بيتُ المهندس فهمي دولت.. ذاكرةٌ بغداديةٌ على وشكِ الانهيار!!
في كتابه (بغداد في العشرينات) ذكرهُ عباس بغدادي بأنهُ "البيتُ الكبيرُ الذي بناهُ المهندسُ فهمي دولتْ في محلّة الكريمات قرب السفارة البريطانية وكان بيتاً غريبَ الطابع والهندسة، فإنهُ كان مشيداً على طراز البيوت التي بناها المستعمرون البريطانيون في أدغال ومزارع الهند وسيلان المبنية من الخشب وكان فرجة لأهالي بغداد".

ما كنتُ أعرف هذه المعلومة عنه على الرغم من توقفي إزاءه ومعاينته بإعجاب لسنوات طويلة، لأنهُ ملفتٌ للانتباه، تشعرهُ محلقاً في الأجواء، وكان ذلك منذُ أوائل عقد الثمانينيات من القرن العشرين، بعد أنْ تمّ شقُّ شارع حيفا بعماراته الحديثة، فكان الفضاءُ أمامه مفتوحاً ليظهر بشكلٍ أوضح للناظرين والمارّين منه، باذخاً في المكان وإنْ كانت المسافة قصيرة بينه وبين بناية وزارة العدل الكبيرة، وبالفعل كان طابعُه الغريبُ يسترعي الانتباه، فهو لا يشبهُ المباني التراثية العديدة في الشارع ذاته ولا التي في أرجاء بغداد القديمة.
موقعُه المميّزُ..
يقعُ البيتُ ضمن المساحة الجغرافية لمحلّة الكريمات، بالكرخ من بغداد القديمة، التي هُدمتْ أجزاءٌ منها لإنشاء شارع حيفا وبناء عمارات سكنية مطلع الثمانينيات، وصار البيتُ يطلُّ عليه بعد أنْ تمّ الإبقاء عليه بتوصية من المهندس الاستشاري رفعت الجادرجي (١٩٢٦- ٢٠٢٠)، ويعودُ تاريخُ بنائه إلى الثلاثينيات من القرن العشرين، ويوصفُ تصميمُه بالغريب كونه يشابهُ دورَ المستكشفين الإنكليز في أدغال الهند.

شرفاتٌ وأعمدة..
يتكوّنُ الدارُ من طابقين، سبق لي أنْ دخلته وعاينته حينما كان ما يزال قوياً، صعدتُ إلى الطابق العلوي ونظرتُ من الشرفات الثلاث من جهة الشارع، وكانتْ سقوفُها من القرميد الذي يبدو إنهُ تساقط فيما بعد بفعل تقلّبات الزمن والإهمال، ووُضعتْ مكانه ألواح (الچينكو) بشكل بائس، وهي صفائحٌ معدنية مضلّعة مطلية بالزنك، والشرفةُ الوسطيةُ تستندُ على أربعة أعمدة خشبية، فيما الشرفتان وما حولهما تستندُ على عدة أعمدة، خشب قوي صامد بوجه متغيرات الأزمنة، تتلمسه فتشعر بتاريخه القديم، وتظهرُ في أعلى الشرفات إزارة خشبية تحيطُ بالسقف الذي يعلوه تصميم على شكل مثلث متمدد الأضلاع، يتضح إنهُ مأخوذ من معمار أجنبي، وهو ما يلفتُ النظر أيضاً، والسقفُ كان بشكل مائل، مرتفعاً في الوسط ومنخفضاً نحو الجانبين، التي على اليمين متهدمة تماماً، فيما وضع جدارٌ خرسانيٌّ أمام الدار، وصار يحجبُ جزءاً كبيراً من الطابق الأرضيّ، وهناك غرفةٌ خشبيةٌ صغيرةٌ على سطح الدار بمثابة ما تسمى في بغداد (البيتونة) مغطاة بستارة ربما لإبعاد نور الشمس، لكنها الآن مجردُ هيكلٍ خشبيّ تلهو في فضاءاتها الريحُ، أعمدة خائرة القوى.

تحولات..
شهد هذا البيت الجميل تحوّلات من أهمّها وأفضلها تحويله إلى مكتبة عامة تحمل اسم (مكتبة الكرخ)، وقد تم ترميمها عام ١٩٨٣ عند تطوير شارع حيفا، ويمكن القول إن المكتبة كانت العلامة الفارقة في المكان لعدم وجود مكتبة عامة في الأرجاء القريبة، كلّ شيء كان فيها جميلاً وهادئاً، كنتُ أرتادُها وتعرّفتُ على أمينتها السيدة أمل، التي كانت تدور كالفراشة لمساعدة القراء، كانت المكتبة تشمل الطابقين للقراءة والمطالعة وكنتُ أرى العديد من القرّاء الكبار السنّ والصغار أيضاً، كان ذلك في عقد الثمانينيات ويقالُ إنها كانت كذلك في السبعينيات، وجرى للدار آخر إعمار في العام ٢٠٠٠، ويبدو أنّ أحداث الحرب في العام 2003 جعل المكتبة تتعرض لأضرار كثيرة، وقد شغل الدار متجاوزون في وقت ما، ثمّ شغلتها جمعية حقوق الرياضيين، وزرتها آنذاك وكانت أفضل حالاً من واقعها..، قبل أنْ تشغلها مفرزة شرطة كانت ترفضُ دخول الصحفيين إلى الدار أو تصويره لتوثيقه، لكنني بحكم عملي القريب منها كنتُ أذهبُ لمعاينة المكان وأتأمل تداعياتها التي تتحول من سيء إلى أسوأ.
الدار في عيون التراثيين..
هناك صورة لدار فهمي دولت نشرها المهندسُ معاذ الآلوسي التقطها المهندسُ الألماني مارنكوز من شرفته، يظهرُ فيها القسم الخلفي للدار ومنها شرفة وتحتها غرفة جلوس تطلُّ على الحديقة الخلفية، كما تظهرُ الشرفة الأمامية بشكل جزئي.
أما التراثيّ البغداديّ أمين المميز فقال في كتابه (بغداد كما عرفتها) إنهُ بيتُ المهندس فهمي دولت وكان محطّ أنظار البغداديين بسبب طرازه الآسيوي، أما المهندسُ الباحثُ التراثيّ محمد صالح فيقولُ إنه بيتُ مارنكوز الألماني، لكنهُ أخطأ التقدير، لأنّ بيت مارنكوز كان قريباً على بيت فهمي دولت.
ويذكرُ المهندسُ المعماريُّ معاذ الآلوسي (١٩٣٨- ) في مذكراته عن فهمي دولت فيقولُ إنّ الدار: (شُيّدتْ بطراز (آرت ديكو) وبمواد محلية مطورة، وكنا قد درسناها أنا والعتيد فيصل وأثرتْ على عملنا لاحقاً، الإشاعة في الشوّاكة كانتْ تقولُ إنّ دولت كان على علاقة رومانسية قوية مع زوجة المهندس الألماني مارنكوز حيث يجاورُ منزل دولت، وكان مارنكوز يعملُ في إنشاء سكّة قطار الشرق السريع وكلمة مارنكوز تعني نجار باليونانية والتركية).
ويذكر الألوسي:
إنّ إحدى المعارف (ريم) وهي من سكنة ليماسول (في قبرص) لبنانية/ موصلية الأصل من آل عجاج، عرفتني على أمّها وكانتْ من آل دولت. تجرّأتُ وسألتُها عن علاقتها بالمعمار اللبناني الأصل، الكرخيّ النشأة، من سكنة الشوّاكة، شارع حيفا اليوم، فأجابتني وأنا مغمور بالدهشة والسحر، بأنه جدّها. وكانتْ قد زارتْ الدار في صباها، أخبرتني عن مدى ثقافة وأناقة المعمار جدّها. وأكدتْ أنّ الألمانية لمْ تكنْ عشيقته وربما تزوّجها بعد أنْ انفصلَ عنها المهندس الألماني ولمْ يخلّفْ منها، في اليوم التالي أعددتُ لها ألبوماً مفصّلاً لصور الدار التي كانتْ بحوزتي، دمعتْ عيناها عندما أعلمتُها أنّ الدار مفهرسٌ وسيُحافظُ عليه إلى الأبد، إنْ لمْ يسقطْ بإحدى الصواريخ العابرة، والحال لابدّ من أنّ المفخخة التي استهدفتْ وزارة العدل مؤخراً قد أثرتْ عليه).

فيما يقولُ عبد الرزاق صالح: أتذكرُ الدار في الستينيات والسبعينيات وهي قائمة بكلّ شموخ وهيبة وأناقة، وستائره مُسدلة، ومصابيحُه مُنارة، إنّ تصميم الدار يبدو متميزاً ويشابه الطراز الغربي من حيث الواجهات والسقوف المائلة.
بناية هرمة..!!
هذه البناية صارت خربة متهرئة مهدمة أجزاء منها، تكاد لا تقوى على حمل جسدها، ربما من ينصت لها يسمع أنينها وتأوهاتها، تمت تغطيتها بحواجز من القماش الأخضر، ولا يبدو منها سوى بعض من أعاليها، أشجار ونخلات تطلّ برؤوسها وكآبة مقرونة بإحباط تنزّ من بقاياها، كأن هناك من ينتظر أنْ تنهار، فلا يدّ تمتدّ لتاريخها ولا اهتمام يمرُّ على معمارها الغريب، لم تعد غير هامش في المكان يبتئس لمنظره الذين يعرفون قيمته التراثية والتاريخية، وما باليد حيلة، فمن يبلغ عامه المائة ليس له سوى الاندثار الذين، كما يبدو، سيكون قريباً!!.