سوقُ السرّاجين ببغداد.. من صهيل الخيل الى الحقائب النسائية
ها أنذا أقف .. وسط سوق السراجين، الموازي لسوق السراي، تاريخ يمتد الى الدول العباسية حيث بدأ (خان) وتغيرت ملامحه مع الدولة العثمانية ونال من المتغيرات ما نال ليكون مكان استقطاب للخيّالة وأصحاب الخيول الذين يحرصون على تزيينها بسروج جيدة .
بدأ مع (سروج الخيل) التي أخذ السوق منها إسمه وانتهى الى صناعة الحقائب والعدد الجلدية المختلفة كالأحزمة وأَقْرِبَة المسدسات والمتاجرة بها فضلا عن (تجليد الكتب) التي أزدهرت في سنوات معينة ثم عاد الى الحقائب التي شاهدت إنّ أغلبها نسائية وصغيرة ..
حكاية طويلة مع الجلد
سوقٌ عجيبةٌ في إسمها ورسمها، وإنْ زالتْ المهنةُ التي تحملُها في اسمها، لكنها بقيتْ تمتلكُ تلك الجماليات التي في عمرانها ورائحة وجودها والإستخدامات التي فيها، فمنْ يدخلها ويتأمل ما فيها من دكاكين وبناء وسقف و(نجوم) في سمائها، سيجدُ إنّ الدهشة تغمره ويشعرُ بالمتعة تتسربُ الى روحه، وربما إذا ما أراد أنْ يغمض عينيه فأعتقدُ إنهُ سيسمعُ صهيلاً لخيول وضربات مطارق وأصوات متباينة أخرى تقومُ بها المقصّات ومكائنُ الخياطة .
حكاية طويلة تمتدُّ بعيداً في التاريخ وأسم مميّز يعلنُ عن إنه قديم جدا، سوق لا تشبه ما عليه الأسواق الحديثة ،شكلها مميز أيضاً، فهو عبارة مكان طوليّ تصطفُّ على جانبيه الدكاكين الصغيرة والطريق بين جانبي الدكاكين قصير أيضا، لكنهُ بمعماره ومساحاته يلفتُ الإنتباه ويجذبُ النظر إليه ويعلنُ الدهشة وربما الإستمتاع بما يرى الناظرُ، فكنتُ أمرُّ فيه أكثر من مرّة معايناً ومتأملاً الجماليات في الطابقين السفلي والعلوي وفي السقف الذي وحده يثيرُ الإنبهار ومتعة النظر والتساؤلات، على الرغم من إنّ السوق لم يعد فيها مكان للسروج ولا يمرّ من طريقها راكبو الأحصنة ولا يباتُ في غرفها المسافرون.

سرج الحصان!!
حين نأتي على الإسم فهو مشتقٌّ من كلمة (سَرْج)، أيْ السرج الذي يُصنعُ للخيل ويوضعُ على ظهورها، فسمّوه سوق السرّاجين الذين يصنعون هذه السروج، وحتى بعد إنتهاء هذه الصّنعة فالإسم باقٍ ويتداوله الناس .
(والسِرَاجَةُ: كلمةٌ أصلها الإسم (سِرَاجَةٌ) في صورة مفرد مؤنث وجذرُها (سرْج) وجذعها (سراجة) [س ر ج]. : حِرْفَةُ السَّرَّاجِ أسرج الفرسَ: شدّ عليه السَّرْجَ، أي الرَّحْل الذي يُوضع على ظهره) .
عباسيّ النشأة ..عثمانيّ التحولات..
يعودُ تاريخ "سوق السرّاجين" إلى القرن 13 الميلادي، الى زمن الخليفة العباسي أبو جعفر المستنصر بالله، الذي استمرت مدة حكمه الى 16 عاما (1226-1242)، وقد أمر بإنشاء خانات وأسواق عدة متخصصة، كأسواق الورّاقين والعطّارين، ولكنه إبان العهد العثماني (أمتدّ بين عامي 1534 و1917)، تحوّل الى خان للمسافرين لأنّ البناء مكون من طابقين، ومن ثمّ تحوّل الى سوق للصناعات الجلدية التي تغلفُ بها السروج مع الأحزمة للخيول ومن هنا جاءت التسمية لإقتصار السوق آنذاك على صناعة سروج الخيل .
وتختصُّ سوقُ السرّاجين بصناعة سروج الخيول وكلّ مستلزماتها آنذاك إضافة الى صناعة الصناديق المكونة من جلود الغنم الخاصة بالسفر و الحقائب و الأحزمة و المحافظ الجلدية بإسلوب العمل اليدوي .
يقولُ المؤرخُ الدكتور عماد عبد السلام رؤوف (1948- 27 حزيران 2021) : سوق السراجين سمّي بهذا الإسم نسبة الى (السروج) صناعة السروج، لأنّ في ذلك العصر كانت الخيلُ هي وسيلة النقل والأداة الضرورية للمحاربين والفرسان الذين لديهم خيولهم وكان يقتضي عليهم توفير ما تحتاجه الخيول من معدات وأولها السرج الجيد، فكان هذا السوق مشهوراً بصناعة السروج .
وأضاف: ولم تكن دكاكينُ هذا السوق لبيع السروج فقط وإنما لصناعتها أيضا.
وأوضح: هذا السوقُ أقدم من سوق السراي الذي هو أحدث عهداً من سوق السراجين، سوقُ السراي الذي أشتهر ببيع الكتب المدرسية والقرطاسية ونحو ذلك.

مرابط الخيل..
ويوضحُ الباحث في التراث ياسر العبيدي أنّ السوق اكتسبتْ إسمها من الشارع الذي تقع فيه، والذي كان يُسمّى سابقاً "سوق السراي" بسبب وجود جنود بالقرب من مرابط الخيل للدولة العثمانية، بجانب مبنى القشلة، وكانت تُصنعُ فيه سروج الخيل لهؤلاء الجنود.
ويشيرُ العبيدي إلى أنّ "سوق السراي" ترمزُ إلى الفترتين العباسية والعثمانية، ولا تزال عمارات هذه السوق قائمة إلى اليوم، محافظةً على نسقها والتشكيل الذي بنيت عليه، كالمقوّسات الجميلة من عهد العباسيين، والتي تعودُ بالزائر إلى أجواء ذلك العصر، وقد أصبحتْ السوق حاليا تباع فيها القرطاسية والمطبوعات الحرفية المختلفة، وتقعُ في أحد جوانبها سوق صغيرة للسرّاجين حيث تُصنع الجلود والحقائب لتقدم على شكل هدايا للأهل والأصدقاء في المناسبات، غير أنّ معظم الجلود المستخدمة بهذه الحرفة اليوم إصطناعية، لأنّ الجلود الأصلية باهظة الثمن.
وقفة تأملية
دخلتُ السوق بعرضه القصير وطوله الصغير ومشيتُ فيها ذهاباً وإياباً، أنظرُ ما لها وما عليها، لكنّ الاستمتاع كان أكثر، فهو يعيدني الى أزمنة سحيقة وصور في ذاكرة (الأرشيف)، وقفتُ على بابها الخارجي الذي أصبح بوابة كبيرة شامخة وطرزت جوانبه الزخارف اللازوردية والنقوش والقوس الكبير الذي يعلوه وقد كان ضمن حملة إعمار لإظهاره تراثيا وجميلا، وقفتُ متأملاً شكلها ومتخيلا إياها لو أُفرغتْ الدكاكينُ مما فيها لكنت دخلت في أعماق تلك الصورة، أتيهُ في مدارات المكان وجودة البناء والتصميم ورائحة الطابوق، نظرتُ الجزء العلويّ الذي يؤدي أليه سلم صغير وعاينتُ حجراته الصغيرة التي أعادت ذاكرتي الى كون المكان كان (خان / فندق أو استراحة القوافل: هو المكانُ الذي ينزلُ فيه المسافرون وتُحفظُ فيه بضائعهم)، تلك الغرفُ طالما كانت ملاذاً للمسافرين الآتين من بعيد ومحطات إستراحة لهم، لكن أكثر ما أثارني هي النجوم العديدة في سقفه برؤوسها السداسية التي تعمل كـ (منْور)، تمرُّ منها أشعة الشمس لتضيء السوق حين لم يكن هنالك كهرباء، وعليك أن تتأمل المشهد الجميل، لكنني تساءلت مع نفسي عن سرّ النجوم بالرؤوس السداسية وليس الخماسية كما هم معروف، أم إنها ليست نجوم؟ لكنّ شكلها لا يوحي الى غير ذلك، ثم صعدت الى حيث الطابق العلويّ، كانت أبواب الغرف كلها مغلقة وعرفت إنها تستغل بمخازن!، هناك فيه نحو 80 محل (دكاكين الاقواس) ضمن خارطة مسجد الوزير.

تاريخ متغيّر
سألتُ عمّن لديه معلومات عن السوق فأشاروا إليّ برجل (عتيق في السوق) كما قاوا ، انتظرته فجاء، لكنه رفض ان يتحدث لي بحجة (تعبان وضغطي مرتفع) ، قلت له: (ارتاح وارجع لك بعد ساعة)، وبالفعل عدت اليه بعد ساعة، كان يتحدث مع زبائن بصوت مسموع ، وما أن أنتهى منهم وذهبوا حتى بادرته وما أن رآني حتى قال (والله تعبان وضغطي صاعد وما أقدر احكي..) ، قلت له (لا تجهد نفسك وعلى راحتك تكلم) لكنه رفض متحججا بالضغط .. فتركته !!.
لكنني لم أشعر باليأس في البحث عن قديم السوق، حتى ألتقيت علي اسماعيل، من أصحاب المحال في السوق، فحدثني أولاً قائلا: يسمّونه (سوق السرّاجين) وهو أساسا من مشتقات كلمة (سرج)، أيْ السرْج الذي يُصنع للخيل، فسمّوه سوق السراجين وهم الذي يصنعون هذه السروج ،وبقيت التسمية .
وأضاف: في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، أيْ خلال هذه المائة سنة الماضية، كان الذين في هذا المكان يشتغلون سروج الخيل والأحزمة : أحزمة الجلد وأحزمة (الحجّ) أقصد الذين يذهبون لحجّ بيت الله الحرام فيحتاجون الى حزام خاص ،وكذلك أحزمة الجيش، كلها هنا، عندما كانت معسكرات التدريب قريبة من هناك مثل معسكر تدريب الوشاش (الزوراء) حاليا الذي كان من الاجانب.
ثمّ أستدرك : تاريخ السوق كله سراجة، وفي زمن الاربعينيات وما بعدها، الذين في الطابق الاول من السوق كانوا يصنعون الأحذية الرجالية.
وتابع: والدي من مواليد 1923، وجدّي أيضا كانا يعملان هنا، في الأحذية الرجالية فقط، ومن لديه خيول يأتي الى السوق ويطلبُ عمل السروج لها، بمعنى إنّ هذا المكان كله لعمل الأحذية والسروج، فيما الطابق الأول كله مخازن حاليا.

واستطرد: ومع مرور الزمن و (شوية .. شوية) قلّتْ تجارة وصناعة السروج بعد الإعتماد على السيارات والتخلي عن الخيول، ولكن ما زال هناك قرب مستشفى الولادة بالكرخ من يصنعون السروج، ويبدو انهم انفسهم الذين كانوا هنا تحولوا الى هناك باعتبار المهنة متوارثة أباً عن جدّ فضلاً عن صناعتهم للأحزمة العادية وأحزمة الحج التي تتميز بوجود جيوب يضع فيها الحاج أمواله وجوازه وغير ذلك ولونه أبيض ويمكنُ أنْ تقول عنه إنه (خاص) بهذه المواصفات ويصنعُ من المشمّع والجلد الطبيعي ويكونُ مريحاً للحاج، وهناك أحزمة خاصة بالظهر أيْ بالفقرات وآلام الظهر، وهذا كان عليه السوق في الثمانينيات والتسعينيات قبل أنْ يتمّ الإستيراد من الصين .
واستدرك ايضا : أنا اعمل هنا منذ العام 1979 ، حين كنت أجيء مع إخواني.
وأوضح: التقلبات التي حدثت في السوق كانت وفقا لـ (المصلحة) التي (تمشي) نحن نجلبها، مثلا: كان أبي يصلّح أقلام الحبر ويشتغلُ بصنعة الحقائب والاحذية، في الأول عمل (قندرجي) مع والده، ومن ثم اشتغل بصناعة الحقائب المدرسية في السبعينيات والثمانينيات، لا توجد هناك أحدٌ يستوردُ الحقائب، سواء الحقائب المدرسية أو السفر، وعندما حدث الإستيراد بعد العام 2003 تغيرت الحال وإن كان هناك من لا يزال يصنعُ الحقائب لكنهم قليلون وعلى (التوصاه) الطلبات .
وتابع: والآن توجد صناعة حقائب على الطلب مثلا حسب القياسات المعينة التي يريدها، الآن هناك إستيراد سوري وتركي ولبناني، هناك جلد طبيعي تركي وهناك الأصلي من جلود الغنم يفصلونه هناك ويدبغونه ويملحونه ويصنّعونه حقائب .
وأضاف : أنا الآن أعمل (مجلّد) تعلمت التجليد، كان أخي الكبير مجلداً، وقبله كان يصلح قلام الحبر ويبيع القرطاسية حسب الشغل الذي يمشي، وفي التسعينيات كان هناك عدد قليل من المجلدين، هم انفسهم، أربعة أفراد ، ولكن في سوق السراي كان هناك خمسة ، وهنا ثلاثة حاليا ، هؤلاء منذ السبعينيات او قبلها .
واستذكر شيئا من الماضي القريب: كان هنا شخصٌ أسمه علي المصري جاء في العام 1976 يصلحُ مكائن الخياطة الصناعية، محله كان هنا، واكبتهُ في العام 1983 و1984 سافر وسمعنا إنه مات في مصر، فبقي دكاناه الإثنان مغلقين ثم بيعا، تحولا الى دكان حقائب ودكان قرطاسية .
محلة السرجخانة
أعود الى الإسم لأستذكر انني سبق لي أن زرتُ محلة في مدينة الموصل تحملُ إسم (السرج خانة) أو (السرّاج خانة) وفيها سوق السراجين وهو شهير، وعلمتُ إنها بهذا الاسم منذ العهد المغولي حيث كانت تباع فيه السروج التي تحتاجها الخيول، ومع أنتفاء الحاجة للسروج تحولتْ الى صناعات جلدية مختلفة، وهو ما صارت عليه سوق السراجين ببغداد التي وإن هي تحكي قصص صناعة الجلود، وقصص الجلود تحكي حكاياتها، الا انها في حاضرها تحولتْ الى دكاكين تصنع الحقائب والأحزمة الجلدية بنقوشٍ تحمل عبارات الحب والوفاء والإحترام، تحولت المهنة إلى فنّ يجذب النظر وتحولت الأيدي الماهرة إلى حُماةٍ للإرث الحرفي، كما قال أحدهم، لكنني أرى عمليات تجليد الكتب وسواها قائمة كمتطلبات ضرورية، وكان صديق لي يأتي بين حين وآخر ليجلّد نسخا من الجريدة التي يعمل فيها لتكون إضبارة واحدة كأرشيف يحافظ عليه .
نجمة بستة رؤوس
وأنا أتحدث مع علي إسماعيل، كانت نظراتي تذهب لتعانق فضاء السقف، وتتحول الى جانبيْ البناء في السوق، أراه مميزا، وإن أضيفت اليه المراوح الكهربائية عسى أنْ تلطّف الأجواء الحارة، ليست معلقة بالسقف بل وسط عمود حديدي يرتكز على طرفي المكان، لكنّ الذي لفت إنتباهي هو (المنْور) الذي كان على شكل نجمة برؤوس سداسية، فسألته عنها، فقال أولا: البناء بناه العثمانيون، عندما كان مقرّ الحكومة العثمانية بوزارة الدفاع وما قربها وما تسمى الحندرمة، المهندس الذي صمم السوق يقولون إنه يهودي، فنحن العراقيون نبنى على ثمانية اضلع بينما اليهود يبنون على ستة، وهي في الاصل دكاكين بأقواس كما تراها، والمهندس ذكي وفطن، فالمبني كله من دون حديد (شيلمان) ولا خشب ولا اي شيء، وأعتقدُ إنّ هذا المهندس تعمّد أن يجعل برؤوس ستة لغاية في نفسه ربما، والله أعلم!.
وأضاف: تمّ ترميم السوق في مطلع التسعينيات 1990- 1991، أشتغلوا هذه الركيزة (الدنكة) التي في بطنها شيلمانتان، وإنْ دققت النظر في الطابوق سترى هناك لونين على الطابوق، الأول (الفاتح) هو الترميم الحديث لكن (الطوخ/ الغامغ) هو الأصلي نفسه ، لم يهدّوه بل غطّوه / بنوا معه (طاق) لأنه لم يعد يتحمل وبدأ (ينزل) ووضعوا بداخله شيلمانة، كما ان الترميم شمل تزويده بالكهرباء وكل غرفة في الطابق الأعلى لها دائرة كهربائية (سيركس) خاص بها، أما مساحات الدكاكين ليست واحدة، ربما متر ونصف بمترين ونصف، هناك أصغر وهناك أكبر، وهناك كإنه (فتحة درج) !!.
عائدية السوق
بقيَ أنْ أقول إنّ عائدية السوق حاليا لديوان الوقف السنّي باعتبار السوق جزء من وقفية جامع الوزير وإليه تعودُ مبالغ إيجارات الدكاكين حيث وارداتها تذهب الى هيأة الاستثمار، التي تديرُ أموال الوقف السنّيّ.







