علي حدّاد.. من جحيم الأسر إلى نعيم المرأة والكتابة
لم تكن حياة علي حدّاد منفصلة عن كتابته؛ فالأسر، والمنفى، والعودة إلى العراق، والفقد، والمرض، والرقابة، كلها تحولت في تجربته إلى مادة للحكاية. وفي رواياته وقصصه، لم يكتفِ باستعادة ما عاشه، بل حمل معه وجوهًا وشخصيات ظلّت تطارده وتثير في داخله ذلك «الاضطراب والصخب» الذي يرى أنه جزء من علاقة الكاتب بشخصياته.
في هذا الجزء، يتوقف حدّاد عند رواية «أيام كنا نحتال على الأشياء»، التي كتبها بعد عودته من سنوات الأسر، ويتحدث عن روايته الأولى «القضية الغامضة»، وعن علاقته بأمه رضية، وعن نظرته إلى المرأة والكتابة بوصفهما آخر ما تبقى من نعيم الدنيا. كما يكشف عن بعض الشخصيات التي أحبها، وعن محاولته تحويل قصصه إلى عمل تلفزيوني، والعراقيل التي حالت دون ذلك.
س- أيّ شقاء منحتك إياه رواية (أيام كنا نحتال على الأشياء)؟
ج- سألتني عن الدمار الذي منحتني إياه روايتي (أيام كنا نحتال على الأشياء)؟ فحين عدت من جحيم الأسر الذي استمر ثلاثة عشرة ونيف من السنوات العجاف، شعرت أني بحاجة إلى أطنان من الورق وبراميل من الحبر لأفرغ الموت الذي عشناه..، وإذا بالرواية هي التي تكتبني، كنت قد خططت أن تكون بثلاثة أجزاء، وهكذا ولد الجزء الأول، خطط الغلاف الصديق المبدع صادق الصائغ، وكتب المقدمة الرائد إبراهيم أحمد، وجئت بالدكتورة هناء الدايني فقامت بترجمتها إلى الإنكليزية لأنني أردت أن يعرف العالم كله بما فعلته بنا جمهورية إيران الإسلامية.

وقد صدرت طبعتها الأولى عن دار الشؤون الثقافية، وصدرت الطبعة الثانية من بيروت عن دار شرق غرب، والفرق كان واضحًا، قد أرسلوا دعوة لتكريمي، طائرة وفندق وتوقيع روايتي لبعض الزوار الكرام حقًا ومصرف جيب... وووو.. وحين نفدت الطبعتان قدمتها لدار الشؤون الثقافية لطباعتها طبعة ثالثة، وإذا بهم يرفضونها ويمنعونها، وهذا ما كاد أن يؤدي بي إلى الهلاك، كيف لا تريد لأمراض الدنيا إلا تمطر عليّ (جلطة دماغية، سكري وضغط)، فيصير الموت السعيد أجمل وأحلى وأرقّ من العيش مع هذا النوع من البشر، ومن هنا عرفت، لا بل أيقنت، أن الفرس تغلغلوا في حياتنا الثقافية أيضًا.

س- ما الفعل الذي لن تنساه حين صدور روايتك الأولى (القضية الغامضة)؟
ج- في العام ١٩٦٨ صدرت رواية القضية الغامضة، سألني والدي كمن ملّ من تكرار البحث عن جواب: «علاوي أفندي، بلا زحمة عليك، شوكت إتصير آدمي؟»، أجبته بحرارة: «إذا أعطيتني ١٦٠ دينارًا»، في ذلك الوقت كان سعر متر الأرض في شارع فلسطين ٢٥٠ فلسًا، استلمت المبلغ منه وكنت أطير فرحًا، طبعت الرواية وقامت الشركة اللبنانية بتوزيعها، وكتبت عنها مجلة الشبكة (أول كاتب عراقي في الرواية البوليسية)، ابتسم أبي لكنه شتمني حين أخبره عدنان الخطاط: «هذا لم يكتب اسمك!!»، خرج أبي الدخان من أنفه وأذنيه، وقال: «تستعار من اسمي ابن الـ......، لك هذا حداد لقب مثل حجّي جواد الشكرجي أبو البقلاوة»، ثم أخبرني صاحب مكتبة العربية (بنّاي) أن أذهب إلى الشركة اللبنانية في منطقة السنك ببغداد لاستلام حساب الـ٥٠٠٠ نسخة..، لكنني وجدت المقر خاليًا، لا روائح النساء ولا أصوات أحذيتهن وكعوبهن العالية ولا ضحكاتهن، فقط أصوات قطط وكلاب امتلأت بها البناية وأكوام من القمامة وقناني البيرة الفارغة، شردوا أصحاب الشركة لكثرة مديونيتهم، وببنطلوني الأبيض وحذائي الذي صبغه توفيق الكردي، وهو من أفضل صبّاغي الأحذية في الوطن العربي والإسلامي، جلست فوق الأزبال متسائلًا بحيرة: (كيف سأكون آدميًا؟) تمنيت حينها أغرب أمنية يتمناها صبي في السادسة عشرة من عمره: أن ترحمني الكلاب السائبة وتأكلني!!!

س- لماذا هذا الولع بالشخصيات الإسطورية؟
ج- لست مولعًا بالشخصيات الأسطورية، أنا مولع بالشخصيات المؤثرة والتي تركت أثرًا إيجابيًا فيّ وفي الآخرين، وأرجوك أن تقرأ هذه: (كان زكريا محمود العلاف يدرّسنا مادة الجغرافية، هو يعشق مادته، وكان درسنا عن تونس الخضراء، الأرض.. والسكان.. والمناخ.. ووووووو، وفي اليوم التالي نمر على تونس سريعًا لنأخذ درسًا آخر، فنهض عيسى سلمان الأسود.. يتنحنح، وثبّت أزراره.. وزكريا يلوب، فالوقت عنده سيوف، وينطلق صوته ملعلعًا: «تونس أرض عربية قاحلة خالية من السكان!» زكريا محمود العلاف سقط على الأرض مغشيًا عليه...) لذا أحببت كل من يهب حياته لعمله.
س- أي الشخصيات من قصصك تتمنى أن تراها عيانًا أو تطرق باب بيتك؟
ج- في هذا الزمن الأغبر لا أتمنى لأي شخصية من أبطال قصصي أن تطرق بابي ولو همسًا.
س- ما الذي تثيره في نفسك كلمة (الأسير علي حدّاد)؟
ج- عدنا من الأسر إلى بغداد (بعد 13 عامًا أمضيتها في زنزانات الأسر الإيرانية) في العام ٢٠٠٠، وراتبنا ٢٥ ألف دينار كل ٣ أشهر، العراق أسوأ بقعة على الأرض، اعتبروني مرتدًا، لذا أدخلت دورة لمدة 45 يومًا بعنوان (كيف تحب الوطن)، كنا أكثر من ٤٤ شخصًا، وذات صباح جاء الضابط (المقدّم) منتشيًا وهو يصيح: «أبشّركم يا جماعة.. الرئيس حفظه الله ورعاه عفا عنكم من الإعدام!!!»،
صُعقت من فوري: «أنا محكوم بالإعدام، ولم يخبروني جماعة حزب الدعوة»، نعم صرت واحدًا منهم بقدرة العقيد الذي تشاجرت معه!!!! وكتب عني تقريرًا، ولم أحصل على قطعة أرض مثل بقية الأسرى، والمأساة الأخرى كان عليّ الحضور أمام ضابط الشرطة لإثبات وجودي، والمشكلة أن أحضر يومًا في مركز شرطة أبو سيفين، ويومًا في مركز شرطة فلسطين، وآخر في مركز شرطة الشعب، وذات يوم عيد الله أكبر سمعت شجارًا بين زوجتي وبينهم، كانت تولول: (مو عيد... الله أكبر شنو مجرم...؟)،
لم أعد أحلم بمتر واحد في العراق.. الآن صار حلمي الكبير في شبر وأربعة أصابع يضم رفاتي... وأرجوك صديقًا تقرأ هذا المشهد (خارج النص): حين نشرت قصة قصيرة عنوانها (صبيحة)، وفي يوم مشمس حلّت سيارة طويلة أمام بيتي، وأحدهم (الذي شنق نفسه بربطة عنق وردية) سألني: «أين بيت علي حدّاد؟» دخلا، شربا القهوة المخلوطة بالحليب، والأصلع منهما سألني بحرقة: «ماذا تقصد بقصة صبيحة؟» رد عليه الثاني: «كان يرمز لصبحة والدة المحفوظ بالله!!»، لكن رجلًا من أقاربي كان حاضرًا سألهما: «هل كانت صبيحة في القصة سلبية أم إيجابية؟» لم يردا وغادرا على الفور.
س- لماذا تؤكد على إنّ (حياتي قطع أحسّها متناثرة يصعب جمعها)؟
ج- كانت كذلك، لكنني ما عدت أرى حياتي قطعًا متناثرة بسبب كتاباتي، كتاباتي هي حياتي، وهي المبرر لوجودي، لأنني حين أكتب كل هذا أكون قد عشت في الأقل ما يجب أن يُكتب، وأنت تذكر مقولتي بأن المرأة والكتابة هي كل ما يتبقى لنا من نعيم الدنيا.
س- هل ترى إن فن القصة القصيرة ينذر بالانقراض؟
ج- سأجيبك عن انقراض الديناصور والقصص التافهة المنتشرة على الصفحات الثقافية وعلى المجاميع القصصية، هذه تنذر بانقراض المتعة والترف في القراءة، وسببها هم عباقرة الخبراء الذين يجيزون هذا الكم الهائج من الكوارث، وكذلك ساهم في الخراب علماء الصفحات الثقافية في المجلات والصحف..، بالمناسبة أنا كتبت مقالًا بالأسماء الحقيقية، أشرت عليهم بأنهم من خرّب المشهد القصصي، كتبته بعنوان (قصاصون وروائيون بالفياغرا) ونشر بعنوان (قصاصون وروائيون بالمنشطات!!)، أسماء كثيرة قالوا: علي حداد يتعرض لرموز العراق العظيم..، هم فقط يعرفون الكتابة بالنحويّ، والله من وراء كل قصد!!
س- لماذا تفتخر بكونك (علي رضية)؟ أي شيء كان لها فيك؟
ج- عندما مررنا أنا وأمي رضية حمودي جواد من أمام مقبرة باب الشيخ، راحت تبكي وتصيح: «الله يساعدهم على هذا الحرّ»، وحين كانت تسمع عن الجثث المغدورة كانت تقسم: «والله العظيم هذا ليس موتًا من الله»، وحين تجدني مستغرقًا في الكتابة تهمس في أذني: «لك علاوي عليمن عامي عينك، هو منو يقره، منو يكتب»، وكما أخبروني إنها لفظت آخر كلمة وهي تقفز من فراشها فرحة: «ها علاوي.. أجيت»، أمي رضية ماتت في العام 1998 قبل عودتي من الأسر بسنتين.
س- المرأة والكتابة هي كل ما يتبقى لنا من نعيم، لماذا تقر بهذا؟
ج- المرأة ولدت قبل الكتابة، قبل الحرف..، وهي إلى هذه اللحظة تخفف علينا ما نعانيه من جحيم الأرض ومن جحيم القصص التافهة..، بالمناسبة صديقي، أهديت واحدة من قصصي إلى.... الله الذي قص علينا أحسن القصص.
س- اعترفت ذات مرة أن (شخصيات القصص والروايات كانت أيضًا تثير في أعماقي اضطرابًا وصخبًا هائلين)، لماذا؟
ج- أحببت هذه الشخصيات جدًا إلى حد أنني كنت أقول عنها (أموت عليها.. / تعبير عراقي عن الإعجاب الكبير)، مثل: سوريل، زوجة آدمون آرتين في روايتي «التعيس الذي رأى نفسه»، لأنها شخصية جميلة جدًا، تظهر سوريل كامرأة تمرّدت في مرحلة ما من الأحداث وصارت تعيش حياة مغايرة، انحرفت، رغم حب زوجها الكبير لها، ولكن عندما عاد إدمون آرتين إلى حياته لاحقًا وهو فاقد لذاكرته، عادت إليه سوريل لترافقه وتظهر له كامل الإخلاص والوفاء، كنت أرى سوريل هي جارتنا «فائزة» بنفس المواصفات وقد انحرفت وتمردت، فأحببتها أيضًا، وكذلك أحببت شخصية «صبيحة» صديقة عباس، أحببتها.
هي شابة جميلة جدًا تشبه المغنية الإيرانية كوكوش بالضبط، لكنها أحبت عباس الذي يعمل ببدالة الكرخ، كانت تطلب منه أن يخرجها من أجواء «محلة الدهانة وأبو سيفين»، لأنها تراها أماكن تعيسة ولا تحتمل روائح الأشياء القذرة فيها التي تملأ درابينها، لكن عباس لم يستطع أن يخرجها، وبالتالي سُجن لأنه استرق السمع لمكالمة الوزير، كان ذلك في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم، ومن أجل إخراجه من السجن باعت صبيحة نفسها لعناصر الشرطة، ولم يخرجوه من السجن، ثم صارت عاهرة ولقبها (صبيحة تاكسي)، كنت أموت عليها لطموحها وتفكيرها أن تصير ممثلة، ثم عملت في مركز شباب، كل من فيه مؤدبون ومهذبون ووسماء، لكن المصيبة إن عباس الذي أحبته لا يقبل أن يغادره الحمار!!،

وهناك شخصية فاضل وأخته فضيلة، أبوهما عباس الدهان، قسّم الورث بينهما قبل أن يموت، كان فاضل يحب أخته جدًا، ولكن بعد موت أبيه عاقر الخمرة وأدمن المومسات والسفر إلى الخارج مع أصدقاء السوء حتى نفدت كل أمواله، وعاد لينال من ورث أخته التي هربت، فراح يبحث عنها في المحافظات وأصبح محل سخرية للآخرين (ربع عرق والمزة ملح)، إلى أن شاهدها ذات يوم في منطقة الميدان ببغداد في دار للعاهرات، وبسبب كلمات توبيخ منها أصبح مجنونًا، لكن فضيلة تابت إلى ربها وذهبت إلى الحج، لذلك أنا أحببت فضيلة بالتفاصيل التي أعرفها عنها، وهذه الشخصيات الحقيقية/الأسطورية وغيرها كانت تثير في نفسي اضطرابات عالية.
س- لماذا لم تحوّل قصصك إلى مسلسلات تلفزيونية شعبية؟
ج- سبق أن قدمت إلى قناة العراقية مسلسلًا من 30 حلقة بعنوان (أولاد شارع غازي)، لكنهم وضعوا العراقيل أمامه بقولهم أولًا: «اجعله 15 حلقة»، ثم قالوا: «لا توجد لدينا فلوس»، وهكذا سحبت المسلسل بعد أن قرروا عدم إنتاجه!!