الأخبار

«ملتقى نالا للسرد» يفتتح دورته الأولى باستعادة محمد علوان وقراءة تحولات القصة السعودية

سياق 24

 

انطلقت مساء الأربعاء، في فندق مداريم بالرياض، أعمال الدورة الأولى من «ملتقى نالا للسرد»، التي تحمل اسم القاص الراحل محمد علي علوان، بمشاركة نخبة من النقاد والباحثين وكتّاب القصة من داخل المملكة وخارجها، ضمن برنامج يمتد يومي 9 و10 سبتمبر 2026م، ويجمع بين الدراسات النقدية والشهادات الإبداعية وقراءة تحولات القصة القصيرة السعودية. ويأتي اختيار القصة القصيرة محورًا للدورة الأولى ضمن توجه الملتقى إلى الاحتفاء بهذا الفن وتكريم شخصية سعودية رائدة فيه.
وقدّمت الدكتورة عبير الجربوع فقرات حفل الافتتاح، الذي استُهل بالنشيد الوطني وتلاوة آيات من القرآن الكريم، ثم ألقى يوسف بن إبراهيم المحيميد، رئيس مجلس إدارة جمعية آداب وفنون السرد «نالا» والمشرف العام على الملتقى، الكلمة الافتتاحية.
وقال المحيميد إن الملتقى وُلد من رغبة عميقة بالسرد، وإيمان بأنه ذاكرة تحفظ ما عاشه المجتمع، ومرآة تعكس تحولاته، ونافذة يطل منها على الإنسان والعالم، معربًا عن أمله في أن يصبح موعدًا سنويًا يلتقي فيه المبدعون والنقاد والباحثون والقراء، ويجدد الأسئلة ويفتح الحوار حول فنون السرد ودورها في تشكيل الوعي وصون الذاكرة واستشراف المستقبل.
وأضاف أن انعقاد الملتقى يأتي في ظل النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم من رؤية السعودية 2030، التي جعلت الثقافة ركيزة في التنمية وجودة الحياة، مؤكدًا سعي الجمعية إلى أن تكون بيتًا للمبدعين، وحاضنة للمواهب، ومنصة للحوار، وجسرًا يصل بين الأجيال ويعزز حضور الأدب السعودي عربيًا وعالميًا.
وأشار إلى أن الجمعية تنظر إلى "ملتقى نالا للسرد" بوصفه بداية مشروع ثقافي يُنتظر أن يتطور ويتسع أثره عامًا بعد عام، مثمنًا دعم وزارة الثقافة، وهيئة الأدب والنشر والترجمة، وبرنامج «مديد»، وشركاء النجاح والرعاة، إلى جانب جهود اللجان وفرق العمل التنظيمية والإعلامية والتنفيذية، وفالح العنزي، المدير التنفيذي للجمعية والأمين العام للملتقى.
واختتم المحيميد كلمته بالتأكيد على أن «الأمم تُعرف بما تحفظه من ذاكرة، وما تبدعه من أدب، وما تطلقه من خيال»، مضيفًا: «نفتح اليوم الصفحة الأولى من ملتقى نالا للسرد، ليكون فضاءً رحبًا للحكاية، وبيتًا للساردين، وموعدًا يتجدد عامًا بعد عام».
وعقب الكلمة عُرض فيلم وثائقي استعاد سيرة القاص محمد علي علوان ومسيرته الإبداعية، ثم ألقى غسان محمد علوان، ابن المحتفى به، كلمة الأسرة، مستعيدًا صورة والده كاتبًا ومعلمًا وإنسانًا، ومؤكدًا أنه عاش رحلة طويلة وعميقة مع الكلمة، وكان الأدب لديه نبضًا حيًا يستلهمه من تراب الوطن ومدينته وتفاصيل الإنسان البسيط.
وتوقف غسان عند محطات بارزة في مسيرة والده القصصية، بدءًا من مجموعته الأولى «الخبز والصمت»، مرورًا بـ«الحكاية تبدأ هكذا»، و«الدامسة»، و«هاتف»، و«إحداهن»، و«طائر العشا»، وصولًا إلى «موز ريدة»، وهي أعمال تمتد زمنيًا من عام 1977 حتى عام 2023 وفق السيرة المنشورة في البرنامج الثقافي للملتقى.
كما استعاد صورة الأب الحاني والموجّه الهادئ، الذي كان يلتقط التفاصيل الصغيرة التي تتجاوزها الأعين، وينظر إليها من زاوية مختلفة، فيجد فيها قصة أو لمحة إنسانية تستحق التوقف، مؤكدًا أن الغياب الجسدي لا يطوي حضور من تركوا أثرًا باقيًا في الوجدان وفي تاريخ الثقافة والأدب السعودي.
وفي ختام كلمته، عبّر غسان محمد علوان، نيابة عن الأسرة، عن شكره لجمعية «نالا» على تسمية دورتها الأولى باسم والده، ولكل من شارك في هذا الوفاء، مؤكدًا أن الخالدين بأعمالهم وآثارهم لا يموتون. واختُتمت فقرات الافتتاح بتكريم أسرة المحتفى به واللجان والرعاة والداعمين.
أربع قراءات في تجربة علوان
وافتُتحت الجلسات العلمية بجلسة «قراءات نقدية في تجربة محمد علوان»، التي أدارتها الدكتورة نورة سعيد القحطاني، وشملت أربع أوراق كشفت تنوع المداخل النقدية إلى عالم علوان القصصي وأبعاده الاجتماعية والإنسانية والفنية.
وقدّم الدكتور عبدالعزيز محمد السبيل قراءة نقدية في مجموعة «الخبز والصمت»، تناول فيها البناء الفني والدلالات التي شكّلت فضاء المجموعة، فيما قرأ الدكتور معجب سعيد العدواني قصة «موز ريدة» من زاوية الوعي الاجتماعي وما يتصل بالتراتب والهوية والإنسان.
وقدّمت الدكتورة أميرة علي الزهراني ورقة حول «الحكاية تبدأ هكذا»، رصدت فيها أبرز التقنيات السردية في المجموعة، وتوقفت عند بناء الحكاية والمراوحة الزمنية واللغة المكثفة وحضور البيئة المحلية، وما تحمله مفرداتها من أبعاد تتجاوز معناها المباشر إلى دلالات إنسانية ووجودية.
وتناول الدكتور دوش فلاح الدوسري «الأبعاد الإنسانية في مجموعة إحداهن لمحمد علي علوان»، من خلال دراسة موضوعاتية رصدت القيم والمواقف الإنسانية الحاضرة في نصوص المجموعة، وما تكشفه من رؤية للإنسان وعلاقته بمحيطه الاجتماعي. F ‎البرنامج الثقافيى .pdf
القصة السعودية وأسئلة الفن والبيئة
وانتقل البرنامج إلى جلسة «الخصائص الفنية للقصة القصيرة المعاصرة»، التي أدارتها الدكتورة أسماء الجنوبي، وشارك فيها الدكتور صالح السهيمي بورقة تناولت خصائص القص ودلالات الخطاب في قصة «السيرة» لمحمد علوان نموذجًا.
كما تناول الدكتور أحمد السعدي الغامدي ملامح الوعي بالنقد البيئي وآليات تشكيله في نماذج من القصة القصيرة السعودية، فيما قدّم الدكتور عبدالحميد الحسامي قراءة في جماليات القصة القصيرة السعودية المعاصرة، متوقفًا عند عدد من السمات الفنية والجمالية التي طبعت التجربة القصصية وتطور تقنياتها التعبيرية.
الثيمات.. من إنتاج المعنى إلى سردية الألم
وفي جلسة «الثيمات البارزة والمتكررة في القصة القصيرة»، التي أدارها الدكتور محمد القسومي، قدّمت الدكتورة الريم مفوز الفواز ورقتها «دينامية القيمة وإنتاج المعنى في القصة القصيرة السعودية: مقاربة سيميائية»، متجهة إلى تفكيك العلامات والكشف عن دورها في بناء المعنى داخل النص.
كما شاركت الدكتورة أمل محسن القثامي بدراسة حول «سردية الألم في القصة القصيرة السعودية»، تناولت فيها نماذج مختارة من حضور الألم وتحوله إلى بنية سردية تكشف جوانب من التجربة الإنسانية، فيما بحث الدكتور فهد إبراهيم البكر «أنماط الطبيعة في القصة القصيرة جدًا»، من خلال دراسة بيئية في كتاب «دهشة القص»، متتبعًا الصور والوظائف التي تتخذها الطبيعة داخل هذا اللون السردي المكثف. 
المبدعون يروون تجاربهم.


واختُتم برنامج اليوم الأول بجلسة «شهادات وتجارب في كتابة القصة»، التي أدارها حسن آل عامر، وشارك فيها عبده خال، وسهام العبودي، وعبدالرحمن الدرعان، وبشرى خلفان من سلطنة عُمان، وإبراهيم مضواح الألمعي. وأتاحت الجلسة للمبدعين استعادة تجاربهم مع الكتابة، والحديث عن علاقتهم بفن القصة وتحولات الممارسة السردية لديهم، لتنتقل أسئلة الملتقى من فضاء الدرس النقدي إلى التجربة الحية لأصحاب النصوص.
وهكذا جمع اليوم الأول من «ملتقى نالا للسرد» بين الوفاء لذاكرة محمد علي علوان وفتح نوافذ جديدة على القصة القصيرة السعودية؛ من خلال مقاربات تناولت الإنسان والمجتمع والبيئة والألم والقيمة وجماليات البناء الفني، إلى جانب شهادات أعادت الحكاية إلى أصوات كتّابها وتجاربهم.
وتتواصل أعمال الملتقى مساء الخميس 10 سبتمبر 2026م، في يومه الثاني، بجلسات تتناول التحولات المجتمعية والثقافية في القصة القصيرة، وتسريد المدينة في القصة السعودية المعاصرة، إلى جانب شهادات وتجارب في كتابة القصة، قبل اختتام الملتقى وإعلان توصياته.