بيتُ ملك العراق فيصل الأوّل..ما قصة الحب التي شهدها القصر؟
فُوجئتُ بأنَّ البيتَ الذي سكنَهُ مَلِكُ العراق فيصلُ الأولُ قبل مئةِ عامٍ لا يعرفُهُ إلا النخبةُ المهتمون بالتراث، على الرغم من أنَّهُ يقعُ في مكانٍ مميزٍ وسطَ بغدادَ وعلى نهر دجلةَ، وشهدَ علاقةَ حبٍّ بين أميرةٍ ومواطنٍ عاديٍّ..!
بيتٌ.. ويسمّيهِ البعضُ قصراً لاعتباراتٍ مَلكيّةٍ فقط، فيما هو بناءٌ بسيطٌ، ما زال يحتفظُ بجماليات بنائهِ ومعمارهِ وصدى الذكريات التي ما زالتْ تحومُ في المكان، وهيبتهِ التي يمنحُها للمتأملِ فيه؛ لذلك يُعتبرُ من البيوت الخالدة التي تستحقُّ الاهتمامَ من أجل المحافظةِ عليها.
في عام 2024م، وللمرةِ الأولى، عرفتُ مكانَ بيتِ الملك فيصل بنِ الحسين (1883 - 8 أيلول/ سبتمبر 1933م) الذي نصَّبتهُ بريطانيا في عام 1921م مَلِكاً على العراق. أخذني إليه الباحثانِ التراثيانِ: نبيل عبد الكريم الحسيناوي وياسر العبيدي. كانت نظراتي إليه من بعيدٍ متلهفةً تصافحُ الطابوقَ الشاهقَ، طابوقٌ يكادُ يلمعُ تحت ضوءِ الشمسِ، رأيتُهُ مختلفاً بلونِهِ، كان يقعُ داخلَ مساحةٍ على طريقٍ ترابيٍّ يؤدي إليه، وهو على جانبٍ منها كأنَّهُ جالسٌ على "دكّة الزمن" ينتظرُ الزائرين ليتحدثَ لهم، لكنَّهُ لا يستطيعُ أنْ يفتحَ لهم بابَهُ؛ لأنَّهُ مغلقٌ ومقفلٌ بأمرِ "مَنْ يهمُّهُ الأمرُ".
هذا ما عرفتُهُ حين وصلتُ البابَ، وقد لفتتْ أنظاري الزخارفُ التي على البوابةِ الكبيرةِ العاليةِ، وهو مدخلٌ عالٍ يعلوهُ قوسٌ مبنيٌّ من الطابوق القديم، وما زال على جبهتهِ واضحاً شعارُ المملكةِ العراقيةِ منحوتاً بشكلٍ لافتٍ يعلوهُ التاجُ الملكيُّ الهاشميُّ، وتحتَهُ نجمتانِ سباعيتانِ فوق الدرع، ويظهرُ على يمين الدرع الأسدُ البابليُّ وعلى يساره الحصانُ العربيُّ، وتبرزُ نخلةٌ في المنتصف، وأخيرًا.. سنابلُ القمحِ وغصنُ التمراتِ أسفلَ الدرع.
وكما يقولُ الباحثُ التراثيُّ ياسر العبيدي: "من الجميل في بيت الملك فيصل الأول أنَّهُ قريبٌ من سور بغداد، وتحديداً من أول نقطةٍ في السور الذي يبدأُ من خلف هذا المكان وينتهي في الباب الشرقي (جنوبي بغداد)، وكأنَّ لسانَ حالِ الملكِ يقولُ -سبحان الله- إنَّهُ حارسُ بوابةِ بغدادَ أو سورِها، وقد شاءتِ المصادفاتُ أنْ يسكنَ هذا المكان".
البيتُ على مسافةٍ قصيرةٍ من شارع الرشيد المطلِّ على ساحة الميدان، لكنَّهُ مختبئٌ خلفَ سياجٍ يمتدُّ إلى وزارة الدفاع، وعند طريقٍ يؤدي فقط إلى "بيت الحكمة".
كان البيتُ متماسكاً رُغم ما سمعتُهُ عن أعمال ترميمٍ وصيانةٍ جرتْ عليه، تحسستُ طابوقَهُ كأنني أريدُ أن أشعرَ بجاذبيةٍ معينةٍ، وأغبطتُ نفسي أنني تلمستُ قرناً كاملاً من الزمن، ربما هو مجردُ فضولٍ أو شعورٍ لا أعرفُ ماهيَّتَهُ. خطوتُ نحوهُ خطواتٍ وئيدةً، كان البابُ حديدياً مشبكاً وصغيراً نوعاً ما وأسودَ اللون، ثمّ مددتُ نظراتي إلى داخل البيت لأرى شباكاً بنياً خشبياً طولياً مميزاً بشكلهِ البغداديِّ القديم يعلوهُ وعاءُ مصباحٍ قديمٍ أيضاً، وفي الداخل ثمةَ أقواسٌ وأعمدةٌ خرسانيةٌ (كونكريتية) ترفعُ الأقواسَ، لكنَّ بعضَ الجدرانِ ليستْ على ما يرامُ فقد تقشَّرتْ بعضُ أسطحها، وهناك حديقةٌ لا يبدو عليها الاهتمام. عرفتُ أنَّ البيتَ يحتوي على ثلاث غرفٍ صغيرةٍ جداً وحديقةٍ صغيرةٍ، ويُدعى "قصرَ الحريم"، وبالفعل كما أخبرني العبيديُّ؛ فإنَّ البيتَ يتألفُ من غرفٍ صغيرةٍ متواضعة وحديقةٍ داخليةٍ، ويُعرفُ أحياناً بـ "دار الحريم الملكي".
لا يمكنُ اختصارُ قرنٍ كاملٍ بلمحاتٍ بسيطةٍ، إلا أنَّ ضرورة التوضيح تؤكدُ أنَّ البيتَ يقعُ خلف حديقة وزارة الدفاع على نهر دجلة ومجاوراً لبيت الحكمة، ويحدُّهُ سورُ بغداد القديم السميكُ المبنيُّ من الطابوق من جهة باب المعظّم. كلُّ هذه الأشياء واضحةٌ للعيان في هذه المساحة من الأرض التي تجري عليها ترميماتٌ وتحسيناتُ تأهيلٍ وتطويرٍ، فيما تعلو الرطوبةُ أجزاءً من البناء، وثمةَ مِزرابُ ماءٍ حديديٌّ طويلٌ يمتدُّ من سطح الدار نحو الأرض، أسودُ اللونِ وبارزٌ في المكان.
ويذكرُ د. علاء حسين اللامي أنَّ "قصرَ الحريم" يقعُ في الجزء الشرقيِّ من مدينة بغداد، يحدُّهُ من الغرب المدرسةُ الشرابيةُ (القصر العباسي) ويحدُّهُ من الجنوب بيتُ الحكمة، وهو اليوم جزءٌ منه، وقد ابُتلعتْ أجزاءٌ كبيرةٌ من القصر بسبب الصيانات الخاطئة. وقد كان في السابق "مدرسة الصنائع" التي شيَّدها الوالي العثمانيُّ مدحت باشا (تصحيح تاريخي: علي باشا تولى في عهد سابق، والمنسوب له مدرسة الصنائع هو مدحت باشا) عام (1286هـ/1869م)، وكانتْ تتألفُ من طابقين ذاتِ أواوين وغرفٍ كبيرةٍ يسكنُها طلابُ العلم، واختار لها موقعَ "دار القرآن" من قصر "أم حبيب" الذي أصبح قصراً لبنات الخلفاء. ويؤكدُ اللامي أنَّ هذه المدرسةَ احترقتْ عام (1335هـ/1917م) ليلةَ احتلال مدينة بغداد من قبل الإنجليز، غير أنهم أعادوا إعمارها وغيَّروا في أبنيتها واستعملوها معملاً للسيارات. ويوضحُ: "كان المكانُ برمتِهِ حصناً يسكنُهُ الوالي العثمانيُّ، وفيه تمَّ تتويجُ فيصلَ صباحَ 23 آب/ أغسطس 1921م، ثمَّ استأجرتْ بريطانيا له ولعائلته هذه الدارَ التي كانت تُعتبرُ آنذاك قصراً، لكنَّها تعرَّضتْ للغرق عندما فاضَ دجلةُ في 9 نيسان/ أبريل من عام 1926م، فتمَّ نقلُ الملكِ وأسرته إلى دارٍ في محلة السنك يملكُها التاجرُ مناحيم صالح دانيال، وكانت تطلُّ على نهر دجلة أيضاً".
ويذكرُ الباحثون أنَّ "غيرترود بيل" (المس بيل) أو كما يسمّيها العراقيون بـ "الخاتون" -التي لعبتْ دوراً أساسياً في اختيار الأمير فيصل ملكاً على العراق- هي التي رتبتْ له مقرَّ إقامتهِ وتوجيهَ شؤون البلاط الملكي في بدايات تأسيس المملكة العراقية عام 1921م، وكانت هي المشرفةَ بشكلٍ مباشرٍ على تفاصيل حياة الملك وداره في بغداد، وتذكرُ المراسلاتُ التاريخيَّةُ زياراتِها المتكررة لـ "دار فيصل" لبحث شؤون الحكم والإدارة.
في هذا البيت.. كان الملكُ يستقبلُ الضيوفَ ويديرُ شؤون المملكة وينامُ ويأكلُ فيه، وبقيَ الملكُ على هذا الحال حتى عام 1924م، وفي هذا العام قدِمتِ الملكةُ الوالدةُ من مدينة مكة مع الأميرات، فأعدَّتْ لهنَّ الحكومةُ جزءاً من مدرسة الصنائع على النهر في جانب الرصافة بعد أنْ رمَّمتها فنزلنَ فيها، واستُعمل باقي المدرسة كبلاطٍ ملكي. وعندما غرقتْ بغدادُ عام 1926م غرق القصرُ والبلاطُ الملكيُّ معهُ، فقامتِ الحكومةُ بتأجير قصرٍ على نهر دجلة في الأعظمية يسمى "قصر شعشوع" ليسكنه الملكُ وعائلتُهُ.
ويؤكدُ اللامي أنَّ بيت الملك فيصل الأول يشغلُ اليوم مساحةً تبلغ (288,75م2)، وهو بسيطٌ جداً يتألفُ من طابقٍ واحدٍ فقط، له مدخلٌ في الجدار الخارجي يقعُ في ضلعه الشمالي أبعاده (2×3م) يُفضي إلى ساحةٍ أبعادُها (10×3م)، وفي الزاوية الشمالية الشرقية للساحة منورٌ يقعُ خلف القصر أبعادُه (10×1م)، وثمةَ مدخلٌ آخرُ في الزاوية الشمالية الغربية يُفضي إلى رواقٍ مسقوفٍ يتقدمُ القصرَ في واجهته الغربية عن طريق درجتين أبعادُ كلٍّ منهما (2,5×0,40×0,20م). الوحداتُ البنائيةُ في القصر بُنيتْ على شكل حرف (L) بالإنجليزية مقلوباً، الضلعُ الطويلُ أبعادُهُ (10,50×3م) والضلعُ القصيرُ أبعادُهُ (2×8,50م)، ويتقدمُ القصرَ رواقٌ في واجهته الشمالية والغربية لهذا الضلع، ويطلُّ هذا الرواقُ على حديقةٍ صغيرةٍ أبعادُها (8,30×5,50م)، والمدخلُ الرئيسيُّ لبناية القصر يقعُ في الزاوية الجنوبية الغربية للضلع الطويل الغربي، وهو مدخلٌ مستطيلُ الشكل أبعاده (2×3م) يؤدي إلى ممر.
قصة غريبة
لكنَّ هذا البيتَ يحتفظُ بقصةٍ غريبةٍ نوعاً ما، أو عجيبةٍ في الحقيقة تصلُ إلى حد "الخرافة"، حدثني عنها أولاً الباحثُ ياسر العبيدي حينما أشار إلى نافذةٍ عاليةٍ في بنايةٍ على الطريق. رفعتُ نظري إليها، كانت شاحبةً لقدمها وعتيقةً أيضاً، تطلُّ مباشرةً على الطريق المؤدي إلى بيت الملك. ليست هناك مسافةٌ طويلةٌ، فهذه النافذةُ في مدرسة "الإعدادية المركزية" للبنين التي تواجهُ بيت الملك فيصل الأول، حيث كانت "النافذةُ" وسيلةً لتوطيد علاقةِ حبٍّ بدأتْ بين طالبٍ اسمُهُ محمود عبد الجبار (مواليد 1913م) من سكنة محلة الفضل ببغداد، والأميرةِ راجحة بنت فيصل بن الحسين (1907- 1959م)، الابنةِ الثانيةِ للملك فيصل وجدُّها الشريفُ الحسين بن علي قائد الثورة العربية. حيث يُؤكَّدُ أنَّ علاقةَ الحبِّ بدأت من خلال ذهابه مع أمه "الخياطة" وأخته إلى بيت الملك وإعجابهِ بالأميرة ومن ثم إعجاب الأميرة به، وأنَّ هذا الطالبَ والأميرةَ كانا يتحادثانِ من خلال هذه النافذة بنظرات العيون فقط!
وهذه القصةُ أكدها المحامي طارق حرب (1945- 2022م) -رحمه الله- في إحدى محاضراته عام 2018م، حين قال: "كان عبد الجبار محمود طالباً في المدرسة الثانوية المقابلة للقصر الذي تسكنُهُ، وكان أحدَ رياضيي كرة القدم، ويبدو أنَّهُ رأى الأميرةَ وأُعجب بها، واستطاع من خلال أختهِ التي لعبتْ دورَ الوسيط بينهما أن يقيمَ علاقةً معها بقصد الزواج، لكنَّ الأسرةَ المالكةَ رفضتْ في أول الأمر هذه الزيجة لأسبابٍ كان يشاطرُهم فيها الوصيُّ الأمير عبد الإله (رغم أنه كان طفلاً حينها، والمقصود الاعتراض العائلي لاحقاً)، كونهُ أصغرَ سناً منها، وأنه في هذا الزواج يريدُ أن يثرى على حسابها، وهذا ما حصل على الأقل بعد الزواج إذ ترك عبد الجبار الجيشَ كضابط طيار وتفرغ للتجارة وحصل على ثروة كبيرة.. وهكذا كان الزواجُ سريعاً وبنتْ بيتاً في المنصور، وولدتْ بنتين. وفي يوم انقلاب 14 تموز 1958م لم تكن الأميرةُ راجحة في بغداد، بل كانت في زيارةٍ لأوروبا، وبقيت في مدينة جنيف السويسرية حتى توفيت بالسرطان سنة 1959م، وطال عمرُ زوجها البغدادي عبد الجبار محمود إلى ما يقارب ثمانين سنة، ولقد شاهدنا ابنتيها حزيمة ونفيسة".
بيتُ الملك فيصل الأول.. ما زال في الذاكرة البغدادية، وعلى الرغم من أنَّ بابَهُ مقفلٌ؛ فإنَّ الطريقَ إليه سالكةٌ للنظرِ والتأملِ كواحدٍ من التحفِ التي احتفظَ بها التراثُ البغداديُّ الأصيل.