الأخبار

عزيز خيون في «أنا... أنا»: حين يستعيد «الملك لير» العراقي عرشَه المفقود

مسرحية الملك لير
مسرحية الملك لير

على مدى 56 دقيقة بالتمام، تسيّد الفنان العراقي الكبير عزيز خيون خشبة المسرح، حاملاً على عاتقه 80 عاماً من عمره، متوهجاً وبارعاً، فلم يكسل ولم يسأم ولم يتعب، ناسجاً تأوهات ملك فقد بوصلته وظلم شعبه.

ملك (لير) عراقي

عُرضت على خشبة مسرح الرشيد ببغداد لمدة ثلاثة أيام متتالية مسرحية المونودراما (أنا.... أنا)، تأليف وإخراج الدكتورة عواطف نعيم، وتمثيل الفنان الكبير عزيز خيون، إنتاج دائرة السينما والمسرح بالتعاون مع محترف بغداد، بمشاركة الفنانتين آيار عزيز ولمار محمد، وسينوغرافيا د. علي السوداني، وهي (قراءة بتصرف عن الملك لير لشكسبير)، مهداة إلى روح الفنانة الدكتورة الراحلة إقبال نعيم (الغائبة الحاضرة في لعبة الضوء والوعي... نرحل ويبقى الأثر)، كما إن المخرجة في آخر العرض طلبت من الجمهور قراءة سورة الفاتحة لروح المرحوم المخرج المسرحي الدكتور صلاح القصب، الذي رحل قبل أيام قليلة.

المسرحية كشفت عن ملك (لير) عراقي، عاش على هذه الأرض في الزمن الصعب الذي نعيشه نحن أيضاً، فهو الملك، الأب، والسلطة الغاشمة التي لا ترحم أبناءها، لكنه هنا عجوز وحيد في شيخوخته التي جعلت جسده هشاً ورخواً، باحثاً عن ابنتيه، الكبيرة التي يمنحها جزءاً كبيراً من المملكة، والصغيرة التي تريده أباً ولا تريده طاغية ومستبداً. 

 بوصلة الحكم الرشيد

لكنه بين آونة وأخرى يصرخ: (أنا الملك.. أنا الملك)، كأنه يريد تذكير نفسه التي صارت تستذكر قسوته وظلمه، وقد أضاع بوصلة الحكم الرشيد، لكنه يعترف: "صنعتُ مُلكاً من الحديد.. من الحرب.. من الدم"، ولا يرعوي في أن يرى ثمة من يتآمر عليه، ينعت الرياح بالمؤامرة التي تحاك ضده، فيقول صارخاً فيها: “أيتها الرياح الملعونة، تدورين حولي راقصةً زاهقة”.

ومع ذلك يستذكر، بوهم عظيم، أصوات الجماهير التي تحييه وتمتدحه وتصفق وتهتف له، لكنه في شيخوخته يعترف: “أنا الملك الأحمق وأنا أب خرف، خسرتُ مُلكاً بكل ما فيه من بشر وكأني استعبدتهم”.

هو لا يعرف العدل ولا الرحمة، وأهدر خيرات البلاد، لكنه يملأ الأفق تساؤلات ليست لها أجوبة، ويعلن إنه ارتكب الكثير من الأخطاء بحق شعبه الذي حرمه من مقومات الحياة، أجاعه وظلمه، وقد أصابه الغرور والشغف بكرسي الحكم الذي يعلن إنه غير ثابت ولا يدوم، مشهد الكرسي كان عنواناً واضحاً لزواله المحتّم، ولا يمكن أن ينفع الندم حين يهدر المسؤول كل شيء لغرور السلطة ومغرياتها، ولا يسمع سوى المداحين وماسحي الأكتاف.

 القراءة العراقية الحديثة للمسرحية

كانت القراءة العراقية الحديثة لـ(الملك لير) جريئة، فهي ترسم صور الواقع العراقي بتفاصيل فهمها الجمهور، حتى وإن كان الملك يرتدي ملابس الملوك المعروفة، القراءة أُسقطتْ الملك لير على ما يحدث في العراق، بتأكيدات واضحة أن لا شيء يدوم، لا كرسي الحكم ولا السلطة ولا الطغيان ولا الفساد، وإن الظلم عواقبه وخيمة.

وفي الأخير، حين يجلس في عزلته فاقداً للبصر والبصيرة، يطلب المغفرة، لكنه يتساءل: "هل يُغفر لخائن الخبز في يوم مسغبة وحرمان؟"، يكرر الجملة أكثر من مرة، لتحنو عليه ابنته كورديليا (الابنة الصغرى والمفضلة لديه، التي تميزت بالصدق ورفضت التملق) فتقوده.

لكن العلامة الفارقة في العمل هو الفنان الكبير عزيز خيون، الذي أبدع بثمانين عمره في حركاته وصوته الجهوري، الذي برع في تنويعاته، ليؤكد (إن العمر مجرد رقم).

 التفرد بالسلطة لا يصنع حرية

وتقول المؤلفة والمخرجة عواطف نعيم فى حديث خاص ب"سياق 24" العمل مستمدة فكرته من (الملك لير)، ولكن بقراءة تناص وتصرف بما يتناسب مع الهم العراقي وما يحدث الآن في الأرض العراقية من لبس واضطراب وخوف ومحاذير، “أنا أتكلم عن الاستبداد، وإن التفرد بالسلطة لا يصنع حرية ولا يصنع شعوباً حرة واعية تستطيع أن تبني مجتمعات رصينة وصحيحة وسليمة للأجيال القادمة”.

وتضيف" علينا أن نكون واعين في مطالبنا بحقوقنا من الآخر الذي يتولى زمام أمورنا، أن يكون منصفاً وعادلاً، أليس المفروض بالحاكم أن يكون راعياً محباً ولا يسرق عباده ولا يسرق من يتبعه؟، 

وتأكد"عليهم أن يكفوا أيديهم عن غيّهم وأن يرتدوا، لأن لا شيء يبقى بعد ذلك، لا شيء يبقى، يذهب الكرسي، فليست ثمة ثوابت في الحياة غير الموت والولادة، لذلك عليهم أن يحترموا شعوبهم وأن يمنحوهم الحريات وأن يحافظوا على كرامتهم وأن لا ينهبوا الثروات، فلا مكان للاستبداد في العالم الحر".

وحول الضرورة التى يتطلبها حضور فتاة صغيرة فى العمل بملابس بيضاء قالت"هي خيط الأمل التي تربطنا بالآخر، هي كورديللا التي رفضت المُلك والثروة، ولكنها أرادت الأب الحكيم العارف الذي يحبها ويحنو عليها، لم تكن ترغب في الملك المتجبر المستبد، لكنها أرادت الأب، لذلك هي الوحيدة الحقيقة المضيئة، هي الشعوب، رمز الشعوب الحرة الأبيّة التي ترفض الظلم وترفض الاستبداد، لكنها أيضاً تتمسك بحرية الحقيقة"
وصرّح الفنان  أحمد شرجي ل"سياق 24" قائلا" هناك إضاءة مهمة في هذا العمل، وهي الفنان الكبير القدير عزيز خيون ووقفته على خشبة المسرح بهذا العمر ولمدة ساعة كاملة بهذا العطاء والتنوع بالأداء والحركة، هذه تحسب له"

وأضاف: “الفنانان عزيز خيون والدكتورة عواطف نعيم شكلا ثنائياً رائعاً ومهماً، وما يحسب لهذه العائلة ديمومتها وإخلاصها لمشروعها المسرحي، وهما دائماً ما يعطياننا دروساً في العمل والإصرار على الإنتاج والتواصل”

من جانبه قال الفنان رائد محسن: قامة كبيرة مثل عزيز خيون، عمره 80 سنة، ويقف لمدة ساعة على المسرح وحده في مونودراما، عن الملك لير، لير في هذا الزمن، أعتقد أنها شخصية مهمة جداً، أثر التقسيم الذي عمله توزيع المملكة، يمكن أن يشابه وضعنا كعراقيين الآن، ما يحدث في العراق الآن، هذا التقسيم البغيض الذي صار بالدستور العراقي، الذي هو السنة والشيعة والأكراد.

وأضاف: المسرحية فيها توجسات كثيرة ومحسوسات كثيرة بالمجتمع، وعزيز خيون يبقى قامة كبيرة، والله يعطيه الصحة والعافية، وهو رمز مسرحي عراقي كبير، معلمنا وأستاذنا الكبير، وكذلك الدكتورة عواطف التي تنحت في تجربتها الإخراجية بشكل ممتاز، وأتمنى الموفقية للجميع.

فيما قال المخرج المسرحي أسامة السلطان: كان اشتغال الممثل، كما نعرف عزيز خيون ممثلاً متمكناً من أدواته، وليس غريباً علينا أن نراه بهذا المستوى الكبير، أما بالنسبة لما شدني بهذا العرض، فإن التنقلات كانت من خلال الإضاءة جميلة، السينوغرافيا أعجبتني جداً كمحور داخل التمثيل والإخراج.

وأضاف: كنت أتمنى لو إن العرض كان أكثر تكثيفاً من هذا، لأن المونودراما لا تتحمل أن تكون بسعة أكبر، لأن المونودراما تُشعر المتلقي بالملل والرتابة إذا كانت مدة العرض أطول.

وختم بالقول: لم أشعر بالملل، ولكن في هكذا عرض يُفضل أن يكون (قنبلة) إن كان وقته الزمني أقل، وفي الحقيقة إن عزيز خيون ممثل كبير، وأنا شهادتي فيه مجروحة.