الأخبار

عالية طالب: أقسى الغربة أن تبحث عن وطنك داخل وطنك ولا تجده

عالية طالب
عالية طالب

تعدُّ الأديبة عالية طالب من الأسماء الجميلة في حركة الأدب العراقي والعربي أيضًا، فهي تمتلك ثقافتها التي تؤهلها إلى أن تكون شخصية راكزة ومؤثرة. في هذا الحوار تعرفنا على الكثير من شؤونها أديبةً وإنسانةً.

عرّفي لنا نفسك كأديبة، بالأسلوب الذي ترتئينه؟

  • أسافر عبر الزمن، وأحمل الغد برؤى تستدعي الماضي، ثم أقف حائرة أمام الحاضر، وأسأل عالية: هل أنت في واقع معاش، أم في برزخ سماوي يخلق حيوات لا حصر لها؟ ومن هاتين الحالتين أعيد خلق حياة ثالثة، لا تشبه تمامًا ما عشته أو ما أتخيله، وإنما ما أحتاج إلى قوله. أدخل عوالم شخصياتي كما لو أنني أدخل بيوتًا أعرفها منذ زمن. أحمل فرح أبطالي وأحزانهم، وأفتح نوافذهم على الوجع والفرح والخوف والحلم والخسارة والأمل. لا أؤمن أن أبطالي مجرد شخصيات من خيال؛ إنهم أصوات تعيش فينا وحولنا، ومهمتي أن أصغي إليها قبل أن أكتبها. أؤمن أن الأدب محاولة لاستعادة الإنسان من ضجيج الحياة، ومنحه مساحة ليرى نفسه والآخرين بصورة أكثر رحمة.

من أين بدأ طريقك نحو القصة، وما الدافع نحوه؟

  • بدأت بالقراءة قبل أن أتجرأ على الكتابة. كنت أعيش داخل الكتب أكثر مما أعيش خارجها، حتى وجدتني في الثانية عشرة من عمري أتخيل أحداثًا وشخصيات وحكايات، فكتبت أول قصة. احتفت بي مدرّسة اللغة العربية وشجعتني، وكانت تلك اللحظة البذرة الأولى التي جعلتني أصدّق أن ما أكتبه يمكن أن يصل إلى الآخرين. منذ ذلك الوقت أصبحت شخصياتي بالنسبة لي أكثر من شخصيات على الورق؛ تتحرك حولي وتحدثني بأسرارها وتفاصيلها. وأحيانًا لا أعرف: هل أنا التي أستدعيها أم هي التي تستدعيني؟ أحاول أن أمنح أبطالي فرصة لفهم ما حدث لهم، أو فرصة أخرى للحياة، أو للتصالح مع ما لا يستطيعون تغييره. فالكاتب، في رأيي، لا يكتب ليقول: انظروا إليّ، وإنما ليقول: انظروا إلى أنفسكم، ربما تجدون هنا شيئًا يشبهكم.

ومن ثم ذهبتِ إلى الرواية، ما الذي أغواك فيها؟

  • الرواية تمنحني مساحة سرد تفترش الزمن، ولا تقيّدها شروط اللحظة الآنية كما في القصة القصيرة. إنها تتيح الدخول في أدق التفاصيل، ومتابعة الإنسان في تحوّلاته، ورؤية أثر المكان والذاكرة والحدث في حياته. الرواية بالنسبة لي عالم ينتقل من المحدود إلى المطلق، ومن الإصغاء إلى صوت واحد إلى أصوات كثيرة، تتجاور فيها المدن والأمكنة والأنهار والأشخاص، وتتسع لتخلق عوالم كاملة. وفي هذا العالم أدخل بيوتًا كثيرة، أمتلك مفاتيح غرفها الموصدة، وأقترب من أسرار أصحابها، ثم أبحث معهم عن الظل الذي تركناه هنا أو هناك. الرواية ليست مجرد حكاية طويلة، بل مساحة لاختبار الحياة نفسها، ومنح الشخصيات زمنًا تتغير خلاله.

هل القصة القصيرة هي التي فتحت لك الباب لكتابة الرواية أم سبب آخر؟

  • الاثنان مني وأنا منهما. لا انفصال عندي بين قصة تراودني ورواية تسحبني إلى مدارات شاسعة. كلاهما ينبع من داخلي، لكن لكل حكاية المساحة التي تختارها. كتبت روايات قبل أن أبدأ بنشر مجموعاتي القصصية، ونشرت بعضها، بينما بقي بعضها الآخر في المخطوطات والذاكرة. لذلك لا أتعامل مع الكتابة بوصفها مراحل منفصلة؛ فالقصة والرواية عندي وجهان لحاجة واحدة هي اكتشاف الإنسان. هناك حكايات تعرف منذ البداية أنها تريد أن تكون قصة لأنها تحتاج إلى لحظة مكثفة، وهناك حكايات تتمرد على الاختصار وتطالب بزمن أطول وشخصيات وأمكنة وذاكرة ممتدة، فتصبح رواية. الكتابة عندي رحلة لا تعترف بالحدود، وكلما ظننت أنني عرفت الطريق اكتشفت منعطفًا آخر.

تنوعت مجالاتك الإبداعية، أيُّ المجالات استهواك أكثر؟

  • حيثما يسافر الإبداع تجدني في أمكنته ومحطاته. القصة والرواية والمقال والعمل الإعلامي والصحفي مساحات مختلفة، لكنها تلتقي في قدرتها على التعبير عن الإنسان والحياة وخلق الجمال. لا أفضّل مجالًا على آخر، لأنني أرى أن الإبداع، مهما تعددت أشكاله، رحلة واحدة. لكن حين أخلو إلى نفسي وأسألها السؤال نفسه، أسمع إشارة واضحة إلى أن القصة القصيرة هي المجال الذي أعشق الغوص فيه دائمًا.

ألا يؤثر هذا التشتت على قيمتك الإبداعية في مجال واحد؟

  • ربما يأخذ العمل الإعلامي والصحفي جزءًا من الوقت الذي يمكن أن أخصصه للكتابة الأدبية، لكنني لم أنظر إليه يومًا بوصفه تشتتًا، بل رافدًا للتجربة. الصحافة أتاحت لي الاقتراب من حياة الناس وحكاياتهم وأوجاعهم وتفاصيلهم اليومية، وتحولت هذه التجارب إلى مخزون فكري وإنساني غني. كثير من الحكايات التي التقطتها من عملي الإعلامي بقيت في ذاكرتي حتى وجدت طريقها لاحقًا إلى قصة أو رواية.

لا بد للكاتب من تجربة أولى يخفيها عن النشر.. ما هذه لديك؟

  • لدي نصوص وتجارب كتبتها في مراحل مبكرة ولم أفكر في نشرها؛ بعضها لأنها تمثل مرحلة لم تعد تشبهني، وبعضها لأنني كنت بحاجة إلى مسافة زمنية لإعادة النظر فيه. لكنني لا أراها أخطاء ينبغي إخفاؤها، بل جزءًا من تكويني ككاتبة. فالنص الأول، حتى لو كان مرتبكًا، هو الذي يفتح الطريق للنص الذي يليه.

ما السؤال الذي يراودك دائمًا وليست له إجابة؟

  • السؤال الذي يراودني هو: لماذا وُجدنا على هذه الأرض إذا كنا نعرف أننا سنغادرها يومًا؟ لماذا نعيش ونحب ونحلم ونبني ونتعلق، ثم يأتي الموت ليضع حدًا لكل ذلك؟ ربما يقضي الإنسان حياته وهو يبحث عن معنى وجوده، وربما تكون الرحلة نفسها هي المعنى. نحن عابرون، لكننا نترك أثرًا: كلمة أو حبًا أو كتابًا أو ذكرى في قلب إنسان آخر.

عملتِ في الصحافة الثقافية، ما التجربة التي خرجتِ بها؟

  • أجمل ما عشته أنني وجدت نفسي في منطقة لا أريد الانسحاب منها. الصحافة الثقافية لم تكن مجرد مهنة، بل عالم التقيت فيه بالكتاب والمبدعين والمثقفين، واقتربت من تجارب فكرية وإنسانية كثيرة. خرجت منها أكثر إيمانًا بأن الثقافة ليست ترفًا، وإنما طريقة لفهم الحياة والإنسان.

ما وجهة نظرك في الصحافة الثقافية الحالية؟

  • تحاول الصحافة الثقافية اليوم أن تجمع شتات المشهد الثقافي وتمنح المبدعين والكتب والأفكار مساحة للحضور، لكنها تعاني أحيانًا من حالة الشتات نفسها التي يعيشها المشهد الثقافي. أحيانًا تتحول الصفحات إلى مساحة للنشر من دون أن تحمل بالضرورة أفكارًا ورؤى تستحق أن تبقى. ما نحتاجه هو صحافة تبحث عن القيمة، وتمنح الكتاب والمبدعين مساحة حقيقية للحوار والنقد والاختلاف، لا أن تكتفي بتغطية الأحداث.

كتبتِ «قيامة بغداد»، أيُّ ألمٍ كان فيك؟ ولماذا؟

  • «قيامة بغداد» ليست مجرد رواية عن مدينة، وإنما رواية تسجيلية توثيقية لما جرى لبغداد منذ عام 2003، وما رافقه من متغيرات سياسية واجتماعية وثقافية وسلوكية ما زالت آثارها حاضرة. أما الألم فهو ألم بغداد نفسها. كنت أستعيد مشاهد القتل والدمار والإرهاب، وأتتبع كيف يمكن لمدينة عريقة تحمل كل هذا التاريخ أن تتلقى كل ذلك الخراب. كان يؤلمني أن أرى بغداد تفقد شيئًا من ملامحها، وأن يعيش الإنسان العراقي الخوف والفقد والقلق. كتبتها لأن بعض ما يحدث في المدن لا ينبغي أن يُترك للنسيان، ولأن بغداد تستحق أن تُروى حكايتها بأمانة ووجع ومحبة.

وقائع «قيامة بغداد» وثائقية مريرة عن تجارب ذاتية.. ما أسرارها؟

  • ما جرى للعراق كان أكبر من الأسرار؛ فقد انكشفت المدن والبيوت والقلوب، وانكشفت معها حكايات الخوف والموت والفقد. الرواية تستند إلى وقائع وتجارب عشت بعضها وعايشت بعضها الآخر، ولذلك لم أتعامل معها كأحداث بعيدة عني. سرها الحقيقي أنني لم أحاول اختلاق الأسرار، بل تركت الوقائع نفسها تتحدث بمرارتها وقسوتها. وهناك أسرار لا تُقال لأنها مؤلمة إلى درجة يصعب معها الكلام.

يُشاع أن القصة القصيرة على طريقها للانقراض.. ما تقولين؟

  • إذا انقرضت القصة القصيرة، فسنلغي حكايات أيامنا وحركة أرواحنا وأصوات دواخلنا. كيف تنقرض القصة ونحن نعيش كل يوم حكاية جديدة؟ الإنسان نفسه حكاية، والحياة مليئة بما يستحق أن يُروى. قد تتغير أشكال الكتابة وتتراجع القصة في مرحلة أمام أجناس أخرى، لكنها ليست قابلة للانقراض؛ لأنها قريبة من إيقاع الحياة ومن لحظة الإنسان المكثفة. قد تكفي نظرة أو غياب أو لقاء أو كلمة عابرة لتولد قصة كاملة.

كيف ترين المشهد الثقافي بعد عام 2003؟

  • أراه مشهدًا متسعًا، لكنه يحمل شيئًا من التشظي، وتتقاطع فيه الأجناس والأصوات والتجارب. اتسعت مساحات التعبير وظهرت أسماء وتجارب جديدة، لكن هذا الاتساع لم يكن دائمًا منظمًا أو عادلًا؛ فهناك أسماء يسهل إبرازها، وأخرى تبقى على الهامش مهما كانت قيمتها. ومع ذلك لا أراه مشهدًا ميتًا، بل مشهدًا يبحث عن توازنه. فيه طاقات وأصوات حقيقية تستحق أن تُسمع، لكنه يحتاج إلى مساحة أكثر عدلًا وحرية، وإلى ثقافة لا تخاف من الاختلاف ولا تحاول احتواء المبدع أو تهميشه. فالثقافة الحقيقية لا تزدهر إلا حين يكون الاختلاف حقًا لا تهمة.

ما تقييمك للمرأة الأديبة؟ وهل تحررت من ذكورية الأدباء؟

  • المرأة الأديبة موجودة اليوم بقوة، واستطاعت أن تثبت حضورها بموهبتها ومنجزها، ولم تعد تنتظر من أحد أن يمنحها شرعية وجودها. نعم، ما زالت هناك ذهنية ذكورية تحاول أحيانًا التقليل من حضورها أو محاصرتها، لكن المرأة التي تمتلك مشروعًا حقيقيًا لا تستطيع هذه الذهنية أن تلغيها. أنا أفخر بوجود المرأة الأديبة في المشهد الثقافي، لا لأنها امرأة فحسب، وإنما لأنها مبدعة استطاعت أن تصنع مكانها رغم الصعوبات.

ما زالت الأديبة بعيدة عن القيادة العليا والمكتب التنفيذي في اتحاد الأدباء، لماذا؟

  • لا أعتقد أن المسألة مرتبطة بقدرة الأديبة على الوصول إلى مواقع القيادة. فقد كنت في مشاركاتي السابقة في دورات اتحاد الأدباء نائبًا للأمين العام، وشغلت موقع أمين الشؤون العربية في المكتب التنفيذي، ووصلت أديبات أخريات إلى المكتب التنفيذي أيضًا. أنا لا أبحث عن الكوتا النسوية، وأرى أن الأديبة يجب أن تأخذ موقعها بقدرتها وكفاءتها ومنجزها، لا باعتبارها امرأة. لكن قانون الاتحاد يحتاج إلى إعادة قراءة عميقة، وتوزيع الصلاحيات بين الأمانات والمكتب التنفيذي يحتاج إلى مراجعة تجعل هذه الأمانات أكثر فاعلية.

كيف تنظرين إلى واقع الأدب النسوي العراقي؟ أم تختلفين مع هذا التصنيف؟

  • لا أحب مصطلح «الأدب النسوي»، لأنني أؤمن بأن الإبداع إبداع، سواء كتبه رجل أم امرأة. نحن لا نكتب عن النساء وحدهن، بل عن المجتمع والإنسان بكل ما فيه من ضعف وقوة وفرح وحزن وعلاقات وأسئلة. الأديبة العراقية كانت حاضرة بقوة وتأثير في البدايات، وما زالت هناك أسماء وتجارب مهمة وفاعلة. وما نراه اليوم ليس خاصًا بالمرأة وحدها، وإنما جزء من حالة عامة يعيشها المشهد الأدبي العراقي ويشترك فيها الرجل والمرأة.

ما الأسئلة التي تقف أمامك على الورقة وأنت تفكرين في البدء بالكتابة؟

  • حين أبدأ الكتابة لا يكون السؤال واحدًا، بل تتزاحم في رأسي أسئلة كثيرة، إلى جانب أصوات تأتي من حولي ومن داخلي. ثم يأتي أبطالي بغربتهم وحيرتهم ولوعتهم، وكأن لكل واحد منهم شيئًا يريد أن يقوله أو وجعًا يبحث عن مكان بين السطور. لا أجلس دائمًا وأنا أعرف إلى أين ستأخذني الكتابة. أترك للشخصيات أن تقودني وللأسئلة أن تكشف الطريق. وحين تتداخل الأصوات والأسئلة يبدأ النص في التشكل، وأجدني أمام إجابات لم أكن أبحث عنها بالضرورة. لذلك أشعر أن الكتابة ليست بحثًا عن إجابة لسؤال واحد، بل رحلة في أسئلة كثيرة.

لم أقرأ لك نصوصًا على الفيس بوك، ألا يجذبك إليه؟

  • الفيس بوك في هذا الجانب كاذب كبير؛ فهو يمنح الكاتب أحيانًا وهمًا بأن الناس قرأت نصه، بينما قد يأتي من يقول «أحسنت» وهو لم يتجاوز الأسطر الأولى. لا أقول إن كل ما يأتي من الفيس بوك مجاملة؛ هناك قراء حقيقيون أعتز بآرائهم، لكنني لا أبحث عن التصفيق ولا عن كلمات تغويني بالأوهام. ما يعنيني أن يصل النص إلى قارئ حقيقي ويترك فيه أثرًا، حتى لو كان عدد هؤلاء القراء قليلًا. أفضّل قارئًا واحدًا يقرأني بصدق على عشرات يقولون «أحسنت» من دون أن يقرأوا ما كتبت.

هل يهمك رأي النقاد في تجاربك الأدبية؟

  • نعم، بالتأكيد. الناقد الحقيقي لا يكتفي بقراءة النص، وإنما يدخل إلى طبقاته الخفية، وقد يعيد إنتاجه من خلال تأويلاته بطريقة تدهشني أنا نفسي. أحيانًا أقرأ نقدًا لنص كتبته فأعود إليه من جديد، لكنني هذه المرة أراه بعين أخرى. أشعر أن الناقد يجعلني أكتشف في النص أشياء ربما لم أكن واعية بها لحظة الكتابة. وهذا هو النقد الذي أحبه؛ النقد الذي لا يكتفي بالمدح أو إصدار الأحكام، وإنما يفتح أمام النص أبوابًا جديدة للقراءة. فالكاتب يكتب النص مرة، لكن النص الحقيقي قد يُكتب مرات عديدة من خلال قراءات الآخرين.

متى شعرتِ أنك تريدين هجر الكتابة؟

  • أبدًا. لم أشعر يومًا أنني أريد هجر الكتابة، ولن أفعل. فالكتابة بالنسبة لي ليست مرحلة عابرة، وإنما جزء من كينونتي والطريقة التي أعيش بها وأفهم بها نفسي والعالم. أعيش عبر الورق حياة أخرى أكثر صدقًا وامتلاءً. وفي الكتابة أستعيد حريتي وأمنح روحي فرصة أن تقول ما لا تستطيع قوله في الحياة. لذلك لا أرى الكتابة شيئًا أفعله، بل شيئًا أكونه. ما دمت أعيش، ستظل هناك حكاية في داخلي، وسؤال يبحث عن جواب، وشخصية تريد أن تدخل الورق، وكلمة لم تُكتب بعد.

متى شعرتِ بالغربة، وهل تتوقين إليها؟

  • عشت الاغتراب والغربة معًا؛ غربة حين ابتعدت عن وطني بإرادتي، وأخرى لم تكن لي فيها إرادة، بل كنت مجبرة عليها خوفًا على عائلتي. لذلك أعرف الغربة حين تختار الرحيل وحين يُفرض عليك. لكنني لا أظن أن أحدًا يتوق إلى الغربة، حتى لو اعتادها. قد يتعلم الإنسان كيف يعيش بعيدًا عن وطنه، لكنه يظل يحمل شيئًا منه أينما ذهب. الوطن لا يغادرنا حين نغادره؛ يبقى في الذاكرة واللغة والوجوه والتفاصيل. وأقسى أنواع الغربة، في رأيي، أن تبحث عن وطنك داخل وطنك ولا تجده. لذلك لا أحن إلى الغربة، بل أحن إلى وطن أشعر فيه أنني في مكاني.

ما الذي يتأرجح في داخلك؟

  • الذي يتأرجح في داخلي هي «عالية» نفسها؛ تلك التي تطيح بي ذات اليمين وذات الشمال، مرة حين تغضب، ومرة حين تفرح، ومرة حين تتألم. أحيانًا أشعر أنني لا أعيش وحدي في داخلي، فهناك أرواح كثيرة تسكنني، ولكل واحدة صوتها ووجعها وأسئلتها: متى يأتي الفرح؟ متى ينتهي الانتظار؟ متى يهدأ الألم؟ لا أملك دائمًا جوابًا يشفيها أو يشفيني، ولذلك تظل «عالية» تتأرجح بين ما كان وما هو كائن وما تتمنى أن يكون. وربما الكتابة هي محاولتي الوحيدة لأمنح هذه الأرواح فرصة للكلام، ولأضع شيئًا من هذا التأرجح على الورق؛ فما لا أستطيع الإجابة عنه في الحياة أتركه للكتابة.

هل يمكن أن يذهب خيالك إلى المدينة التي ولدتِ فيها وتصفينها بكلمات؟

  • ولدت في بغداد، ولذلك حين أستدعي المدينة إلى خيالي لا أستطيع فصلها عن «عالية» التي عاشت فيها، ولا عن الذين أحببتهم وكانوا جزءًا من ذاكرتها وروحها. أحيانًا أشعر أنني حين ضاعت «عالية» اختفت بغداد أيضًا، أو اختفت بغداد التي أعرفها وأحبها. وحين أسألها: هل ستعودين؟ تأتيني إجابة موجعة: ومن يعيد لي الأب والأم اللذين غابا دون عودة؟ أنا أتوق إلى بغداد التي أحببتها، بغداد التي كان أحبتي فيها، وكانت وجوههم جزءًا من شوارعها وبيوتها وذاكرتي. حين رحلوا لم يأخذوا أنفسهم فقط، بل اقتطعوا معهم حصة من روحي. لذلك حين أتخيل بغداد لا أبحث فقط عن مدينة ولدت فيها، وإنما عن زمن ووجوه وأرواح غابت. وربما لهذا تبدو بغداد في خيالي أحيانًا أجمل مما هي في الواقع، لأنها بغداد التي ما زالت تسكنني، حتى وإن لم أعد أجدها كاملة حين أبحث عنها في الخارج.