الأخبار

مقْهى فريد الأطرش ببغداد.. مائة عام وما زالتْ تنبضُ بالجمال

مقهى فريد الاطرش
مقهى فريد الاطرش

 



   حينَ يمرُّ العابرُ من ذلك الزقاق الصّغير القديم الهاديء في "سُوق هَرج" سيسترعي إنتباهه صوتُ المطرب فريد الأطرش وهو ينبعثُ من مقهى صغير وسط الزقاق الذي تتسيده البضائعُ القديمة لا سيما الملابسُ المستعملةُ المتراكمة على سطوح مناضد والمعلقةُ على أنابيب مصنعة لهذا الغرض والتي تكاد تسدُّ الطريق، وهو ما يجبرُه أنْ يلتفتَ بدافع الفضول قطعاً لتبهره الصورُ العديدةُ للمطرب فريد الاطرش على جدرانها، وإنْ كان حاله مثل حالي مترعاً بالفضول والدهشة سيرمي جسدَه على (كرويتة/ كنبة) ويطلبُ شاياً لينظر المكان بما يرضي غروره .

   

  هذه المقهى الصغيرة تمتلكُ سرديتها الجميلة الخاصة المعبّرة، سرديّة تراثية وغنائية تشمُّ منها عبق الماضي، كإن الذكريات تمرُّ من أمام عينيك وهي تحملُ صورها بالأبيض والاسود، كإنّ الحكايات تخرجُ من ثقوب في جدرانها لتكون جاهزة للسماع ولا تجدُ الا أنْ تصغي فيما صوت فريد الأطرش يعزّزُ ذلك لا سيما إذا كان عازفا على العود، وخاصة إنّ كلّ ما تراه هو عتيق، حتى الرجال الذي يقعدون هنا يعودون الى أزمنة بعيدة، مضى بهم العمرُ ووشم تعبُ الحياة سيماءه على وجوههم، جلّهم من المتقاعدين، وعلى رأي أحد الجالسين من روّاد المقهى وقد تحدثتُ معه " لا يجلسُ فيها سوى كبارُ السنّ الذين يمتلكون ذكريات كثيرة وهذه المقهى تعيدهم اليها، ولا يرتادها الصغار الذي وصفهم بـ "الزعاطيط" لأنها ليست من إهتماماتهم"، وحين كانت تبثّ في المقهى تقاسيمُ العود لفريد التي منحتْ المكان الهدوء والإنصات ردّ الرجل قائلا: هل يمتلكُ الجيل الجديد قدرة الإنصات لهذا الجمال من دون النظر الى الهواتف الخلوية ؟!.
موقع المقهى .. 
  تقعُ المقهى في زُقاقٍ عتيق داخل سوق هَرَج الشهير بمنطقة الميدان برصافة بغداد، على مسافة خطوات من شارع الرشيد، منطقة تكادُ تكونُ صاخبة لا سيما يوم الجمعة، والزقاقٌ تشعرُه آيلاً للسقوط بسبب ملامحه المتْعبة ودكاكينه المتهالكة لكنّه صامدٌ بفعل التراث الذي ينتمي اليه، وأغلب دكاكينه متخصصة ببيع الملابس المستعملة (اللنكات) وبعضُها لبيع وتلميع الأدوات النحاسية وتصليحها ومنها لتقريم الملابس، لكنّ المميّز فيه هو صوت فريد الأطرش الذي لا ينقطع الا حين يرتفعُ صوتُ المؤذّن من الجامع المحاذي بآذان الظهر.


مقهى بدكّان واحد 


 سبق أنْ تداعى سقفُ المقهى المبنيّ من الطابوق بطريقة (العقادة) فتمّ هدمه وبناؤه بما يسمّى (السندويج بنل) الذي أمتدّ ليكون مظلة لساحة رصيفه الصغيرة، وكان يعلو باب الدكّان الذي يسمّى "الكبنك" وهو البابُ الحديديُّ المضلّعُ (الشتر) الذي يُستخدمُ لإغلاق واجهات المحال التجارية والدكاكين، وقبل الهدم، كان أسمُ صاحب المقهى مكتوبا بخطّ واضح في أعلاه هكذا (مقهى المرحوم السيد فارس جمعة خليفة النعيمي) الذي توفى سنة 2019، فيما هي، حاليا، عبارة عن دكّان صغير مساحته متران ونصف بمترين أو أقلّ، تزدحمُ جدرانُها الثلاثة بصور الموسيقار الراحل فريد الأطرش  (21 أبريل 1917 - 26 ديسمبر 1974)، ليس فيها سوى أربع "كرويتات/ كنبات" من النوع البغداديّ العتيق وبعض الكراسي والمناضد البلاستيكية الحديثة يقومُ بعضُها على الرصيف الصغير، ويحتفظ المقهى بأشياء تراثية مصفوفة على رفوف صغيرة لتكون جزء من ذكريات المقهى التي كانت أكبر مما عليه الآن.
   أرضُ المقهى تابعة لجامع الأحْمديّة الذي يعودُ تاريخ بنائه الى العام1211 هـ/1796 م، التابع كما بقية الدكاكين لديوان الوقف السنّي، قبل أنْ يتم عرضها للبيع من قبل إدارة الوقف لكنْ بشرط أنْ يباع دكان واحد فقط لكل مشترٍ، وعلى الرغم من إنّ تاريخ المقهى قديم الا إنّ صاحبها لم يحصلْ على إستثناء فحظي بدكان واحد فبقي محافظا عليها.


أكثر من مائة عام .. 


   كان في بدايته التي تعود الى عشرينيات القرن العشرين مطعما صغيرا لبيع المأكولات الشعبية، ومنها (الباقلاء بالدهن الحرّ) وهي أكلة بغدادية شهيرة، ويقالُ إن إسمه كان مطعم (مجبل) فيما يقول آخرون (أبو مجبل) قبل أنْ يتحول الى مقهى، بأدارة أبو فراس الذي، كما يقالُ، يرتبطُ بعلاقة قرابة مع صاحب المطعم، وأسماه بإسم فريد الأطرش أو محبّي فريد الأطرش في العام 1942 بعد أن عرض فيلم (انتصار الشباب) في بغداد في العام 1941، الذي أحدث ضجة بين محبي فريد، وأبو فراس هو الذي أشتهر إسمه صاحبا للمقهى ويتحدثُ الرواد عن ذكرياتهم معه وهم يؤكدون إنّ المقهى هو مقهى المرحوم السيد فارس جمعة خليفة النعيمي أو فارس العاني "ابو فراس" من أهالي الاعظمية، وما زالت هناك بعض الصور القديمة  المعلقة على جدار المقهى تشير إليه ومنها وهو بعمر ما بين 17- 18 سنة مذيلة بتاريخ العام ١٩٦٢، حيث كان أبو فراس من عشاق أغاني فريد الأطرش وهو الذي عمل على تطوير المقهى لجذب محبي فريد وقد كانت أغاني فريد تصدحُ طيلة النهار فضلاً عن إقتناء صوره التي علقها على الجدران وتثيرُ النظر هي الأخرى إحتفاءا بفريد وأفلامه التي كتبها جميعها وعلقها صورة لتوثيق ما قدم فريد من أفلام ولكي ينهي الجدل الذي يحصل بين رواد المقهى حولها، ويُنقلُ عن أبو فراس قوله :"ورثتُ هذا المكان عن أبي وجدي، وأحرصُ على أنْ يبقى كما عرفه البغداديون تماماً، بنفس الروائح والأغاني والروح".


رحلة جديدة ولكن..


 وحين رحل أبو فراس عن الدنيا في العام 2019 ،حزن كل رواد المقهى على رحيله مثلما حزنوا على غلق باب المقهى وشعروا بالقلق معتقدين أنّ رحيل صاحبه سيسدلُ ستار الخاتمة لرحلة طويلة وتاريخ جميل، لكن الغياب كان لمدة قصيرة وتم إفتتاح المقهى من جديد بأدارة وسام  ابو شمس ليبدأ مع المقهى برحبة جديدة يزيّنها أولئك الرواد ومحبو فريد الأطرش الذين ما زال البعض منهم يهدي الصور للمقهى، وعاد رواده يلتقون فيه كل يوم وبقي المقهى يحمل صورة صاحبه مثلما بقي صوت فريد يصدح كما كان حسب ما يشاء القائم بعملها أو ما يطلبه الجالسون الذي لا يعترضون على أية أغنية لأنها تسعدهم، لكن المقهى.. يرتبط بما حوله من محال في سوق الهرج التي تبدأ بالإغلاق ما بعد الظهيرة، لكن صدى أغاني فريد يبقى يرن في المكان.


نظرة لابدّ منها..


قبل أن أغدر المقهى الذي كانت تصدح في أرجائه أغنية (عش أنتأ إني متّ بعدك) ليسمعها الجالسون على رصيفه بتطريب، كنت أتأمل صور فريد الأطرش على الجدار، العراقيون يسمونه (أبو وحيد)!، صور تسمع منها أوتار عوده وهي تهتزّ وترى وجهه وهو يبتسم، لكن حين نظرت المقهى من الخارج تأسفتُ لواقعها، فهي يرثى لها، وليس هنالك من ينظرها بعين العطف والرعاية كونها تراثا بغداديا مميزا ونافذة جميلة يطل منها العشاق على ذكريات لم تزل طرية ومفعمة بالحياة والحب والرومانسية .