رحيلُ صلاح القصب.. بحسرة (ريتشارد الثالث) !
نَعتْ الأوساطُ الفنيةُ والثقافيةُ العراقيّةُ المخرجَ المسرحيّ الكبيرَ الدكتور صلاح القصب الذي وافتهُ المنيّةُ هذا اليوم عنْ عمر ناهز الـ 81 عاماً، أثر مرض لمْ يمهلهُ طويلاً ولمْ تستطعْ الجهاتُ المعنيةُ أنْ تمدَّ لهُ يدَ الإهتمام .
والقصبُ هو أستاذُ مادة الإخراج في كلية الفنون الجميلة ببغداد، أصدرَ العديد من الكتب النظرية والتطبيقية الهامة حول السينوغرافيا والإخراجية، يُطلقُ عليه لقب (المعلّم) والفنان الكبير والمخرج العبقري ورائد المسرح العراقي، وُلد في بغداد عام 1945 ويُعد رائد "مسرح الصورة" في العراق وواحداً من أبرز أعلام الإخراج المسرحي في الوطن العربي. وقدّم أعمالاً مهمة تُعدُّ من روائع العروض الكلاسيكية والعالمية كمثل (هاملت، مكبث، الملك لير، طائر البحر، والخليقة البابلية) .
بدأ حياته رساماً، الا أنّ الفنان حمّودي الحارثي هو من أكتشفه ممثلاً!!، وجعل حياته تمضي في عالم التمثيل بعيداً عن الرسم الذي بدأه، وكان ذلك في العام 1960، على مسرح في مدينة الكاظمية، يعني إنّ الحارثيّ غيّر مجرى حياة القصب من الفن التشكيليّ الى الفنّ التمثيلي ومن ثمّ الإخراجي الذي برع به وصار من علامات المسرح العراقي ، ليشهد القصب بمحبة وإعتزاز (تجربة حمودي الحارثي تستحق الاحترام، الحارثي رسم فضاء لمسرح طلابي من الصعب اعادته) .
يُنسب إلى القصب إرساء وتأسيس قواعد "مسرح الصورة" في المشهد الثقافي العراقي والعربي مطلع الثمانينيات، وهو الذي أشتهر به منفرداّ عن أقرانه المسرحيين، وقد (تميز بتمرد عروضه على النصوص المكتوبة ليصوغها برؤية بصرية وشعرية تعتمدُ على كيمياء الصورة وفلسفتها) ، ومن أبرز اشتغالاته وتطبيقاته الأولى عرض "هاملت" برؤية صوريّة خاصة عام 1980.
رحل الدكتورُ صلاح القصب وفي نفسه حسرة إنهُ لمْ يحققْ حلمه بعرض مسرحية «ريتشارد الثالث» لشكسبير وقد أُغلقت بوجهه الأبواب لأسباب لا يعرفها ، وهو الذي أخبرني في العام 2008 "أنّ هذه المسرحية هي الحلمُ الذي ظلّ يلازمني منذ سنين بعيدة وسعيتُ الى إخراجها بعد أنْ أخرجت العديد من مسرحيات شكسبير.
وأكد حينها : العملُ سيكونُ جاهزاً للعرض هذا العام بعد أنْ تحسّن الوضعُ الامنيُّ وإنْ تحسّن اكثر بالتعاون مع الفرقة القومية للتمثيل، وقد إشتغلتُ هذه المسرحية لأنني أخرجت العديد من أعمال شكسبير، حيث سأتبعُ المنهج ذاته وهو مسرح الصورة التي أرى إنها تنقلُ الكلمات ومعانيها المستترة وصورها وهو المنهجُ الذي أتبعه من وقت بعيد.
وأضاف : وقطعاً سيكونُ للعمل علاقة بالواقع العراقي والأحداث التي جرت وذلك من خلال التواصل مع الثقافة الإنسانية بشكل عام والمسرح العراقي هو جزء من هذه الثقافة حيث سيبقى مضيئاً ومتواصلاً مع كل ما هو جديد .
لكنَّ حلمه بددتهُ الهواجس والأمزجة، وما على زملائه الا أنْ يلوحوا له بالقول : وداعاً صلاح القصب.. أحد أهمّ قمم الفن والثقافة في العراق والوطن العربي .