّرة "، وأنه أيضا " أراده ليتناغم مع منارة جامع مرجان القريبة جداً من العمارة، ولكيْ يتناغمَ أيضاً مع تصميم مصْرف الرافدين المدوّر المقابل للجامع والعمارة، فقد تحقّق بذلك هندسيّاً التناغمُ الحرفيُّ العالي للناظرين عند الإنجاز".

أوّل "تحت التكية"

    تقعُ في شارع الرشيد، في الجزء الشمالي الثاني منه الذي يمتدُّ من ساحة الرصافيّ الى حافظ القاضي، في مدخل المحلّة القديمة التي تحملُ إسم (تحْت التكْية) على طرف الطريق المؤدي الى سوق الشورجة الكبير الشهير وأمامها الجامعُ القديم (مرجان) التاريخيّ وهو (أقدم مساجد بغداد الأثريّة والذي بُنيَ في العام 758 هجرية/1356للميلاد)، على مقربة من شارع السّموْأل والبنك المركزي، تلوحُ كأعلى وأجمل بناية في المكان .

لها قصةٌ بدأتْ من عبّود

  ولهذه البناية قصةٌ، رواها المهندسُ رائد جعفر مطر في مذكراته، حيث قال :" تمّ تصميم هذا المبنى لحساب عائلة مسيحيّة هي عائلة السيد لطيف عبود صاحبُ "شركة عبود طبارة للسكائر" والتي كانتْ تنتجُ "سكائر غازي" وكان مقرُّها في منطقة العبّخانة، وبدأ البناءُ بالعمارة سنة 1955 وكانت تعتبرُ من المباني غير المألوفة في بغداد بالنظر لشكلها الإسطواني ولونها الأبيض الناصع، إضافة الى الإختلاف غير المسبوق بين الشكل العلْوي الإسطوانيّ للمبنى مع قاعدة المبنى المكعّبة الشكل" .

ويوضّحها "في كلّ طابق من القسم الإسطواني توجدُ أربعُ شققٍ مكتبية مع خدماتها، كلّ شقتين من الشقق الأربع تتشابهُ في المساحة، الشكلُ الدائريُّ الإسطوانيُّ وإسلوب توزيع الشقق جعلها تتميزُ بإطلالات متنوعة لكلّ شقة، ورغم إنّ هناك ملاحظات كثيرة وُجّهتْ للمصمّم لإبتعاده عن الموروث العراقي في البناء ومنها عدم إستخدام الأقواس إلا إنهُ أختار الشكل الإسطوانيّ ليتلائم مع شكل مأذنة جامع مرجان وقبابه في بداية الستينيات" .

   كما يتحدثُ عن الذين أنتقلتْ إليهم مَلكيةُ البناية قائلا " وبعد وفاة لطيف عبود وإبنه قامتْ إبنتُهُ ووريثتُه الوحيدةُ السيدة آدفيش عبّود ،قبل رحيلها من العراق، ببيع العمارة الدائرية الى الحاج هاشم احمد البهْبهاني الذي قام بدوره ببيعها الى الحاج إبراهيم يوسف سعد وأولاده وذلك عند قيامه بشراء عمارة العطور الشهيرة في الشورجة والمسماة عمارة البهْبهاني والقادسية لاحقاً وهذه العمارةُ ووفق أرشيف الدفاع المدني في بغداد حدثتْ فيها عدةُ حرائق كبيرة في الأعوام 1985 – 1989 – 1996 – 1998 – 2005 .

   (توفيتْ السيدةُ آدفيش عبّود ثاني مالك للمبنى الدائريّ في لندن في العام 2010 عنْ عمْر ناهز الـ 85 عاماً، ومَلكيّة المبنى حالياً تعودُ الى ورثة المرحوم الحاج عبد العزيز الذكير من البصرة) .

 

يذكرُ سعدون الجنابي، وهو مترْجمٌ وباحثٌ وكاتبٌ، إنّ "هذه العمارة أسْماها البغاددة بعدة أسماء؛ بلْ إنّ البعض تناقشَ معي عند نشر كتابي حول إسمها الحقيقيّ الذي وثّقته، وحاججوني بأنّ إسْمها ليس “عمارة عبود”. وأقولُ للجميع: إنّ الأصل هو أنّ الأرض والعمارة تعودُ ملكيتهما إلى عبود طبارة، صاحب معمل سجائر غازي ذي العلبة المربعة، وكان مقرُّ المعمل في منطقة العبّخانة؛ أيْ إنّ إسمها الأصْليّ هو: عمارة عبود".

  مؤكدا "بعد وفاة عبود ورثتها إبنته “أدفيش عبود”، ولأنّها كانت ترومُ الهجرة إلى المملكة المتحدة، باعتها إلى الحاج هاشم أحمد البهْبهاني أوائل عقد الستينيات؛ لذا سمّاها بعضُ البغاددة “عمارة البهْبهاني”، وتناسوا إسم عمارة عبّود. وبعد فترة، عزم البهْبهاني أمره على شراء عمارة العطور المجاورة لعمارة عبود لكونها عمارة مستقيمة البناء، فباع عمارة عبود إلى الحاج إبراهيم سعد وأولاده، فبدأنا نرى البعض يطلقُ عليها “عمارة سعد وأولاده”… وتناسوا أيضاً إسم عمارة عبود" .

    ويستطردُ "وبعد ذلك، قام الحاجُّ سعد ببيع العمارة إلى عبد العزيز الذكير -المالك الأخير وهو من تجار البصرة- فأخذ البعضُ يتداولُ إسم العمارة على أنها “عمارة الذكير”. والأصلُ أنّ إسم العمارة في ذاكرة البغاددة ووثائق أمانة العاصمة (أمانة بغداد) ووزارة البلديات، وما ذكرته في كتابي، هو عمارة عبود… وستبقى للأبد عمارة عبود".

 

بطاقةُ مُعايدة وبريديّة

هذه العمارة أو البناية كانت، في ذلك الزمان من الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، تُعتمدُ كبطاقات معايدة ورسائل تهنئة بريدية، كما جرت العادة في عصر ما قبل الانترنت، تصل الى مديات بعيدة من العالم كإحدى معالم مدينة بغداد التي يفتخر بها، ويمكن الأشارة الى تلك الصورة التي ألتقطها المصور الفوتوغرافي لطيف العاني في العام 1959، وهي كما يؤكد سعدون الجنابي إنه "وثّقها بعدستِهِ عقب إنجازها وافتتاحها رسمياً؛ إذ صوّرها برؤية تعكس الفكر التصميمي الذي ذهب إليه المهندسان"، مشددا على إنّه "ممن ساهم في إشاعة أهمية العمارة وتصميمها الهندسي، وقد نجح الراحل لطيف العاني في تجسيد كل هذه الأفكار بصورة رائعة؛ جسّد فيها الجزء السفلي المدور لعمارة مصرف الرافدين، ومنارة جامع مرجان وقبابه "،، بل ويفتخر بقوله" إن خبراء الهندسة في المتحف البريطاني اختاروا لقطة الراحل لطيف العاني ملصقاً (بوستراً) لندوتهم الهامة عن استخدامات الأشكال الهندسية في التصاميم العمرانية الإبداعية ".

 

لقطات أخرى

أعودّ أليها، وأنا في العام 2026، على مسافة 67 عاماً منها، لمْ تشخْ بعد، لكنها تائهة في المدى، ساكنة تبدو على ملامحها سيماء التعب والإرهاق، ليس سوى جزئها السفليّ يتحركُ لإعتبارات المحال التجارية، لكنها تبدو بناية مهجورة، فالأبوابُ مقفلةٌ ولا أثرٌ لشيء في أعلاها، وإنْ كانت النوافذ تشي إنّ واقعها ليس على ما يرام، فقدْ تغيرتْ كثيراً، هي وما حولها، ولا فرصة لمشاهدتها كاملة الا يوم الجمعة حين يهدأُ الشارعُ ويخلو من الصخب والناس، أو ما بعد وقت العصر حين تبتلعُ الوحشةُ الشارع وتصفرُ الريحُ في أرجائه، وليغمر الإهمالُ ما أمتازتْ به البنايةُ بشكلها الدائريّ غير التقليديّ كونها واحدة من أوائل المباني الحديثة في بغداد في عصرها ما جعلها أيقونة معمارية مميزة في وسط العاصمة .