ذاكرة المكان البغدادي.. مرقد الحلاج مزارمزار في زقاق ضيق!
ذاكرة المكان البغدادي.. سميت المنطقة التي هو فيها بإسمه
عبد الجبار العتابي :
في لحظة باذخة مرت على بالي ابيات شعر للحلاج (أَنا مَن أَهوى وَمَن أَهوى أَنا،نَحنُ روحانِ حَلَنا بَدَنا) كنت قد كتبتها في دفتر مدرسي عتيق ، لم اذهب الى قراءة القصيدة كاملة بقدر ما قررت زيارة مرقده (الرمزي) الذي اعرف مكانه ولم يكن بعيدا عن محل سكني في احدى محلات الكرخ ، هذا المكان الذي هو في حقيقته المكان الذي صلب فيه الحلاج وصار قبرا رمزيا .
مرقد الحلاج.. مزار في زقاق ضيق
ذهبت متعنيا اليه، كان الوقت عصرا، توجهت الى مرقد أبُو المُغيث الحُسَين بن منصُور الحلَّاجُ البيضاويُّ (858- 922) الشهير بمنصور الحلاج الذي سميت المنطقة التي فيها قبره وضريحه بأسمه (المنصورية) التي تقع في الكرخ على مقربة من مستشفى شهير هناك وقديم اسمه (الكرامة) ، حيث كان الطريق المؤدي اليه شارعا واسعا نوعا ما علامته الفارقة بعض الاشجار الكثيفة الظلال والاغصان ، فيما الاشارة اليه تتمثل في قطعة معدنية خضراء صغيرة معلقة في اعلى بيت قريب وعليها كتابات يعلوها هلال ونجمة (لا اله الا الله محمد رسول الله العارف بالله الشيخ منصور الحلاج) وتحتها لوحة بيضاء صغيرة ايضا يبدو انها تعرضت للصدأ فغاب بعض لون الحروف ،مكتوب عليه (مرقد منصور الحلاج) ، لكن المكان ،وحسب الترقيم الجديد لامانة بغداد يقع ضمن اسم (الشيخ معروف/ محلة 214/ زقاق 14) ، وهذا الزقاق هو دربونة صغيرة قصيرة معبد شارعها بالحجر المقرنص يتوسطه مجرى مائي .

يقع المرقد ضمن ما تسمى (دور الارامل)، في دربونة صغيرة مغلقة، تتراوح بيوت المنطقة ما بين قديمة وحديثة البناء، وحين سلكت طريق الدربونة كان بناء المرقد ملفتا للنظر ، فهو مختلف عن تلك البيوت، توقفت امامه، باب ابيض مرتفع عن الارض بمقدار درجتين ، الباب بمصراعين مرسوم عليهما ما يشبه القبتين، تعلو الباب لافتة مستطيلة مزخرفة من الكاشي الازرق وعليها مكتوب بخط جميل (بسم الله الرحمن الرحيم/ مرقد منصور الحلاج) قوس كبير مبني من الطابوق، فيما هناك قطعة حجرية (مدفونة) ضمن الحائط جوار الباب عليها كتابة (مرقد ابي المغيث الحسين بن منصور الحلاج قدس الله سره/ 244 – 309 هـ / 858 – 922 م) فيما يبدو ان هناك كتابات اسفل اللوحة قد طليت باللون الابيض لاخفائها) !!.
كان باب المرقد مغلقا ، ولم يكن هنالك في الدربونة غير ثلاثة اطفال يلعبون الكرة، فاستعنت بأحدهم لأسأله ، فأشار الى بيت قريب سرعان ما ركض اليه وطرق بابه ، وبعد قليل جاءتني امرأة خمسينية تغط بالسواد ،ألقت عليّ السلام وفتحت باب المرقد فدخلته ودخلته بعدها .
لكنني في اللحظة استذكرت شيئا عن الحلاج حيث تؤكد المصادر التاريخية (تبقى محاكمة الحلاج من أشهر المحاكمات بالتاريخ البغدادي حيث عارض القاضي التنوخي القاضي الازدي الذي كان مستعجلا في صلب الحلاج بدفع من وزير الخليفه المقتدر حامد العباس وهكذا صدر الحكم عليه ونفذ في عام 306 هـجرية حيث ضرب ألف سوط وقطعت أطرافه وحز رأسه وعلق على جسر بغداد وجمعت أشلاؤه وتم حرقها وتم جمع الرماد وذره في نهر دجلة) !!، شيء مرعب لابد من استذكاره قبل الدخول الى المرقد .
على مسافة نحو ثلاثة امتار واجهني البناء الاخر الذي يحتضن قبر الحلاج ، باب خشبي كبير وطويل تعلوه ثلاث قطع من الزجاج مثبت على وسط الخشب التي يفصل ما بينها بشكل واضح زخرفة لكلمة (كهيعص) .
دخلت الغرفة التي فيها الضريح ، كنت متوجسا مما لا ادري ، فألقيت التحية بصمت على المكان كله وعلى الضريح الذي وقفت امامه ، ضريح الصوفي الذي (أفنى نفسه في الحب الإلهي، ليدفع حياته ثمناً للمحبة والنور والتسامح).
المرقد الذى أعيد بناؤه سنة 1905، مساحته 76 مترا مربعا ، وفي غرفة عرضية صغيرة غير متساوية الاضلاع (نحو 24 مترا مربعا) يوجد ضريحه الذي لا يتوسط الغرفة بل يميل على الجهة اليمنى منها ، تغطيه قماشة خضراء عليها نقوش مطرزة (هلال وثلاث نجوم) وكتابات مثل : العارف بالله وآيات قرآنية تشير الى كونه من اولياء الله الصالحين ، تضوع في المكان رائحة عطرة حين تشمها تعتقد انك لم تشم مثلها من قبل ، وربما تشعر بشيء ما في جلدك يسري كالقشعريرة مهابة لما ترى .
وفي المكان الذي بناؤه الداخلي يحتوي على أقواس ومبلط بقطع الكاشي من النوع الصغير القديم ، هناك مكتبة صغيرة بسيطة غريبة الشكل تتوزع على رفوفها الثلاثة بعض الكتب فيما هناك فراغان فيها بعض الاشياء فيما فوقهما اشياء اخرى مثل معطرات الجو ، وهناك لوحات عن سيرة الحلاج وبعض قصائده وقبة مفتوحة صغيرة تتدلى منها ثريا صغيرة وبسيطة .
(الحلاج الملقب بشيخ الصوفية الأكبر الذي عاش في ظل الدولة العباسية، ومات بعد أن رموه بتهمة الكفر والزندقة حيث تم صلبه وقتله والتمثيل بجثته، ويعتبر الحلاج من أشهر وأغرب متصوفة العالم الإسلامي، وهو صاحب القصيدة الشهيرة (وَاللَه ما طَلَعَت شَمسٌ وَلا غَرُبَت، إِلّا وَحُبُّكَ مَقرونٌ بِأَنفاسي).

توقفت امام القصيدة التي تنسب اليه والتي غنيت من العديد من المغنين والفرق الغنائية ، التي لحنها الموسيقار المصري عمر خيرت وظهرت كمقدمة لمسلسل مصري صدر عام 2012، تحت عنوان «الخواجة عبد القادر»، والأداء للمجموعة كورس يسرى، وهي التي تمثل (مرحلة جديدة من مراحل العشق الإلهي عند أهل التصوف، قرأتها كإنني أقرأها للمرة الاولى ومن ثم وجدتني اسمعها من خلال الافق خلال تأملي لكلماتها، اسمع الاغنية موشحا يرن في أذني وكأنها تملأ المكان بالشعر والموسيقى والاداء الجميل .
ثمة رائحة زكية كانت تعطر المكان ويبدو ان السيدة القائمة على المرقد لم تألُ جهدا في ان المرقد لائقا ، ولكن يبدو ان الاهتمام به من الذين يهمهم الامر غير كاف .
عرفت من المرأة ان المرقد تم اعماره مرتين ، الاولى في العام 1992 والثانية في العام 2005 ، والمرقد تابع لديوان الوقف السني ، وان زوجها (مبدر سامي) هو القائم على المرقد منذ العام 2003 تولاه خلفا لابيها (سبع ابراهيم رشيد) بعد وفاته والذي تولى مسؤوليته منذ العام 1992، فيما تؤكد انهم يسكنون بيتهم الذي هم فيه الان منذ العام 1974 ، مشيرة الى زوجها تولى المهمة بكتاب رسمي وهو موظف في الوقف السني ، كما اكدت المرأة ان المرقد لم يكن هكذا قبل اعماره في العام 1992 بل قبة وسط قبة ومن طين .
اشارت المرأة الى ان المرقد يحظى بزيارات عديدة لاسيما من الهنود والباكستانيين في مواسم الزيارات في مولد الشيخ عبد القادر الكيلاني ، وهم يعلنون عن حبهم للحلاج كونه متصوفا ، ويضعون عنده نذورهم .
يذكر الصحفي طه جزاع ان كامل مصطفى الشبيبي ( 27 أيار 1927 - 4 ايلول 2006) وهو (باحث ومحقق وأستاذ فلسفة عراقي) كتب في شباط 1973 صارخاً مستغيثاً في جريدة الجمهورية : ” ابن منصور الحلاج يختنق في محلّة المنصورية ” داعياً الجهات المسؤولة للاهتمام بضريح الحلاّج المحاصَر بين البيوت في محلة المنصورية بكرخ بغداد ، وحاملاً كاميرته الفوتوغرافية الصغيرة ليوثق خرابة ذلك القبر بصور ينشرها هنا وهناك ويثير الانتباه اليه حتى نجح في مسعاه .
ومما يذكر ان المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون (25 يوليو 1883 - 31 أكتوبر 1962) هو مكتشف قبر الحلاج ، أو مكان دفن ما تبقى من رماده، ولكنني لم اقطع بذلك لعدم وجود تأكيد ما عدا ان ماسينيون درس حياة الحلاج دراسة مستفيضة وله فضل كبير في إعادة اكتشاف ذلك المتصوف الإسلامي، وحقق كتاب «الطواسين» الذي صدر عام 1913 في باريس باللغتين العربية والفرنسية، هذا المستشرق يعتبر مكان صلب شيخ الفكر الصوفي عند قبره الرمزي في منطقة المنصورية بين علاوي الحله ومقبرة معروف الكرخي في كرخ بغداد الاقدس من بين الاماكن الموجودة في العالم، بل وكان يتولى في كل زيارة الى بغداد الذهاب الى القبر الرمزي واجراء مراسيم الحج له .