نٌهى الصّرّاف: الأنْسانُ لوْ أمضى حياته يَكتبُ عن الحرْب لنْ تخلصَ كتاباتُه
نهى الصرّاف.. قاصّة وصحفية وروائية، ولدتْ في أقاصي الجنوب العراقيّ، في مدينة البصرة، وعاشت فيها صخب مدافع الحرب وهواجس الخوف، وحين انتقلت إلى بغداد، عاشت مع القلق حيث ضغوطات الحصار الاقتصادي التي أربكتها، وحين وجدت نفسها بين ضباب لندن ووسط عوالم مختلفة، كانت ترى في الغربة محطة استراحة وتأمل وكتابة وحنين إلى تلك الأرض التي ولدت عليها.. إلى نص الحور.

أيّ الطريقين كان الأقرب إليك طريقَ القصة القصيرة أم طريق الرواية؟
طريق القصة القصيرة كان الأقرب لأنني بالأساس كتبتُ القصة القصيرة، أما الرواية فكانتْ مرحلة جديدة حاولتها وكانت بمثابة مغامرة بالنسبة لي، تفصيلها تشبه القصة القصيرة لكنني أحببتُ أنْ أجرب هذا الشيء، فكانت روايتي الأولى ولا أعرف إذا ما وصلتْ إلى تقييم معين عند القراء والنقاد، فنحنُ البعيدون عن العراق لا تتسلطُ الأضواء علينا كثيرًا، والاهتمام بالداخل وهذا أمرٌ طبيعيٌّ، فأتمنى أنْ تكون البداية لي وأنْ أستمر في هذه المغامرة الجديدة إنْ شاء الله.
ما الذي أغوتك فيه الرواية لتذهبي إليها بهذا الشغف؟
أحسستُ إنني أرغبُ في أنْ أذهب إلى مستوى أبعد في الأفكار والشخصيات، وإنْ كانتْ القصةُ القصيرةُ تمثل قيدًا، ولا أقصد قيدًا بالمعنى الحرفي ولكنْ لها مساحة معينة ولها تكنيكٌ معين يعتمدُ على الاختصار والفكرة المكثفة، وكل ما فعلته أنا هو كبّرتُ الفكرة.
أيُّ صراعٍ كان فيك بين نهى الصحفية والأديبة؟
صراعٌ أزليّ، وكان هناك اشتباك منذ بداياتي، ما بين الصحافة والأدب، وإلى حدّ الآن لم أفكّ هذا الاشتباك، برغبة مني، لأنني حينما أكتب النصّ، في البداية لم يكنْ القرارُ واضحًا في أنْ أكتب نقالًا أو قصة قصيرة فأحيانًا تختلطُ عندي الأمور ولكن في نهاية النصّ أكتشف إذا ما كان النصّ أدبيًا أو صحفيًا.
لماذا كانت خطواتُك الأدبية وئيدة في بداياتك؟
ليستْ في البدايات فقط بلْ وما زالتْ إلى حدّ الآن، أنا عندي حالة كسل في الكتابة، بداياتُ عملي كانتْ هناك ظروف صعبة واجهت كل الناس في وقتها مثل الحروب والحصار الاقتصادي، ومثل هذه تؤثر جدًا على نفسية الكاتب وعلى طموحه، فهي توقفُ طموحه وتمنعه من تحقيق أهداف بعيدة ويكون التفكير لحظي ويومي وهذا يسببُ نوعًا من الإحباط، لكنني أحسُّ إنّ خطواتي ما زالت، ربما لأنني اعتدتُ على هذاـ فأنا لستُ أكثر نشاطًا من الفترة المتوسطة، وهذه هي طبيعتي، أبتعدُ أحيانًا عن الكتابة لفترات طويلة ولا أعرفُ ما السرّ؟ ومن دون أنْ أعرف ما السبب، لكنني أتمنى في حياتي اليومية أثناء المشي وممارسة الرياضة ولحظاتي مع الأولاد، أنْ أكون أكثر جدية في الكتابة، ولكنْ للأسف لا يتحققُ هذا دائمًا، تمنعني ظروفي الحالية وترجعُ لي حالة التردد والتأجيل والكسل، ولا أعرفُ ما أسمّيها، وهذا خارج عن إرادتي.
هل كان فوزك بجائزة الشارقة حافزًا للانطلاق في احتراف السرد؟
لا.. طبعًا، فأنا قبلها بسنوات لديّ الحافزُ للكتابة بشتى الصور الأدبية والصحفية، وهذه الجائزة أعتبرها مصادفة، فبعض الأصدقاء حفزني للتقديم إليها، وهي كانت المركز الثاني، ولم تكن هي الحافز فطموحاتي تمتدُّ إلى أبعد من ذلك مع تحفظي على الجوائز الأدبية بشتى أنواعها وأماكنها فهي لا تصنعُ الكاتب أو الأديب بقدر ما تضعه في قالب معين، تجعله أسيرًا لقوالب محددة فينقاد لآراء وردود أفعال النقاد والقراء لكتاباته، وهذا يتعارضُ مع حرية الكتابة.

البصرة، بغداد ولندن أيّ المدن منحتك حافزًا وإلهامًا أكثر للكتابة؟ البصرة بالتأكيد، ومن ثم لندن، في البصرة لم أكنْ أكتب نصوصًا أو أحترف الكتابة لأنني كنت صغيرة في العمر عندما غادرتها، لكنها بقيتْ المورد الأساس لكل شيء أكتبه حتى إنني أفكر بطريقتهم إلى حد هذا الوقت، وأكتب من وحي ذكرياتي في هذا المكان المقدس بالنسبة لي، البصرة ما خرجتْ من حياتي ولا لحظة، سواء من حياتي بصورة عامة أو من الكتابة، أما بغداد فأعتبرها محطة، كانت سريعة وقاسية، وأكثر ما كان لي فيها هو العمل الصحفي الذي تبلور، ولكن لا الوقت ولا المزاج ولا الظروف التي تسمح بالكتابة أبعد من حدود الصحافة، ولندن هي الواحة المهمة والانطلاق المتأخر الذي منحني البيئة والرغبة والحماس لتطوير الكتابة والدخول في عوالم مختلفة، وحتى الطقس فيها كان حافزًا جيدًا.

مرويات قطار، هكذا كان العنوان الفرعي لكتابك (الجدة التي أحبت الرئيس) ما الذي تركه القطار في نفسك؟
القطارُ وسيلة مواصلات بالنسبة للناس لكنه بالنسبة لي عالم آخر، أنا أعشقُ القطار مذ كنت في البصرة ونستخدمه كثيراً في سفرياتنا إلى بغداد أو المحافظات، وكان في وقت من الأوقات مكانًا للهروب من الحرب عندما كنا نغادر البصرة للتخلص من القصف المكثف والمزعج لنأخذ استراحة قصيرة ونعود لنواصل حياتنا الكئيبة، وأنا عندي فوبيا من الطائرات والسيارات أيضًا إذا كانت السرعة قوية، السيارة إن لم أقودها وأتمنى أن أكون بدل سائقها كي تكون آكثر أمانًا، لذلك أفضّل القطار لأنه ليس فيه مشاكل المطارات والإداريات والجوازات التي أعتبرها مزعجة جدًا، ولما عشتُ في لندن وجدت إنّ القطار في أوربا شيءٌ جميلٌ وتجربة مثالية، ويوفرُ بيئة للكتابة والقراءة والتأمل، تجلسُ في القطار وتشاهد الطبيعة الرائعة والمساحة الدافئة وكوب القهوة، كل هذه الأشياء زادتْ من حبي للقطار الذي هو بالنسبة لي عالم هروب وعزلة، عالم أحبهُ وأسعى إليه حتى لو لم أكنْ بحاجة لركوبه فأنا أخترعُ هذه الحاجة.
أيّ الكتابات تشعرين إنها منك واليك؟
كل كتاباتي أنا موجودة فيها ومسيطرة وواعية، وأية كتابة تخرجُ مني تمثلني وجزء مني ومن حياتي.

تكتبين عن الحرب.. أي عناء تركته فيك، وأيّ الحروب عندك هي الأصعب؟
لو إنّ الإنسان أمضى حياته يكتبُ عن الحرب لن تخلص هذه الكتابات وحتى لو تركتُ موضوعها فهي في داخلي وستكونُ ما بين السطور حتى لو كان الموضوع مختلفًا، هذه اللعنةُ ستبقى تطاردنا طول العمر لأنها لم تكن تجربة هينة ولم تكنْ بمستوى استيعاب طفلة عاشت سنوات وكإن الحربُ هي الحياة الطبيعية، أما الحروبُ الأصعبُ التي عندي فهي الحروبُ مع النفس، فأحيانًا الإنسان يحاربُ نفسه عندما يخطئ أو يلوم نفسه، أو يتخيل إنه أخطأ في قرارات معينة أو في علاقاته مع الآخرين أو في اختياراته، وأقسى الحروب هي حرب الندم لما تجلسُ مع نفسك في سنوات متأخرة من عمرك ولا أقول في آخر العمر، وتبدأ سلسلة الندم تتوالى: لماذا لم أتخذ هذا الطريق وفضّلت الطريق الآخر، لماذا سكنت هذا المنزل ولم أسكنْ في مكان آخر؟، لماذا اخترت الشخص الفلاني؟ لماذا تركت العمل هذا أو المهنة تلك؟ هذا الندمُ أعتبره عادة مزعجة جدًا وتسبب المرض، فأحاولُ أنْ أتعوّد لتجاهلها بشتى الطرق وأنْ أخلق لي عالماً موازياً، أعدّه حياة كتابة خاصة جدًا وقراءة وإستمتاع بالطبيعة والوحدة.