الأخبار

صادق الجمل: لنْ أهجرَ الكتابةَ لأنّها وسيلةٌ لخدمة وطني

صادق الجمل
صادق الجمل

تركَ الروائيُّ صادق الجمل بصمةً في مسيرة الأدب العراقيّ روائياً وقاصاً وكاتبا مسرحيّاً، فضلاً عنْ نشاطاته الثقافيّة الأخرى، عبر مواكبته المشهد الثقافي لأكثر من نصف قرن، في هذا الحوار كشف عن الكثير من مشاغله وآرائه.

عرّف لنا نفسَك كأديبٍ؟ بالأسْلوب الذي ترْتئيه؟
ربّما يحقُّ لي أنْ أعرّفَ نفسي كروائيّ يشتغلُ في مضمار الأدب والإعلام وفلسفتي في ذلك واقعيّة الطرْح وعميقة المعْنى في كلّ كتاباتي وكلّ برامجي التلفزيونية.

منْ أين بدأ طريقُك نحو الرواية وما الحافزُ للسيْر فيه قُدماً؟
كانتْ بدايتي الاهتمام بالمسْرح ومنْ ثمّ بالقصّة القصيرة وكتاباتها وبعد تلك التجارب اتجهتُ الى كتابة الرواية منذ العام 1891 حيث كتبتُ أول رواية لي (أرض الحرام).

أنعطفتَ نحو كتابة المسْرحيّة فجأة، ما الذي أغواكَ فيها؟
الحقيقة إني بدأتُ مسرحياً وذلك من خلال نشاطاتي في الإعدادية حيث قدّمتُ الكثيرَ من المشاهد المسرحيّة وختمتُ ذلك بمسرحية (مثلثُ برمودا) التي تترجمُ معاناة المعتقل السياسي.

لماذا على الروائي أنْ يكتبَ القصّة القصيرة، أنتَ فعلتَ هذا لماذا؟
نعمْ.. لابدّ للروائيّ قبل أنْ يكونَ روائياً أنْ يكتبَ القصّة القصيرة حتى يتمكنَ من تجديد تجربته القصصية والإتجاه الى كتابة الرواية.

تنوّعتْ مجالاتك الإبداعية، أيّ المجالات أستهوتك أكثر؟
الرواية بلا شكّ أهم نتاجاتي الإبداعية والتي أجدُ نفسي فيها.

نشأتَ في محلّة بغداديّة شعبية قديمة، هلْ لها تأثيرٌ معينٌ في بداياتك الكتابيّة؟
نعمْ، كانتْ للمناطق الشعبية والأزقة التي ترعْرعتُ فيها الأثرُ الكبيرُ في أكثر رواياتي حيث صوّرتُ تلك المناطق في أكثر من رواية كان لي في منطقة الشوّاكة التي ولدتُ فيها فصلاً كاملاً عن أجواء تلك المدينة البغدادية القديمة.

لا بدّ للكاتب من تجربة أولى يُخفيها عن النشْر ماذا لديك؟
كتبتُ بحثاً في العام 1982 بعنوان (الحلقةُ المفقودةُ في الدولة المنشودة) وقدْ أخفيتُها ولمْ أتمكنْ من طباعتها لأنها تحْوي على آراء يرفضُها المجتمعُ العراقيُّ على الرغم منْ إنني سعيتُ فيها الى دمْج وجهات النظر في المختلف عليه تاريخياً وإجتماعياً.

ما السؤالُ الذي يراودُك دائماً وليستْ له إجابة؟
ما الجدوى، التي تتمثلُ في بيتٍ شعريّ للجواهريّ "لُغزُ الحياةِ وحيرةُ الألبابِ أنْ يستحيلَ الفكرُ محضَ تُرابِ".

أغلبُ عناوين رواياتك ومجموعتك القصصية مستفزة للقاريء، هل تتعمدُ ذلك؟
للعنوان أثرٌ في إستدراج القارئ لقراءة النصّ فأغلبُ عناوين أعمالي الأدبية تقفزُ من خلال الحدث، كيْ تثيرَ الاسئلة أمام القارئ كيْ يبحثَ عن الإجابة للمحتوى.

ذهبتَ الى التلفزيون مقدماً للبرامج الثقافيّة ما الذي حفّزكَ الى ذلك؟
حفّزني بذلك المبدعون الذين أهملتهم الذاكرةُ حاولتُ أنْ أسلط الضوءَ على أولئك الذين قدموا للوطن وللإنسانية ملخّصَ تجاربهم فكانتْ عناوين البرامج التي أعددتها وقدّمتها عن هؤلاء المنسيين (نخيل من بلادي)، (حكاية)، (عن تجربة) و (ما أهملته الذاكرة).

بين روايتك الاولى أرض الحرام/ 1981 وقصصك الاخيرة (چؤ)2125 ما الذي أردت قوله؟
بين أرض الحرام التي كتبتها في العام 1981 وأزعمُ إنها كانت نبوءة لإنتهاء الحرب العراقية الإيرانية ومن خلال هذه الرواية أسستُ لأدب ما بعد الحرب من خلال قصص وروايات تترجمُ معاناة الشعوب المضطربة تحت جور الأنظمة الإستبدادية وكذلك كتبتُ عن دور المرأة العراقية ونضالها بغياب الزوج والإبن في غياهب السجون والخنادق وآخر منجز لي هو مجموعة قصصية (چؤ) والتي حملتْ عنوان عن معاناة عشرين إمرأة عانتْ الحروب وهجرة الرجال خارج الوطن سبباً في هذه (الچؤ)التي هي ترجمة للندم.

روايتك تحمل إسم (جؤ)وغلافها الأخيرة يرفعُ أصابع الندم، أيّ ندم يجيشُ في نفسك؟
سألتُ الكاتب المسرحيّ الكبير عادل كاظم في إاحدى لقاءاتي معه قلتُ له هلْ ندمتَ على موقف ما؟ فأجابني بكلمة واحدة( ياصادق ندامات ) فأنا اقولُ كذلك كما قال عادل كاظم (ندامات ).

أسّستَ ملتقىً ثقافياً مع كثرة الملتقيات المشابهة، ما كان طموحُك منه؟
عند إفتتاح المركز الثقافيّ البغداديّ في العام 2012 كنتُ أول منْ أسّس ملتقىً ثقافياً وبقيتُ خلال السنوات المنصرمة أستضيفُ كل إسبوع شخصية ثقافية وفنية وأزعمُ إنني سلّطتُ الضوء على مجموعة كبيرة من الشباب في تجاربهم الأولى في ملتقاي والذين أصبحوا فيما بعد شعراء وكتاب يشارُ إلهم بالبنان، والطريف في الأمر عقدتْ لي جلسة سُميتْ محاكمة (صادق الجمل) والتي شهد لي فيها محاضرون بأنني كنتُ الراعيَ الأول لهم وهذه كانتْ رسالتي وما زلتُ في تنشئة جيل جديد من الأدباء والمتميزين في وطننا الحبيب.

يشاعُ إنّ القصة القصيرة على طريقها للإنقراض ماذا تقولُ في هذا؟
تبقى الروايةُ طموحَ كلّ كاتب إلا أنّ للقصة القصيرة شروطها و فرسانها، وستبقى القصة القصيرة بعد ظهور وسائل التواصل الإجتماعي بأنها الافضلُ بسبب إنشغال الجيل بوسائل التواصل الاجتماعي لما فيها منإاختصار للوقت في عصر السرعة وهي الأكثر شيوعاً في عصر السرعة التي نعيشه.

أزدادَ عددُ الروائيين بعد العام 2003، كيف تنظرُ الى جودة ذلك ولماذا؟
ساعد على إنتشار الرواية والروائيين فسحةُ الحرية التي حدثتْ بعد العام 2003 وغيابُ مقصّ الرقيب ممّا زاد من عدد الكتاب وهي ظاهرة رغم سطحيّة بعض كتاباتها الا إنها بلا شكّ أنتجتْ لنا أقلاماً جديدة جديرةُ بالإهتمام للمشهد الثقافي العراقي.

كيف ترى المشهد الثقافيّ العراقيّ الحالي؟
على الرغم من فوضى النتاج الأدبي والفني والذي سيمزّقُ شرنقته في يوم ما ويتجهُ الى العالمية ألا إنّ المشهد الثقافيّ العراقيّ يحذو نحو تصور الأفكار وأنا أقولُ إنّ العراق يكتبُ والعراق يطبعُ والعالم يقرأُ.

هلْ يهمُّك رأيُ النقاد في تجاربك الأدبية، وهل أنصفك النقدُ؟
يعتبرُ النقدُ هو الفلترة التي يجب أنْ يهتم بها الكاتبُ و هي غربالٌ لإنتاج أفضل من خلال الآراء النقدية، ولقد أنصفني النقادُ ولهم الفضلُ في نقد بعض كتاباتي.

هلْ شعرتَ يوماً ما إنك تريدُ هجرَ الكتابة؟
أنا غيّرتُ طريقتي في الكتابة بعد أنْ كنت أركّزُ في كتاباتي على التجارب الشخصية في أبطال رواياتي فبدتْ دائرة إجتماعي اكبر وأوسع حيث بدأتُ الآن اكتبُ عن معاناة الانسانية ومعاناة الوطن واتجهت في روايتي (سفينة نوح الفضائية) الى الخيال العلمي حيث كنتُ وما زلتُ أعتقدُ إنّ العلم الذي قدّم خدمة للإنسانية هو نفسه سيكون سبباً في دمار ما تمّ إنجازه علمياً، ولنْ أهجر الكتابة لأنها وسيلة لخدمة وطني.

كاتبٌ رجلٌ يسبرُ أغوار المرأة في كتاباته منْ أين أوتيت هذه الموهبة؟
أنا مغرمٌ في الوصف ويستطيعُ خيالي كثيراًنْ يبحر في مفاتن المرأة وقد قرأتُ كثيراً عن أسرار المرأة في كل مراحل عمرها وربما كانتْ بعضُ تجارب الآخرين والحكايات التي أسمعُها هي التي حفزتني واكتسبتُ منها هذه الموهبة.

ما الأسئلة التي تقف أمامك على الورقة وأنت تفكرُ للبدء بالكتابة؟
كثيرة هي الأسئلة التي أهيئها في مطبخي وأحاولُ أنْ أجد خطاً درامياً يربطُ الأحداث ويجيبُ عن تلك الاسئلة، وأعتقدُ إنّ الرواية هي كالبذرة حينما تنثرُها البذّار ويسقيها حتى تصبح شجرة ترمي الأفكار رطباً جنياً.

عشتَ كلّ الحروب، ما الذي حكمته فيه وما الذي أزهرته؟
يقولُ ) بات سن ( المفكرُ الثائرُ الصينيُ الكبير بعد نجاح الثورة الصينية بأنها نتاج عدة محاولات فاشلة هكذا نمتْ وأزهرتْ الحربُ رغم سوداوية أيامها ومآسيها وما جرى فيها إلا إنها أنتجتْ لنا تجارب عسى أنْ تستفيد منها من تلك الويلات والمآسي لتطوير بلدنا وازدهاره.

ما الذي يتأرجحُ في داخلك؟
كلّ إرثٍ يزولُ إلا إرثُ الأدب، هكذا قالها الامامُ علي بن ابي طالب وهذا ما يتأرجحُ في داخلي عسى أنْ يكون ما في داخلي خيرَ وريثٍ لي.

هلْ يمكنُ أنْ يذهبَ خيالك الى المدينة التي ولدتَ فيها ووصفها بكلمات؟
ما زالتْ الساقيةُ التي تمرُّ بمحاذاة مدينتي حيث كنا نجتمع صبية تحت ظلال الأشجار التي كانتْ تحيطُ بتلك الساقية نلعب ونلهو ونسبح فيها حيث المقهى الذي يطلّ على ضفتها نكتبُ فيه ونرسمُ أحلامنا أحلام الصبا والشباب حتى أصبحنا كهولاً ومازلنا نحنُّ لتلك الأيام الجميلة قبل أنْ يجتاحنا الجرادُ ويأكلُ ثمارها.