كنيسة الأدفنتست السبتيين في بغداد.. تحفة فنية تعاني الإهمال
اسمها مثير.. يدعو للفضول وللبحث والاستفهام والاستقصاء عما يعنيه، وشكل معمارها يدعو للتأمل، وهي جميلة ومميزة بقامتها الفارعة العالية، وهي تشكل علامة فارقة مبهرة في المكان، وتعتبر من أجمل كنائس بغداد تفصيلًا.
كانت طريقي إلى كنيسة «الأدفنتست السبتيين» من الشارع الفرعي، لأتأمل جانبها الذي لم يسبق لي أن تأملته، وإن كان نسخة طبق الأصل من الجانب على الشارع العام. فكلاهما يلفتان النظر إلى الجماليات المعمارية التي فيهما، فضلًا عن النوافذ العمودية العالية، التي تتوهج تحت نور الشمس وضوء القمر.
كانت المساحة واسعة وعالية إلى حد ما، وتسترعي الانتباه. حجر الحلّان الأبيض، الذي يُستخرج أساسًا من مدينة الموصل وضواحيها، هو سيد المشهد في بنائها، وشبابيك عمودية بزجاج ملون تشهق أعاليها بأقواس بتصميم مميز، وسياج مرتفع، لكن أسلاكًا شائكة تعلوه وتشوه المشهد المدهش. يبدو أن أصحاب الكنيسة يخشون تسلل البعض إلى داخلها، فيما السور العلوي على شكل ارتفاعات تشبه أسوار القلاع، فيما الجدران على طولها تبرز منها نتوءات حجرية زادتها جمالًا.

تحفة فنية
وحين تقف قبالتها مباشرة سترى تحفة فنية غاية في الجمال، متناسقة المحتوى، ما بين المدخل والأعلى منه. في المدخل الكبير قوس وسطي كبير، وعلى جانبيه مدخلان صغيران وقوسان صغيران متشابهان، خلفهما باب يؤدي إلى داخل بناية الكنيسة.
الباب خشبي عريض بثلاثة مصاريع، عبر سلم مرمري بتسع درجات، تعلوها شرفة ترفعها أربعة أعمدة رخامية، ثم نافذة زجاجية كبيرة ملونة بألوان عدة، على جانبيها دائرتان محفورتان، وسط كل منهما صليب، وفي الأعلى منها هناك المخروط الذي يحمل الصليب.
هذه الكنيسة تقع على الطرف الجنوبي من شارع النضال، على مقربة من الحديقة الشهيرة سابقًا «بارك السعدون»، وعلى مرمى حجر من ساحة الأندلس جنوب الشارع. لا يمكن للمار من هناك أن يتجاوزها بنظراته؛ لأنها تشكل لوحة فنية كبيرة مدهشة في المكان، خاصة أنها شامخة ببنائها، والمساحة التي أمامها مفتوحة، وباذخة بشكلها المميز، فتدرك أن بناءها استثنائي وتستحق أن تكون من أيقونات بغداد. تشعرها مبتهجة بكل ما فيها من ألوان الزجاج ومعمار الانبهار.

يعود تاريخ إنشائها إلى العام 1958، وطرازها المعماري إنكليزي، ولا معلومات حول مصممها، ولكنها شبيهة بكنائس الطائفة السبتية التي تتميز بـ«وجود المخروط الذي يحمل الصليب»، وهذا المعمار، على العكس من بقية الكنائس التي تحتوي على قبة، وخاصة الكنائس الشرقية.
ويمكن القول إن كنيسة السبتيين، التي تصميمها مقارب للتصميم القوطي، تتميز بخصائص معمارية، منها أن الطراز هو معمار أوروبي حديث، والتصميم عبارة عن واجهة هندسية مزخرفة بخطوط عمودية، والهيكل اعتمد الأسقف المائلة والمستويات المتعددة بدلًا من القباب التقليدية. أما السعة، ففيها قاعة عبادة تتسع لنحو 500 مصلٍّ، فيما تبلغ مساحة الموقع الإجمالية نحو 1500 متر مربع.
الإخوان حسّو
ويبدو أن العراقيين «الإخوان حسّو» كانت لهم المسؤولية المباشرة عن إنشاء الكنيسة، وقد كانت لهم اهتمامات دينية. مثال على ذلك أن «ناصيف حسّو وبشير حسّو» كانا من المعاضدين لطائفة الأدفنتست السبتيين، ومن ثم ترأس ناصيف حسّو هذه الطائفة، فيما كان بشير حسّو صاحب الدور الرئيسي فيها، مع التأكيد.

ويؤكد المحامي طارق حرب: «في العقد الثالث من القرن العشرين حقق تجار الطائفة نجاحًا باهرًا ببغداد، مثل الأخوين حسّو، بحيث تولوا تكوين نواة كنيسة ببغداد بعد أن كانوا يستخدمون كنيسة البروتستانت لممارسة شعائرهم أيام السبت، وفي سنة 1947 تم افتتاح أهم مدرسة في الشرق الأوسط، وفي سنة 1958 تم تشييد كنيسة كبيرة في شارع النضال قريبًا من ساحة الأندلس، وكان الاعتراف الرسمي من الحكومة في السنة التالية».
وهذه هي الكنيسة.
ويوضح حرب أن «هذه الطائفة من أبرز الطوائف الإنجيلية التي طرحت نفسها كحركة مكملة للإصلاح الديني، حيث يستندون على حرفية الكتاب المقدس بعهديه».

المجيئيون.. ويوم السبت
لكن الاسم الذي ثنائيته كلمة «السبتيين» يدعو إلى الاستفهام، خاصة مع معرفة إن الكلمة مأخوذة من يوم «السبت»، الذي يفهم الآخرون أن له علاقة بدين آخر، إلا أن السيدة أليزا منصور توضح:
«يتكون اسم الكنيسة من شقين؛ هما الأدفنتست (المجيئيين)، وهذا يعني الناس الذين يؤمنون بمجيء المسيح ثانية قريبًا حسب النبوءات الواردة في سفر دانيال وسفر الرؤيا. وهذا لا يعني أبدًا معرفة اليوم والساعة للمجيء الثاني، بل معرفة (الفترة النبوية). فالوقت في الكتاب المقدس نوعان: وقت محدد باليوم والساعة، ووقت بين فترتين يعين فترة نبوية، لذا نحن نتحدث عن الفترة النبوية هنا».
وأضافت: «الشق الثاني من اسم الكنيسة، وهو (السبتيين)، وهذا يعني أن هذه الكنيسة تحفظ يوم سبت الرب الأسبوعي الذي أعطي في التكوين 2: 1-3، الذي أعيد إعطاؤه في سفر الخروج 20: 8-11. وهذا هو ليس السبت الطقسي السنوي الذي أُبطل، لأن هناك نوعين من السبوت في الكتاب المقدس. السبت السنوي هو يوم لم يكن سبتًا، بل كان يصبح سبتًا مرة واحدة في السنة؛ لأنه يقع في اليوم الرابع عشر من الشهر الأول من السنة، فيكون يوم ثلاثاء مثلًا فيصبح سبتًا، أو يكون يوم جمعة فيصبح سبتًا، بمعنى عطلة أو راحة أو إسباتًا. هذا السبت كان هو سبت ذبيحة الفصح السنوية قبل صلب الرب يسوع. هذا السبت السنوي الطقسي يطل على الصليب، كما يقول عنه الرسول بولس في رسالته إلى كولوسي 2: 16 وما قبلها وما بعدها».
راحة في الصلاة
فيما يشرح المواطن بيير فرح: «إنهم يسمون كذلك لأن الله طلب أن نرتاح ونصلي في اليوم السابع، واليوم السابع هو السبت، ولهذا يدعون السبتيين. إنهم لا يختلفون عن البروتستانت، مثقفون ويعملون من أجل تثقيف الإنسانية، ويظهر ذلك من عدد مدارسهم وجامعاتهم حول العالم».
الرعاية والصيانة
كنيسة الأدفنتست السبتيين ما زالت شامخة منذ العام 1958 الذي جرى فيه افتتاحها، وتحفظ بهاءها الخارجي على الرغم من أنها مرت بظروف عصيبة، لا سيما ما بعد أحداث التغيير في العام 2003، واحتاجت إلى صيانة وإعمار، وقد تعطلت الصلوات فيها والدخول إليها غير مسموح به.
يقول الكاتب فاضل شنيشل: «السبتيين هم طائفة من المسيحيين المؤمنين بدين عيسى عليه السلام، معتبرين السبت يومًا مقدسًا لهم يجمع بين أبناء إبراهيم، يوم مقدس واحد، يقام فيه قداس الصلوات والأذكار. والطائفة أغلبهم سكنوا هذه المحلة بالقرب من الكنيسة بعد تكاثر أعداد الكنائس ودخول الإنكليز البلاد، ليكون شارع النضال عبارة عن مشاتل وحدائق، بين كل مسافة وتجد كنيسة، اعتبارًا من ساحة الطيران، وفيها ثلاث كنائس، مرورًا بالطريق غير المعبد نحو كنيسة السبتيين».
وأضاف: «الكنيسة كانت منفتحة على الجميع، فهم يتقبلون وجهات نظر القديسين، وليس لديهم تشدد فكري أو ديني، وأصبحت منطقة راقية، حيث كثر إقبال الناس على إدخال أولادهم مدرسة محترمة مثل (مدام عادل)، التي تقابل هذه الكنيسة، وهي بجوار شارع الزعيم عبد الكريم قاسم».
وتابع: «هذه الكنيسة الأثرية الراقية بعمارتها مسؤولية الأوقاف الدينية المسيحية، والحفاظ عليها كإرث ديني والمحافظة عليها واجب أخلاقي، لا أن يأتي سائق رافعة (كرين) ويطبع رقم هاتفه على الجدار، أو يسحب بعضهم خطوط الكهرباء من فوق هذه البناية، أو يقف صاحب مخزن بسيارته أمام بوابة الكنيسة، فالنظافة والترتيب أولويات البلدان والشعوب».
مؤجرة لقناة تلفزيونية..!!
زرتها متعمدًا للاطلاع، وجدت أن حارسها مسلم، وهو الذي يهتم بشؤونها في ظل غياب الطقوس والاهتمام بها، حيث هي بحاجة إلى صيانة.
وأخبرني أن وفد المجمع العام لكنيسة الأدفنتست السبتيين الإنجيلية، برئاسة القس ماجدل إيزير شولز، مساعد رئيس الكنيسة في العالم، والوفد المرافق له، زار في شهر مايو/مايس 2024 رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، الذي أكد استعداد الحكومة للتعاون في إعادة فتح كنيسة السبتيين ببغداد، كجزء من رعايتها لأبناء هذه الطائفة وباقي الطوائف داخل العراق وخارجه، ووعد بصيانتها، ولكن بعد ثلاث سنوات ومن ثم انتهاء مدة حكمه لم يحدث للكنيسة شيء، وبقيت على حالها القديم.
يخبرني أحد من التقيتهم في المكان أن هذه الكنيسة، بعد ما أسماه «انقراض» طائفة السبتيين، تم تأجير مساحات من الكنيسة لإحدى القنوات الفضائية. وبالفعل دخلتها من الباب الجانبية، وكانت هناك إشارات للقناة، كما صعدت إلى الطابق الأعلى وشاهدت استوديوهات كبيرة، وعرفت متطلبات العمل، وتم التأكيد لي على استئجار أجزاء منها لأغراض عمل القناة.





