الروائى العراقى محمّد غازي الأخرس : لغةُ الناس والشارع هي الأكثرُ تمثيلاً لروحنا وقيمنا الثقافية
أكد الروائي العراقي محمد غازي الأخرس إنّ الثقافةُ في البلدان المأزومة التي ينخرُها الجهلُ والخزعبلات ليست ممكنة فقط، بل هي ضرورية ويمكن أنْ تكون وصفة للعثور على الحلول، وقال الأخرس في حوار مع "سياق 24" أنهُ يعشق التراث والفولكلور ويستمتع به قبل أنْ يفكر في أي شيء، مشيرا الى ان تراثنا أهمل كثيرا جدا وهو ما يبعثُ على الحزن.
*ذهبت الى الشعر ثمّ انعطفتَ الى الرواية، ما الذي أغراك فيها؟
- نعم، بدأتُ شاعراً وكتبتُ القصيدة الحرة، ثمّ انغمستُ إنغماسا هائلا في قصيدة النثر، بلْ تطرفتُ إلى أنْ وصلت إلى تخوم منطقة أسميتها النصّ الحرج، وهو جنسٌ كتابيُّ كنتُ أنظرُ له بوصفه يمثلُ مرحلة ما بعد قصيدة النثر، وفي العام ١٩٩٩ كتبتُ حول هذا الجنس بيانا نشرته في العدد الخاص من مجلة (الطليعة الأدبية) ضمن ملف مهمّ جدا عن قصيدة النثر. بعد ذلك، أنطفأ حماسي للشعر، لا من ناحية الكتابة بلْ من ناحية النشر والاهتمام. صرتُ أكتبُ لنفسي واليوم لديّ عشرات النصوص التي لم أنشرها ولم أفكر بنشرها، كثيرٌ منها نشرته في صفحتي الشخصية على الفيسبوك. في الشعر، يعرفُ أصدقائي والنقاد الذين تناولوا تجربتي المتواضعة أنني أنحو إلى السرد، والنصّ الحرجُ نفسه تقومُ فكرته على الجمع بين الشعر والسرد. لهذا جربتُ في الفترة ذاتها، في نهاية التسعينيات، كتابة الرواية. وفعلا كتبتُ أجزاء واسعة من رواية عن كائن غريب، فانتازي، عمره آلاف السنين، لكنني لم أكملها وهي موجودة لدي حتى الآن. وفي السنوات اللاحقة، عاودتُ كتابة رواية أخرى وأكملتها لكنني تخوفتُ من نشرها. كنتُ أشعر أنني لم أكتمل فنيا كروائي. لكنْ في الأخير، كتبتُ رواية ثالثة ونشرتها وهي (ليلة المعاطف الرئاسية)، التي قال لي أحد الأصدقاء الروائيين أنها تعكسُ حرفة دقيقة وكأنني كتبتُ قبلها عشر روايات. أما لماذا الرواية؟ ببساطة لأنني سارد، في الشعر، وفي غيره، حتى في مقالاتي، لديّ ميل كبير للسرد. أتخيلُ نفسي دائما (قصخون)، أي حاكي قصص شعبية ممن كانوا يجلسون في المقاهي القديمة، لهذا أطلقتُ على كتاب لي عنوان (قصخون الغرام) .
* ما الذي يدفعُ الصحفي ليصبح روائيا؟
- الأحرى أن نسأل ما الذي يمنعُ الصحفي من أنْ يصبح روائيا؟ الصحافةُ عبارة عن قصص، وفي الصفحة الآولى لابدّ من وجود قصة رئيسية. الحياة كلها سرد، لهذا، لا غرابة في أنْ يكتب أي شخص روايته، فما بالك بالصحفي الذي يرتكزُ عمله على السرد. في شبابي، كنتُ مغرما بالتحقيقات التي أقرأها في مجلة (ألف باء)، وكان لدىّ أبي عدة مجلدات من مجلة (آخر ساعة) المصرية، وكنت أغرقُ في تقاريرها وتحقيقاتها التي هي عبارة عن قصص ممتعة. في عملي الصحفي، يمكنك أنْ تلمس السرد بشكل واضح، سواء في المقالات أو في التقارير التي أكتبها في جرائد (الصباح) و(الصباح الجديد) و(بغداد) و(العالم) ، اليوم، أشعرُ بشوق كبير إلى كتابة تلك التقارير، رغم أنني أستبدلتها بتقاريري التلفزيونية التي أكتبها باللهجة العامية منذ عام عام ٢٠١٥ .

* أعدتَ الى الواجهة مصطلح (المگاريد) كيف أستطعت إخراجه من هوامشه؟
- هذا مصطلحٌ لطالما سمعناه، من أمهاتنا وآبائنا وأجدادنا. كانوا وما زالوا يقولون عن هذا الشخص أو ذاك : "خطيه مگرود!" قاصدين أنه مُضام، سيء الحظ، فقير ومسكين، أو "غلبان" كما يقول المصريون، أو "معتر" كما يصفه الشاميون. دائما كان يثيرني اللفظ، وكنت أشعر بالأسى حين يقال أمامي لوصف شخص معين. أتخيله مسكينا ومتعرضا للخسارات المتلاحقة، أو مقموعا ومضطهدا لا بالمعنى السياسي، بل بالمعنى الاقتصادي. حين شرعتُ بكتابة المقالات، أوقفتُ جزءا كبيرا منها لتفكيك هذا النمط من الشخصيات، وهو ما دعاني إلى البحث في الشريحة التي ينتمي لها المگرود. ومن هنا ولدت التجربة التي أثارت انتباه الآخرين وإعجابهم. ثم شيئا فشيئا تعمق المشروع حتى خرج بصيغة كتاب أسميته (كتاب المگاريد.. حكايات من سرداب المجتمع العراقي)، طبعته عام ٢٠١٢، وصادف نجاحا كبيرا ثم أعيد طبعه ثلاث مرات. بعده طبعتُ جزءا ثانيا منه بعنوان (دفاتر خردة فروش) واستمر المشروع بعدها، من خلال مئات المقالات التي نشرتها، فأنا، كما تعرف، أكتبُ العمود اليومي منذ عام ٢٠١٠ ، وجزء كبير من مقالاتي كان عن المگاريد.
* ما الذي دعاك الى النبش في عوالم المهمشين والمغبونين لتفتح ملفاتهم المسكوت عنها؟
- ما دعاني للنبش والتنقيب في هذا العالم هو أنني نشأتُ في بيئة تزخرُ بالمگاريد والمساكين، صحيح أني من عائلة متوسطة الحال، لكنني منذ الطفولة كنت رفيقا لأولاد ينتمون لعوائل فقيرة، وكان كثيرٌ من أقربائنا ومعارفنا ينتمون لتلك الفئة المسحوقة، وحتى لو لم يكونوا مسحوقين ومدقعي الفقر، فأنّ جلّهم ينتمون نفسيا وقيميا لتلك الشريحة. بالتالي، حين وجدتُ طريقا لكتابة أفكاري وأصبح بإمكاني تأمل المجتمع والناس، انبثقتُ كل تلك الصور والأفكار من ذهني وبدأتُ أدوّن قصة أولئك المگاريد الذين كنت أشعر بانتماء عميق لهم.
* تكتب عن (خريف المثقف العربي) في سنوات ماضية، ما علاماتُ ذلك الخريف التي وجدتها ؟
- الخريفُ مفردة لها دلالة مجازية حين تستخدمُ خارج نطاق دلالتها الواقعية. إنها تعني تساقطُ أوراق الشجر وتعريه، تعني صفير الرياح ووحشة العالم، وأنا كتبتُ عن فترة معينة بدا فيها المثقف العراقي وكأنه يمرّ بمرحلة الخريف، حيث جفت عروقه وتيبّست أغصانه، وتساقطت أوراقه.
* ما الفصلُ الذي فيه المثقف العراقي الآن تحديدا؟
- أعتقدُ أنّ المثقف العراقي يعيشُ اليوم ربيعا ثانيا بعد الربيع الأول قبل قرن، اليوم هناك إنفتاح على مصادر معرفة جديدة ونوافذ لم تكن موجودة لتوسيع الرؤى. هناك أيضا حرية فكرية غير مسبوقة، وتحرر من أسر الآيديولوجيات السياسية. صحيح أنّ المثقف، في العراق، تعرض لحالة من الاستقطاب الطائفي، لكنني أعتقد أنّ هذا الاستقطاب خفّ كثيرا خلال السنوات الأخيرة .
* هل ترى انّ الثقافة ممكنة في بلد تتناهبه الأزماتُ والخزعبلاتُ وآفات الجهل؟
- الثقافةُ في البلدان المأزومة التي ينخرُها الجهلُ والخزعبلات ليست ممكنة فقط، بل هي ضرورية ويمكن أنْ تكون وصفة للعثور على الحلول. المثقفون دائما يمثلون طليعة المجتمع، ومنوروه، وبأيديهم يستطيعون تلمّس الجروح ومعالجتها. حدث هذا في الكثير من البلدان التي صنفت بوصفها بلدانا مأزومة بالحروب الداخلية وتعاني من تدهور شامل حضاريا. الثقافة هي التي أخرجت أو ساعدت شعوب هذه البلدان في تجاوز أزماتها. الأمرُ مع العراق ليس إستثناء ولن يكون استثناء. خلال القرن العشرين مرّ المجتمعُ العراقي بفترات شبيهة بما مرّ به بعد ٢٠٠٣، في نهاية الأربعينيات حدثت أزمات كثيرة وبعد ثورة ١٤ تموز عام ١٩٥٨ حدث ما يشبه الحرب الأهلية بين اليساريين والقوميين، وكانت الثقافة هي الحل، وأعتقد أنّ الثقافة قامت بمهمة جليلة في جميع الفترات، خلقت أجيالا متنورة وطوّرت نفسها في ظل أتعس الظروف.
* ما الذي يُشْغفك في الحفر في أعماق التراث، عمّاذا تبحثُ فعلا وبصراحة؟
- أولا: أنا أعشق التراث والفولكلور وأستمتع به قبل أنْ أفكر في أي شيء. منذ صباي تعلقت بالتراث، لكنْ بعد تكوّن وعي الحديث وتبحري في القراءة، بدأتُ أبحثُ في التراث عن ملامح الهوية التي تشكل الناس. المخيالُ هو الوعاء الأهمّ الذي يضمّ العناصر المشكلة لهويات الجماعات المختلفة. لهذا، أصبح التراث .
* هل ترى ‘نّ تراثنا الشعبي غمرته رمالُ الإهمال أم هزمته زوابعُ التغيير؟
- تراثنا أهمل كثيرا بل كثيرا جدا، الأمرُ يبعثُ على الحزن، ففي الوقت الذي تركزُ الدول على تراثها وتخلقُ من اللا شيء شيئا، يتراجعُ الاهتمام بالتراث في بلدان عظيمة وزاخرة بالفولكلور مثل العراق. يحدثُ هذا في السنوات العشرين الأخيرة بشكل مؤسف، يضافُ له ما يناله من تغيير بفعل المتغيرات الاجتماعية وغزو العولمة حيث تجد الآن موجة هائلة من التحولات في التقاليد والطقوس إذْ يتمازجُ الغريب مع التراث المحلي بشكل لا عهد لنا به. إحضرْ أي حفلة عرس هذه الأيام وستجد تقاليد تركية وشامية وخليجية تتمازجُ مع التقاليد العراقية أو ما تبقى منها لتنتج شكلا هجينا. هذه التبدلاتُ تحدثُ بفعل انفتاح الثقافات على بعضها بعضا بفعل انهدام الحدود الفاصلة بينها. مواقعُ السوشيال ميديا، المسلسلات، المنصات الرقمية، الفضائيات بدأتْ تتدخلُ بقوة في ثقافاتنا الإجتماعية وتغيرها. حتى اللهجات لم تسلم من هذه التحولات. لهذا أصبح تدوين التراث مهمة مقدسة لأنُ ما نمارسه اليوم قد يختفي نهائيا بعد عشرين سنة.
* ما القسوة التي وجدتها وأنت تنقبُ في حفريات التراث العراقي؟
- هناك في كتابي (دفاتر خردة فروش) فصل عن العنف في الموروث الشعبي، والحكايات الشعبية، كما يوجد فصل آخر في (كتاب المگاريد) عن العنف في اللغة الشعبية والكنايات والأمثال والاستعارات، وفي (قصخون الغرام) هناك فصل آخر ركزتُ فيه على الشعر الشعبي. أنا مهتم بالموضوع كثيرا، لأنني ألاحظُ دائما النزعة العنفية الواضحة في لغتنا ومخيالنا، حتى في أساطيرنا القديمة وخرافاتنا الشعبية، يتمثل العنف والقسوة بطبقات عديدة. تخيّل حتى في أغاني الأطفال هناك قسوة. برأيي أنّ الأمر لا يقتصر على العراق، بل العرب جميعا قساة ولغتهم تعتمدُ تشبيهات ومجازات مأخوذة من حياتهم التي يمارسونها ومعتادون عليها، فهم عنيفون بسبب بيئتهم القاسية وصراعهم المستمر للبقاء. وواضح أنّ هذه القيم النسقية أستمرت في اللغة الشعبية أكثر من اللغة الرسمية، لأنّ اللغة الشعبية بقيت حرة وبرية بينما اللغة الرسمية مراقبة وخففت كثيرا من عنفها. الحكايات الشعبية العراقية والعربية أكبر دليل على هذه الظاهرة، فالحكاية تعكسُ القيم النسقية التي تتحكمُ بنا لهذا هي تزخرُ بالعنف.
*: لماذا تهمّك لغة الناس ولهجة الشارع اكثر من سواها، هل تراها أصدق من لغات أخرى في المجتمع أم تريد إظهار إنّ لغة المثقفين إستعراضية؟
- قلت لك منذ حين أنّ لغة الناس والشارع هي الأكثر تمثيلا لروحنا وقيمنا وأنساقنا الثقافية. من يريد التعرف على روح الشعب عليه الذهاب إلى مخياله الشعبي. هناك إتفاق على هذا الأمر. لغة المثقفين لا تعبر عن روح الشعب. إنها منفصلة عن الشارع، لنقل أنّ جزءا كبيرا منها منفصل عن الناس. نادرون هم المثقفون الشعبيون، أي الذين يكتبون بلغة الشعب ويتمثلون روحيته وآلامه. لهذا أنا مهتم بلغة الشارع رغم أنّ هذا الإهتمام غير محبذ من قبل المثقفين، لهذا كثير من أصدقائي يتداولون عني فكرة أنني (شعبوي) بمعنى كون إهتماماتي دون إهتماماتهم.
*(كشكولُ الاخرس) هل هو بقايا أوجاع لم تقلها في كتبك ؟
- (كشكول الأخرس) في تعريفه الجانبي هو فصول في البلاغة الشعبية، أي هو تجوالٌ طويل في لغة الناس وبلاغاتهم، شعرهم وفنونهم الشعبية، كناياتهم وأمثالهم والخ.
* الى اي مدى تؤثرُ السياسة في كتاباتك؟ هل مزجتها في بحوثك ؟
- نادرا ما تكون السياسة حاضرة في عملي الثقافي، أنا أعدّ نفسي مؤرخ أفكار، ومؤرشف للثقافة العراقية. مارستُ هذا الدور في كتبي (خريف المثقف) و(جحيم المثقف) و(السيرة والعنف الثقافي) و(كتاب الشقاق) و(ملوك الغبار). أما كتبي الباقية فهي إجتماعية وتدورُ في مباحث بلاغية وفولكلورية. لم أكتب في السياسة، لكنّ تأثيرها ليس معدوما تماما، ففي (خريف المثقف) و(جحيم المثقف) والكتب النقدية الباقية، هناك فصول عن تأثيرات السياسة على أفكار المثقفين، لكن السياسة بشكل مباشر لا توجد في إشتغالاتي.
* ما الذي تريدُ أنْ تصل اليه في البحث عن الخطاب الثقافي في زمن مضى؟
- ببساطة، أريدُ وضع تاريخ لأفكار المثقفين، كيف تتغير ولماذا، كيف كانت في الخمسينات مثلا وكيف تبدلت في السبعينات والثمانينيات. عملي هو أشبه بسرد قصص الأفكار، منذ بداياتها ومتابعة تغييراتها حتى اليوم. الزمن قد يكون في الماضي، لكنه لم ينته تماما، بل بقيت آثاره في الفترات والمراحل التي جاءت بعده.
* أعرفُ إنك شغوفٌ بسماع الاغاني، ما الذي تمنحه إياك لتمنحها إهتمامك؟
- الأغاني جزءٌ أساسيٌّ في حياتي، يوميا أنا أخصّصُ ساعة تقريبا لسماعها ليلا، وفي تلفوني برنامج تحميل للأغاني هو سميري في مشاويري. لا أتخيلُ الحياة من دون الأغاني. إنها تمنحني السعادة رغم أنني أميلُ إلى الأغاني العراقية ذات الشجن العظيم. نعم، الشجنُ موجود في الغناء المصري والشامي والخليجي، لكنه مع الغناء العراقي مختلف كثيرا. مع هذا، الغناء يمنحني السعادة كما قلت لك. خصوصا التطريبيّ منه، المصري والعراقي .
* كيف أستطعت أنْ ترسم القسوة حرفيا في (ليلة العاطف الرئاسية) من أين أستقيت سطوتها؟
- روايتي (ليلة المعاطف الرئاسية) هي مزاجي ومزاج العراقيين الذي خلفته الحروب في أرواحهم. لقد رأينا الموت وجها لوجه، وتلمسنا ملمسه القاسي لفترات طويلة، من الحرب العراقية الإيرانية إلى غزو الكويت، إلى الحرب الأهلية. والأنكى من الحروب هو الطغيان الذي خلف في نفوسنا جروحا عميقة للآن نعاني منها. شخصيات الرواية خارجة من هذه الحروب مثخنة، ميتة مجازيا. لهذا جاءت الرواية بهذه القسوة.
* لا بدّ للكاتب من تجربة أولى يُخفيها عن النشْر ماذا لديك؟
- مذكراتي التي لم أقلها بعد ..
* ما السؤالُ الذي يراودُك دائماً وليستْ له إجابة؟
- كثيرة هي الأسئلة، لكنّ السؤال الأعظم هو من نحن ولماذا جئنا إلى هذا العالم، وما الذي ينتظرنا بعده.
*ما أول ما يتبادر الى ذهنك وأنت تفكرُ للبدء بالكتابة ؟
- أنْ أمتّع نفسي، وأنْ أكشف عن جزء مخفي منها.
* ما الذي يتأرجحُ في داخلك ؟
- كل شيء يتأرجحُ. لو أستقرت الأشياء في داخلي لانتهيتُ وتوقفتُ عن القول.
* هلْ يمكنُ أنْ يذهبَ خيالك الى المدينة التي ولدتَ فيها ووصفها بكلمات؟
- أنا ولدتُ في منطقة (الشيخ عمر)، في بيت بغدادي تبعدُ عنه المقبرة خمسين مترا، أكثر أو أقل. البيتُ كان دافئا، حميما، له حوشٌ واسعٌ وحجراتٌ تدخلها الشمسٌ. أتذكرٌ حجرة جدتي المطلة على الدربونة، والهولٌ الكبير الواسع. أتذكرٌ الحمام يسارا والسلّم الذي يؤدي إلى السطح وحجرة عمي. هذا البيتُ هدمته الدولة مع عشرات البيوت لتشيد طريق محمد القاسم السريع. يوميا أمرُّ بسيارتي فوقه. هذا البيتُ صار ذكرى، مجرد ذكرى، لكنه حيّ في داخلي. ما زالتْ نكهته تفوحُ في نفسي، ما زالتْ أصداءُ هدير (البريمز )، الطباخ النفطي، تضجُّ في رأسي أيام رمضان الصاخبة. لقد ذهب مع الريح، لكنه باقٍ في ذاكرتي.







