«اختبار مفصلي».. كيف تبدو شكل العلاقات الجديدة بين لبنان وسوريا؟
قال الدكتور ليون سيوفي، الباحث والكاتب السياسي اللبناني، إن الزيارة اللبنانية المرتقبة إلى دمشق تمثل اختبارًا سياسيًا وأمنيًا وإنسانيًا لمستقبل العلاقات بين البلدين، في ظل الملفات العالقة التي تراكمت على مدار سنوات من الصراعات والتدخلات، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تتطلب تأسيس علاقة جديدة تقوم على الندية واحترام السيادة والمصالح المتبادلة، بعيدًا عن إعادة إنتاج أنماط العلاقة السابقة.
وفي تصريحات خاصة لـ«سياق 24»، أوضح سيوفي أن تحويل التقارب السياسي بين بيروت ودمشق إلى تفاهمات عملية يستلزم وضع خطة تنفيذية لمعالجة الملفات الأكثر إلحاحًا، وفي مقدمتها عودة اللاجئين السوريين والتنسيق الأمني وضبط الحدود والمفقودون والموقوفون إلى جانب تداعيات التدخلات السابقة في سوريا.
عودة اللاجئين السوريين
وأشار إلى أن ملف اللاجئين السوريين يمثل القضية الأكثر إلحاحًا بالنسبة إلى لبنان نظرًا لما ترتب على وجود أعداد كبيرة منهم من أعباء اقتصادية واجتماعية وأمنية وخدماتية، في بلد يعاني أصلًا من انهيار اقتصادي ومالي ومؤسساتي.
وشدد على أن المطالبة بعودة اللاجئين لا تكفي وحدها، إذ يجب توفير ظروف تضمن عودة آمنة وكريمة من خلال تسجيل الراغبين في العودة وتحديد مناطق عودتهم وتقديم ضمانات قانونية وأمنية وحماية ممتلكاتهم وحقوقهم إلى جانب تأمين السكن والخدمات الأساسية وفرص العمل.
وأضاف أن المطلوب هو إطلاق عودة تدريجية تبدأ بالمناطق التي أصبحت ظروفها مناسبة بالتوازي مع إعادة تأهيل المناطق الأخرى دون ربط عودة اللاجئين بإعادة إعمار سوريا بالكامل لأن ذلك قد يؤدي إلى استمرار الأزمة سنوات طويلة، مؤكدًا ضرورة تقديم دمشق ضمانات عملية تتجاوز التصريحات السياسية.
التنسيق الأمني وضبط الحدود
وفيما يتعلق بالملف الأمني، لفت سيوفي إلى أن الحدود اللبنانية السورية تمثل تحديًا مستمرًا أمام البلدين في ظل انتشار عمليات تهريب المخدرات، ولا سيما الكبتاجون والأسلحة والذخائر والبضائع فضلًا عن تسلل أفراد ومجموعات مسلحة ونشاط شبكات الجريمة المنظمة.
وأكد أن توقيع اتفاق أمني وحده لا يكفي لضبط الحدود، مشيرًا إلى ضرورة إنشاء آلية تنسيق دائمة تضم الجيشين والأجهزة الأمنية والخابراتية والجمارك، تتولى تبادل المعلومات بصورة مباشرة وتحديد المعابر غير الشرعية وتنفيذ عمليات متزامنة ضد شبكات التهريب، مع وضع قواعد واضحة تمنع أي تجاوز للسيادة اللبنانية أو السورية.
وشدد على أهمية تطوير المعابر الرسمية واستخدام وسائل مراقبة حديثة وتبادل لوائح المطلوبين وملاحقة ممولي شبكات التهريب بدلًا من الاكتفاء بتوقيف صغار الناقلين، معتبرًا أن انعدام الثقة المتراكم بين الطرفين يمثل إحدى أبرز العقبات أمام بناء تعاون أمني فعلي.
المفقودون والموقوفون
وتطرق سيوفي إلى ملف المفقودين والموقوفين، مؤكدًا أنه لا يمثل مجرد قضية قضائية بل ملفًا إنسانيًا ووطنيًا يمس عائلات لبنانية وسورية لا تزال تنتظر معرفة مصير أبنائها.
وأوضح أن معالجة هذا الملف تتطلب التمييز بين أوضاع السوريين الموقوفين والمحكومين في السجون اللبنانية واللبنانيين المفقودين في سوريا، فضلًا عن المفقودين السوريين، مشددًا على ضرورة تسريع دراسة الملفات القضائية وضمان المحاكمات العادلة.
ودعا إلى تشكيل هيئة مشتركة مستقلة تضم قضاة وخبراء في الطب الشرعي وممثلين عن عائلات المفقودين، مع منحها صلاحيات واضحة وجدولًا زمنيًا معلنًا وفتح الأرشيف والسجلات والسجون السابقة لكشف مصير المختفين.
وأكد أن العدالة لا تتحقق بمجرد نقل السجناء بل بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وإنصاف الضحايا وذويهم دون تمييز بين جنسية وأخرى.
حزب الله وإيران وتحديات التقارب
وعن تأثير الملفات السياسية والإقليمية على مستقبل العلاقة، اعتبر سيوفي أن تدخل حزب الله عسكريًا إلى جانب نظام بشار الأسد خلال الحرب السورية ترك آثارًا عميقة في الذاكرة السورية، خصوصًا لدى العائلات والمناطق التي تضررت من الحرب.
كما أن العلاقة الوثيقة بين الحزب وإيران تثير تساؤلات لدى القيادة السورية الجديدة بشأن طبيعة النفوذ الإيراني في لبنان وإمكانية استخدام الأراضي اللبنانية في أنشطة تمس الأمن السوري.
وأوضح أن المطلوب ليس فتح صراع لبناني جديد مع حزب الله وإنما تثبيت مبدأ سيادي ودستوري يمنع أي حزب أو تنظيم أو محور خارجي من الانفراد بتقرير مصير العلاقات بين لبنان وسوريا أو استخدام الأراضي اللبنانية لتنفيذ أجندات إقليمية.
وفي المقابل، شدد على ضرورة تأكيد دمشق عدم رغبتها في التدخل في التوازنات اللبنانية أو دعم طرف على حساب آخر وأن تكون العلاقات بين البلدين مستقلة عن صراعات المحاور الإقليمية.
وضع جدول زمني للتنفيذ
وشدد على ضرورة وضع جدول زمني للتنفيذ وإصدار تقارير دورية توضح ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك، بحيث لا تظل التفاهمات رهينة تغير الحكومات أو الوزراء، بل تتحول إلى اتفاقات مؤسساتية تخضع للرقابة والمحاسبة.
واختتم حديثه بإن نجاح العلاقة اللبنانية السورية لن يُقاس بعدد الزيارات والاجتماعات والبيانات المشتركة، وإنما بقدرة البلدين على بناء حدود آمنة، وإعادة اللاجئين بكرامة وكشف مصير المفقودين، وتحقيق العدالة وإطلاق تعاون اقتصادي حقيقي، مؤكدًا أن لبنان يحتاج إلى التعامل مع سوريا من موقع الندية والشراكة وليس التبعية، بعيدًا عن أي وصاية أو ارتهان لمحاور إقليمية.







