الروائيّ العراقيّ ياسين غالب: شهادةُ محمد خضير بالنسْبة ليّ بمثابة دكتوراه فخريّة
أكد الروائيّ العراقيّ ياسين غالب أنهُ يحاولُ التكيّف في بلاد الغربة، كسمكة ماء عذب في محيط، وهو يرى إنّ الكتابة تمنحه القوة، مشيرا الى إنّ الحريات في فنلندا،التي يعيشُ فيها، تدفعه غالبًا إلى المضي قدمًا، حتى لو أنتقدُهم وسبح عكس تيارهم، مشددا على إنّ التحولات خارج العراق بحاجة إلى مزيد من الرصد الخفيف، من دون خوف من (هذا وذاك) فالمعنى يكمنُ في قلب القائل.
*عرّف لنا نفسك كأديب، وبالأسلوب الذي ترتئيه..
• أنا ياسين غالب، كاتبٌ محترفٌ في الشعر والمقال والمسرح والرواية. أحملٌ بكالوريوس آداب في اللغة الإنجليزية، ودبلوم إرشاد تربوي من فنلندا، أنا مصوّر فوتوغرافي أيضًا، وقد أقمتُ معرضين في هلسنكي، أنا عضو في الهيئة الإدارية لمنظمة القلم الفنلندي، وعضو في إتحاد قوى الشباب الفنلندي ورابطة كتّاب هلسنكي.
• منْ أين بدأ طريقك نحو الرواية، وما الحافزُ الذي دفعك إلى المضي فيه قدمًا؟
• كانت البدايةُ للتعبير عن قصص المهاجرين في فنلندا، وللتعويض عن الحنين إلى الوطن والثقافة الأصلية التي تزاح كل يوم، أما الحافزُ، فعدا عن الكتابة بوصفها شغفًا إبداعيًا، فقد شكّلت الكتابة جزءًا من مدخولاتي المالية من خلال المنح التي حصلتُ عليها مقابل التفرغ الكامل للكتابة.
*هلْ أنعطفت نحو كتابة الشعر فجأة، أم سبقت ذلك إصراراتٌ وتجارب؟ وما الذي أغواك فيه؟
• على العكس، بدأتُ بالشعر ككلّ بصراوي، يرى في بدر شاكر السيّاب مثاله الأعلى، ويستلهمُ من قصائده وسيرته حياته الدراماتيكية، الروائيُّ الشاعرُ أكثرُ قدرة على التعبير من الروائي الذي يجفُّ عند العاطفة والخيال. وقد يفشلُ الشاعر في أنْ يكون روائيًا، كما حصل لسعدي يوسف؛ لأنّ لكل عالمٍ خصائصه. فالروائيُّ الشاعرُ، في درجته المكتملة، يشبهُ العارف في الفلسفة الصوفية.
• نشأت في محلّة بصرية شعبية قديمة. هل كان لها تأثيرٌ معينٌ في بداياتك الكتابية؟
• نعم، بالتأكيد. أنا من منطقة مناوي باشا، حيث عاش محمد خضير. إنها بيئة غنية، تتوالدُ فيها الحكاياتُ والقصصُ في كل زاوية. عوالمُها غرائبية، وحكاياتها ملغزة، ومعظمها أسرار لم تُكشف حتى الآن. سأكتب عنها رواية يومًا ما، قريبة من أسلوب ماركيز في الواقعية السحرية.
• لا بدّ للكاتب من تجربة أولى يُخفيها عن النشر. ماذا لديك؟
• نعم، كنتُ أكتبُ الشعر في مراهقتي بأسلوب قريب من أشعار نزار قباني. أما الآن، فأنا أخجلُ من تلك الخواطر البسيطة، لكنها كانت تمهيدًا وتدريبًا على سعة النفس الشعري السردي في الرواية لاحقًا، كلما نكبرُ، ننضجُ، حتى يقطفنا ملاكُ الموت ثمرةً تسرّ الناظرين.
• ما السؤال الذي يراودك دائمًا، وليست له إجابة؟
• متى يستطيعُ الكاتبُ أنْ يكون حرًّا في العراق؟ ومتى يكتبُ بلا رقيب من الدين، وبلا حذر من السياسة، وبلا خجل إجتماعي؟
• ذهبت إلى المنفى أم إلى الغربة؟ ما الذي أحاط بك في الحالتين؟
• المنفى المعنويّ هو التعبيرُ الأصحُّ عن ابتعادي عن البصرة وأهلها للمرة الأولى. وبوصفي مواطنًا في فنلندا، لست غريبًا بين الفنلنديين؛ لي ما لهم، وعليّ ما عليهم. أنا جزء من المجتمع، ومن القيم الغربية هنا، كما هي بقضّها وقضيضها، وهي تشكّل لي مرجعية أخلاقية ومعنوية، بعضُ كتّاب الخارج ينافقون حين يعودون إلى العراق، فيشتمون ويسخرون من قيم البلدان الحاضنة لهم .
*روايتك تحملُ إسم (گوگوش، هذه الليلة سجادة فارسية). هل كتبتها بتأثير من المغنية، أم أردت أن تقول أسرارًا لا نعرفها؟
• لا هذا ولا ذاك. عليك أن تزور دار الرافدين وتقتني الرواية لتكتشف الخدعة السردية التي أتحدث عنها في (گوگوش) !!.
*وأنت في الغربة، هل أستطعت إكتشاف أسئلة المنفى والهوية والذاكرة والتحولات الاجتماعية في العراق والعالم العربي؟
• ليس كلها. أنا أحاولُ التكيّف، كسمكة ماء عذب في محيط. الكتابة تمنحني القوة، والحريات في فنلندا تدفعني غالبًا إلى المضي قدمًا، حتى لو انتقدتُهم وسبحتُ عكس تيارهم، التحولات خارج العراق بحاجة إلى مزيد من الرصد الخفيف، من دون خوف من (هذا وذاك) فالمعنى يكمن في قلب القائل.

*ما الذي منحك إياه محمد خضير حين كتب عن روايتك؟
• إنه كرمٌ وشرفٌ وتقدير مهنيّ من صانع مخضرم لصانع جديد في هذه الحرفة التي تكاد تنقرض، رغم شيوعها. أقصدُ الكتابة الحكواتية، أسعدني ذلك حقًا، وشعرتُ بأنني استلمتُ منه الشعلة الأولمبية لأواصل الجري في هذا المضمار إلى آخره. وبالحقيقة، كان يشجّعني منذ عام 2019، حين قرأ مسودة روايتي الأولى الممنوعة لمنْ هم دون الخامسة عشرة، واعترض على جرأتها في بعض الأحيان. لكنه أُعجب بفصل عن أفغاني مهاجر، وأشاد به، إن شهادة محمد خضير دكتوراه فخرية بالنسبة إليّ.
• كتبتَ روايتك الأولى بوحي الخيال. هل أردتَ لها أن تكون سيرة ذاتية لمنغّصات عشتها؟
• لا، لم أُرِدْ ذلك. أردتُ أنْ أتصالح مع الماضي، وأنْ أضع حدًّا للصدام معه، لا أنْ أتصارع معه. هكذا تنتهي الحكاية، أستعددتُ وصنعتُ عالمها كما لو كنتُ أعيش معه، بحيادية طبيب يعالجُ حتى عدوّه.

• تكتبُ وسط صقيع هلسنكي، وأنت إبن الأجواء البصرية الساخنة. هل تقارن بين الاثنين؟ وبأي شيء؟
• البصرةُ هي الأمّ التي تسكنُ في القلب، في الشاي، وفي أغاني كريم منصور ونقرات طبلة سعد الياسر. لولا البصرة المعنوية، لما استطعتُ أنْ أتنفّس أو أعيش، هلسنكي هي الحبيبةُ التي تكتشفها عند البلوغ. والمشاعرُ مختلفة عن مشاعر الأم، طبعًا؛ فالرغبة والإحساسُ والعاطفة الناضجة وأنْ تجرب الإيروتيكا مع الحبيبة أمور مختلفة .البصرةُ ولدتني، وهلسنكي أنضجتني كرجل ، من الضروري هذه القطيعة، أو الفطام عن الأم، وإلا فلن ننضج.
• أيّ شيء وجدته في الغربة، ككاتب وشاعر، ولم تجده في بلدك الأصلي؟
• الحرية، والصدق، وأنْ تكون نفسك من دون خوف من أيّ مخلوق.
• ما الأسئلةُ التي تقف أمامك على الورقة وأنت تفكّر في البدء بالكتابة؟
• كيف أتحدّى نفسي وأنتج نصًّا أكثر روعة وإبداعًا، وألّا أكرّر ما كتبتُه وانفلتَ منّي من قبل؟ كيف أصنعُ نصًّا يعود إليّ، نابعًا من صوتي، لا نسخةً عن أحد ولا صدى لتأثيره؟

• أيّ تأثير للحروب في مسيرتك الكتابية؟
• الحربُ قذرة، لكنها حقيقية. الإنسانُ كائن بريّ يتصارع في كل مرة، رغم الحضارة التي تحيطُ به. والكتابة عن الخراب تعني الكتابة عن الطبيعة البشرية بلا تزويق.
• ماذا تمثّل الكتابة للاجئ مثلك؟
• ملاذ وذاكرة، وفلك نوح، نوعًا ما، ينجيه من الغرق في الحنين.
* هل دخلت دائرة الشهرة في فنلندا؟ وكيف؟
• ليست الشهرة، بل أنْ أكون معروفًا في الوسط الثقافي، نعم، من خلال نصوصي وموهبتي. هنا "ماكو واسطة" .
• أزداد عدد الروائيين العراقيين بعد عام 2003. كيف تنظرُ إلى جودة هذا النتاج، ولماذا؟
• كمٌّ لا نوع، للأسف .

* كيف ترى المشهد الثقافي العراقي الحالي؟
• لا يزالُ يعيش في الستينيات. تتشابهُ نصوصُ السرد العراقية في داخلها؛ جرّبْ أنْ تنزع أغلفة الكتب وتخلط المتون عشوائيًّا، فلن تجد فرقًا في كل مرة. الخيال فقيرٌ جداً والنقد الحقيقي معدوم، مجاملات عائلية وتحيزات مناطقية والكثير من الكتاب لم يغادروا فكرة أنْ لايكونوا كتاب لدى السلطة أو المؤسسة الحكومية والحزبية أو الجهوية حتى بعد عقود من السنوات على نهاية حقبة الديكتاتورية.
*هل يهمّك رأي النقاد في تجاربك الأدبية؟ وهل تنصفك حركة النقد؟
• يهمّني ألّا أتوقّف عن التعلّم، وأن أجد نفسي في تجربتي. أمّا الإنصاف، فلا أهتمّ به؛ فهذا الكار معروف بالحسد والغيرة، ومن ينتظر الإنصاف فلن يأتيه.

*ما الذي يتأرجح في داخلك؟
• رغبة في كتابة نصّ غير مسبوق، ورغبة أخرى في أنْ أرى مدينتي البصرة معافاةً وبخير، وأنْ~ يمارس كتّابُها حرية التعبير، مثل كتّاب العالم، من دون خوف من سلطة أو مجتمع أو تابو مقدّس.
*هل يمكن أن يذهب خيالُك إلى المدينة التي وُلدت فيها، وأنْ يصفها بالكلمات؟
-أحيانًا، نعم. أستفيدُ من خيالي البصراوي القحّ، وأوظّفه لرسم ملامح وتجارب تقع في أماكن أخرى. فمن لا يعودُ إلى جذور الطفولة، فهذا ميّت الجذور، واقتلاعها سيكون مع أول هبّة رياح خارجية .







