الأخبار

العراقية بيدر البصري: أؤمنُ أنّ لحظةً موسيقيّةً صادقة قدْ تمنحُ إنسانًا أملًا

بيدرُ البصريّ..
بيدرُ البصريّ..

بيدرُ البصريّ.. مطربةٌ عراقيةٌ، خَرجتْ منْ معطف فنانيْن كبيريْن لهما تاريخٌ ضاربٌ في عمق الأغنية العراقية، ورثتْ منهما عذوبة الصوت والالتزام والاجتهاد الذي منحها قدرة كبيرة على الغناء الأوبرالي مع الأوركسترا العالمية، مستفيدة من وجودها في (هولندا) التي احتضنتها وكانت مسارحُها مفتوحة لها.

حين يطلب منك التعريف بك أي طريقة تفضلينها؟ 

أنا بيدرُ البصريّ، ولا أستطيعُ أنْ أعرّف عن نفسي بالطريقة التقليديّة، لذلكَ اخترتُ أغنية تمثلني، اخترتُ أغنية «يا عشگنا» لوالدتي شوقيّة العطّار وفؤاد سالم، ومن ألحان والدي حميد البصريّ، لأنها بالنسبة إليّ ليستْ مجرد أغنية، وإنما جزءٌ من عائلتي وذكرياتي وهويتي، كما أنها تعبّرُ عن محبتي لوطني وانتمائي لهُ، ولهذا أشعر أنها تمثلني بشكل خاص.

ما الخطوةُ الأبرزُ في مسيرتك الغنائية التي نقلتك إلى عالم الاحتراف؟

مشاركتي في مسابقة غنائية في دنهاخ "هولندا" في العام 1999، في حفل مباشر في عيد رأس السنة مع الأوركسترا العالمية، وتقديمي بعدها أغنية "يا نبعة الريحان" أمام ملكة هولندا السابقة بياتريكس فيلهلمينا أرمغارد.

أيّ تأثير للوالدين عليك (ملحنٌ ومطربةٌ)؟

بالتأكيد كان لوالديّ تأثيرٌ كبيرٌ عليّ، خصوصًا أنني نشأتُ في بيئة موسيقية؛ فوالدي كملحن ووالدتي كمطربة جعلا الموسيقى جزءًا أساسيًا من حياتي منذ الصغر، استفدتُ منهما في فهم الموسيقى والإحساس بها، وتعلمتُ منهما الانضباط والشغف بالفن، لكنني حرصتُ أيضًا على أنْ أكوّن لنفسي أسلوبي وشخصيتي الفنية الخاصة.

هلْ من وصية قالاها لك وأنت ترسمين لصوتك مسارًا واضحًا؟

أوصياني بالاستمرار وعدم الاستسلام، فطريقُ الفنّ وعرٌ، وفيه الكثيرُ من التحديات والمخاطر، لكنْ بالإصرار والمثابرة يمكنُ تجاوزَ الصعوبات وتحقيق النجاح.

كيف كان طريقُك إلى الغناء الأوبرالي الذي هو منْ أصعب ألوان الغناء، وما الذي يمثله لك في اشتراكك مع أوركسترا عالمية؟

كان طريقي إلى الغناء الأوبرالي صعبًا للغاية، خاصة أنّ إثبات اسمك كفنان في دولة أوروبية تُعدّ الأوبرا من أهم ركائز ثقافتها الغنائية ليس بالأمر السهل، لكن بعد تخرجي من الكونسرڤتوار الملكي في هولندا، قررتُ ألا أكتفي بالقالب الأوبرالي التقليدي، بلْ أنْ أبحث عن ألوان موسيقية جديدة تمتزجُ مع الغناء الأوبرالي وتقدّمهُ بصورة مختلفة، تخرجه من نطاق المألوف وتصلُ به إلى جمهور أوسع، بالفعل، استطعتُ أنْ أحققَ هذا الهدف من خلال مشاركاتي مع أوركسترات عالمية، وأنْ أقدم تجارب فنية في العديد من دول العالم، حصدتُ من خلالها نجاحات وجوائز دولية، لذلك، فإنّ اشتراكي مع أوركسترا عالمية يمثلُ لي أكثر من مجرد نجاح فني؛ فهو تتويجٌ لرحلة طويلة من العمل والاجتهاد، ودليلٌ على أنّ الفنان يستطيعُ أنْ يحافظ على أصالة الفن الذي ينتمي إليه، وفي الوقت نفسه يفتحُ له آفاقًا جديدة ومختلفة.

ما الذي يحفزُك إلى تلحين بعض أغانيك؟

أنا ألحنُ منذ أنْ كان عمري 16 عامًا، وكان والداي يشجعانني كثيرًا على أنْ أقدم نفسي كملحنة، لكنني بقيتُ مترددة وخائفة من اتخاذ هذه الخطوة، وبعد وفاة والدي، رحمه الله، كانتْ وصيته لي أنْ أبدأ بالتلحين وأنْ أقدم نفسي كملحنة، وكانتْ وصيته هي الحافزُ الأكبرُ لي والدافعُ الذي جعلني أتغلبُ على خوفي وأبدأ فعليًا في خوض هذه التجربة وتحقيق ما كان يتمناهُ لي.

لمْ تكتفِ بالموسيقى ترفيهًا، بلْ حضنٌ إنسانيٌّ.. حدثيني عن نشاطك في هذا المجال؟

بالنسبة لي، الموسيقى لمْ تكنْ يومًا مجرد وسيلة للترفيه، بلْ هي لغة قادرة على الوصول إلى القلب وخلق مساحة من الأمان والفرح. لذلك حرصتْ على أنْ يكون لي حضورٌ في الجانب الإنساني من خلال تسخير الموسيقى لخدمة الناس، خصوصًا الأطفال والفئات التي تحتاجُ إلى الدعم النفسي والمعنوي، كما شاركتُ في أكثر من ١٤٠ حفلًا دوليًا للسلام، وحصلتُ على جوائز مهمة "للسلام الدولي"، كما شاركتُ في مبادرات وأنشطة موسيقية ذات طابع إنساني، وأؤمنُ أنّ لحظة موسيقية صادقة قد تمنحُ إنسانًا أملًا أو تخففُ عنه شيئًا من الألم، بالنسبة لي، أجملُ ما في الفنّ أنْ يتجاوز خشبة المسرح ليصبح حضنًا إنسانيًا.

ما أبرزُ ثلاث محطاتٍ في مسيرتك الغنائية؟

من أبرز المحطات في مسيرتي الغنائية اهتمامي بتقديم التراث العراقي وإبرازه كجزء أساسيّ من هويتي الفنية، إلى جانب العمل على مزجه بالغناء الأوبرالي، وخلق مساحة فنية تجمع بين أصالة الموروث العراقي وتقنيات الغناء الأوبرالي..، تقديمي العمل الأوبرالي الإنساني الكبير "ستابات ماتر" لمؤلفه الإنكليزي السير كارل جينكيز، حيث قدمتهُ لأكثر من ١٥٠ مرة خلال سبعة وعشرين عامًا، إلى أنْ وصل اسمي لشركته العالمية، وتحققَ حلمي أنْ أقدم العمل معه شخصيًا في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وتأليف أربع أغانٍ لي شخصيًا من المؤلف الهولندي المرموق "تيو هوك"، وتقديمها لمدة سنة كاملة في هولندا مع "متربول أوركسترا العالمية".

من يستمع لأغنيتك "آخر الرباعيات لأبي" يشعرُ أنّ وراءها قصة مؤثرة، هلْ تتفضلين بكشف أسرارها؟

قصيدة «آخر الرباعيات لأبي» هي في الأصل قصيدة قديمة لشاعرها الرائع الأستاذ حمد حمود الدوخي، وعندما قرأتها وأعجبتُ بها، أكملها الأستاذ حمد بمقاطع أخرى من إحساسي وتجربتي، تعلّقتُ بهذه القصيدة لسببين؛ أولهما حزني على فراق والدي، وثانيهما أنني شعرتُ بأنها تعبّرُ بشكل كبير عن مسيرة والديّ الحياتية والفنية، بما فيها من تعب وكفاح وتضحيات كبيرة، وكأن كلماتها تروي شيئًا من حكايتهما، وتستحضرُ أمامي سنوات طويلة من العطاء والإصرار، كما أشعرُ أنّ والدي تركَ لي إرثًا أكبرَ من الفنّ نفسه؛ تركَ لي قوة الاستمرار في الحياة، والقدرة على مواجهة الصعاب بعزم وإصرار، وأنْ أواصلَ طريقي في الفنّ مهما كانتْ الظروف، لذلك جاءتْ هذه الأغنية محمّلة بالكثير من مشاعري وذكرياتي وامتناني له، وكانتْ بالنسبة لي مساحة أستطيع من خلالها أنْ أعبّر عن حزني على فراقه، وفي الوقت نفسه عن القوة التي ورثتُها منه.

أداؤك لموّال (يَمال.. أو يَمال) مختلفٌ عن الطريقة العراقية المتعارف عليها، وإنّ فيه حداثة تسرُّ المستمع وتشجّعه، حدثينا عنه؟

كتب كلمات الموّال الشاعر الرائع عمر السرّاي، وأردتُ من خلالها أنْ أقدّم لونَ البحّارة وأمزجهُ بالطريقة العراقية المتعارف عليها في أداء الموّال، لنصل إلى لونٍ مختلفٍ عن السائد والموجود حاليًا، حاولتُ أنْ أحافظَ على أصالة الموّال وروحه العراقية، وفي الوقت نفسه أضيفُ إليه لمسة حديثة تمنحُ المستمع إحساسًا جديدًا وتشجّعه على تقبّل هذا اللون والاستمتاع به.

ما التحديّ الكبيرُ الذي تواجهينه في كل نشاطاتك الفنية؟

الاستمرارية رغم كثرة العقبات والتحديات، فالحفاظُ على شغفي بالفنّ ومواصلة العمل وتطوير نفسي، رغم الصعوبات والظروف المختلفة، هو التحدي الأكبر.

الحنينُ إلى الغناء البصْريّ.. متى يكونُ وقته لديك وما محاولاتك لإعادته بصيغة جديدة؟

بالنسبة لي أحضّرُ منذ وقت طويل لعمل غنائيّ جميل يليقُ بعراقة وأصالة مدينتي البصرة، ويحملُ روحها وذاكرتها بطريقة جديدة تلامسُ الحاضر، أما الحنينُ إلى الغناء البصْريّ، فهو موجودٌ دائمًا في قلبي وصوتي، وأتمنى أنْ أقدمهُ من جديد بروح معاصرة، من دون أنْ أفقد أصالته وملامحه التي تميّزه.

ما العملُ الفنيُّ الذي تعتزين به، وكان نقطة فارقة في شهرتك؟

لا يوجدُ عملٌ فنيٌّ معينٌ أعتبرهُ نقطة فارقة، لأنّ لكلّ عمل جمهوره وفئته الخاصة، وأنا دائمًا أحاول، قدر استطاعتي، أن أقدم ما يرضي مختلف الأذواق، لكنْ ربما تكونُ أغنية «هذا مو إنصاف منك» هي الأكثر شهرة بالنسبة لي، ورغم أنها ليستْ من أغنياتي الخاصة، إلا أنها انتشرتْ بشكل كبير وواسع، وكان لها حضورٌ لافتٌ لدى الجمهور.

هلْ ترين إنك ما زلت مطربة النخبة أمْ إنّ السبب في الإعلام؟

لا أرى نفسي مطربة النخبة، وأعتقد أنّ الإعلام له دورٌ كبيرٌ في تصنيف الفنانين ووضعهم في هذه الخانة أو إخراجهم منها.

كيف تجدين ردود الأفعال على الأعمال التي تقدمينها؟

بصراحة، ردودُ الأفعال على الأعمال التي أقدمها إيجابية جدًا، وهذا الأمرُ يسعدني ويمنحني طاقة كبيرة للاستمرار، فأنا أبذلُ الكثير من الجهد والوقت في كل عمل أقدمه، وأحيانًا أشعرُ بالتعب والإرهاق، لكنْ عندما أرى تفاعل الجمهور وكلمات التشجيع والإعجاب، أشعرُ أنّ كل هذا التعب كان يستحقُ، بالنسبة لي رأيُ الجمهور مهمٌ جدًا، لأنّ الفنان يحتاجُ دائمًا إلى أنّ يشعر بأنّ ما يقدمه يصلُ إلى الناس ويلامسهم. كما أنّ التعليقات والآراء تمنحني حافزًا كبيرًا لتطوير نفسي وتقديم أعمال أجمل وأفضل في المستقبل. وأعتبرُ هذا الدعم مسؤولية أيضًا، لأنه يجعلني دائمًا حريصة على أنْ أكونَ عند حسن ظنّ الجمهور وأن أقدم لهم أعمالًا تليق بمحبتهم وثقتهم.

ما الذي منحتك إياه المسارحُ الأوروبية والأمريكية؟

لقد منحتني المسارح الأوروبية والأمريكية الكثير؛ منحتني التقدير والاهتمام والاحترام والاحتواء لموهبتي، كما منحتني مساحة أوسع للانتشار والشهرة، وعرّفتُ الجمهور على تجربتي وفني، وعززتُ حضوري على الساحة الفنية.

هلْ تهتمين بالسوشيال ميديا وآراء الناس فيها؟

نعم، مؤخرًا أصبحتُ أهتمُ أكثر بالسوشيال ميديا وآراء الناس فيها، وأعتبرُ نفسي محظوظة جدًا لأنّ عائلتي الكبيرة هي جمهوري، ودعمهم وآراؤهم دائمًا تعني لي الكثير.

تغنين بالفصحى، وهو أمرٌ نادرًا ما تفعله مطربة، أيّ الأغنيات الأقرب إلى نفسك، وأيّ صعوبات كانت لك معها؟

أحبُّ الغناء بالفصحى، رغم أنهُ تجربة مختلفة ونادرة في مسيرة المطربة، وجميع الأغاني بصراحة قريبة إلى قلبي، لأنّ للكلمة الفصحى موسيقاها الخاصة وعمقها الذي يفرضُ على الفنان أنْ يكون دقيقًا في النطق والإحساس معًا، ومن الأغنيات الأقربُ إلى نفسي تلك التي تحملُ معنىً إنسانيًا صادقًا، وتتيحُ لي أنْ أعيش الكلمة لا أنْ أؤديها فقط، أما الصعوبةُ الأكبرُ فكانتْ في الحفاظ على مخارج الحروف وسلامة اللغة، مع إبقاء الأداء عفويًا وغير متكلّف، خصوصًا أنّ الفصحى تحتاجُ إلى تعامل دقيق مع الوزن والإيقاع والمعنى.. ولكنّ أغنية «آخر الرباعيات لأبي» ارتبطتْ بفقدان والدي رحمه الله، وهي مرحلة قاسية جدًا مررتُ فيها بضغوطات نفسية شديدة، استغرق تسجيلُها نحو ثلاثة أشهر، لأنني في كل مرة كنتُ أذهب فيها إلى الاستوديو، كنت أنهار بالبكاء ولا أستطيع الاستمرار. كانت الكلمات تلامسني من الداخل بشكل عميق، ولذلك لمْ يكنْ غناؤها مجرد أداء فني، بلْ تجربة إنسانية مؤلمة عشتها بكل تفاصيلها.

أيّ المطربات العراقيات المعاصرات لك تثيرُ في نفسك المنافسة أو تجدينها مميزة فعلًا؟

هناك مطرباتٌ عراقياتٌ معاصراتٌ أجدهنّ مميزات جدًا، لكنني لا أنظرُ إليهنّ بمنطق المنافسة بقدر ما أراهنّ زميلات يضفنَ للمشهد الغنائي العراقي. لكل فنانة لونها وحضورُها، وهذا التنوعُ هو ما يجعلُ المنافسة جميلة ومحفزة.

بين بغداد والبصرة أيّ أغنية من الممكن أنْ تبددَ الحنين إليهما؟

يوجدُ العديدُ من الأغاني الجميلة، ولكنْ إذا سألتني عن أغنية واحدة فقط لتشغيلها وأنت مشتاق للمدينتين هي (الريل وحمد)، وأتركُ الحنين يأخذُ مجراه، فهي مرتبطة أصلًا برحلة القطار إلى البصرة، وبأجواء الفراق ومحطات الجنوب، لذلك تحملُ رائحة الطريق العراقي أكثر من كونها مجرد أغنية عاطفية.