ذاكرة المكان البغدادي .. مقهى أم كلثوم ذاكرة حافلة بالصور والأغاني والحنين
في مكان واحد من شارع الرشيد وسط بغداد قرب ساحة الميدان الشهيرة ، هناك اربع مقاهٍ تحتفي بسيدة الغناء العربي ام كلثوم ، لكن اقدمها واشهرها هي التي تحمل اسم (مقهى ام كلثوم).
حين تمرّ منها وتلتفت الى بابها ، ستجد نفسك غير قادر على تخطيها ،تجذبك اشياء فيها ، خاصة اذا كنت تحمل ذكريات قديمة عنها او حين تسمع صوت ام كلثوم مغردا من دواخلها مانحا فضاء الشارع الذي يتناهى اليه شجنا آخر ، وليس غريبا ،حين تدخل وتجلس وتتأمل، ان ترى رجلا كهلا يجلس في احدى الزوايا ويهز رأسه او يمسد لحيته وبرفع الى فمه سيجارة وينفث دخانها كإنه يريده ان يعانق كلمات الاغنية التي يسمعها (تفيد بإيه يا ندم يا ندم يا ندم... وتعمل إيه يا عتاب، طالت ليالي.. ليالي.. ليالي الألم، واتفرقو الأحباب..) حتى اذا ما وصلت الاغنية صداحة الى (فات المعاد .. فات فات المعاد) تعتقد ان الرجل قد يلفظ انفاسه بعد قليل..!!.

هذا ما ظل عالقا في ذاكرتي وانا احدق في الرجل الاشيب الذي اراه في اغلب الاوقات التي ادخل فيها المقهى ، وهناك مثله كثيرون يغوصون في عوالم الاغنيات التي تصدح بها حنجرة السيدة وسط هدوء المكان الصغير الذي هو عبارة عن مدخل من باب عمودي واحد ثم ممر قصير وصغير عرضه نحو مترين تتصدره صورة كبيرة ملونة للسيدة وعليها اسم اغنيتها (انت عمري) فضلا عن صور كثيرة اخرى للسيدة باحجام مختلفة لم تترك مكانا الا وتألقت فيه ،وبانتهاء الممر يكون هناك المتسع من المساحة على الجهة اليسرى ، وحيث تنتشر فيه الارائك والكراسي والطاولات تزينها بعض المرايا فيما الجدران كلها تتحلى بصور السيدة واسماء اغانيها وقصائد شعر عنها .
للنخبة وللعشاق
قبل ايام .. وقفت قبالتها، انظر وجهها الجديد ، كانت الواجهة الامامية لها تتوهج بلون وشكل جديد مثلما المدخل بعد الاعمار الذي نال واجهات شارع الرشيد فكانت اللافتة الدالة عليها اكثر وضوحا وجمالا واناقة من ذي قبل ، القديمة التي ما كانت تلفت النظر وقد تراكمت عليها عناءات السنين ، وقد تجددت وفقا لهذا التجديد للشارع ، والاضواء تغمر الممر القصير ، لم تكن المقهى مزدحمة حينها ،ربما لان الوقت صباحا، فهي ليست للنخبة ولكن متاحة لجميع عشاق ام كلثوم والذين يغمرهم الفضول لقضاء وقت تحت ظلال الانغام ، وروادها لم يفارقوها ، وفيها المقاعد التي تجددت هي الاخرى لكنها حافظت على هندستها وبقيت على روحية التراث التي تمتلكه ، ارائك وكراسٍ ومناضد و(استكانات) شاي بغدادية معروفة ، كان صوت السيدة يصدح ولكن بهدوء، (رجعوني عنيك لايامي اللي راحوا) ، كانت عيناي تتعلقان بالصور لها على الجدران الموشحة باسماء الاغاني ، صور كبيرة وجميلة ونادرة مؤطرة وغير مؤطرة وقصائد شعر تمدحها وترثيها كما في تلك الابيات للشاعر احمد رامي التي يقول مطلعها:
(ما جال في خاطرى أنى سأرثيها
بعد الذى صُغتُ من أشجى مغانيها
قد كنت أسمعها تشدو فتطربنى
واليوم أسمعنى أبكى وأبكيها)
كل صورة تتحدث عن اغنية وحادثة وذكرى ، كأنها تغنيها للناظر حين ينظرها فيرى المنديل في يدها يتحرك، وجمال المكان يدفعك الى ان تذهب الى البعيد لا سيما وانت ترى الكثير من كبار السن وكأنهم جالسوا ام كلثوم وعرفوها عن قرب وطربوا لما تقدمه، في المكان الهدوء هو سيد الموقف ، لا احد يتحدث الى احد ، وان كان لا بد منه فهمسا لا يؤثر على المستمعين، وان شابتها في بعض اوقاتها شائبة شيء من الصخب الذي لم يعجب روادها وقد دخل الهاتف النقال الى عوالمها فكان سببا في صناعة بعض الازعاج؟

ثلاثة امكنة
للمقهى ثلاثة امكنة عبر دورة حياتها الجميلة خلال اعوام متباعدة نوعا ما ، فهذه التي في هذا المكان من شارع الرشيد هي الثالثة وتأسست في العام ١٩٦٩ ، وعلى احد جدرانها ما زال اسم مؤسسها يقرأ بوضوح ( الحاج عبد المعين محمد الموصلي) ، الذي على يده وتحت اشرافه ازدهرت وذاع صيتها وصارت متحفا للسيدة ومن الاماكن المهمة المميزة وعلامة فارقة في شارع الرشيد ، فيما كانت الثانية على مسافة ليست بعيدة عنها في الشارع ذاته ، لكن الاولى / الام كانت في مسقط رأس مؤسسها الرجل الشغوف بأم كلثوم، والذي يطلق عليه (عاشق أم كلثوم)، كانت في مدينة الموصل .
فكرة أول مقهى
الفكرة الاولى لتأسيس مقهى باسم (ام كلثوم) بدأت من مدينة الموصل التي يسكنها عبد المعين الموصلي (1925- 2004)، راودته الفكرة في الاربعينيات من القرن الماضي، وقد بدأ شغفه بأم كلثوم ينمو في قلبه منذ ان استمع الى اغنية لها وسلبت لبه فهام بها ليعمل على جمع كل ما يخصها حتى امتلك مكتبة ضخمة لاغنياتها واخبارها وصورها وكل ما هو نادر من اعمالها ، وهو ما دفعه الى افتتاح مقهاه في منطقة باب الطوب بالموصل، كان هذا الشاب يحاول ان يترجم محبته لام كلثوم بهذه المقهى التي لا تبث اغانيها فحسب بل تعلق صورها واخبارها ، ليشد اليها الجمهور فتكون المقهى محطة للانتماء للمكان الذي فيه ام كلثوم العنوان والمحتوى، فعاش معها طوال عقد الخمسينيات وما حوله .

الانتقال الى بغداد
وحين انتقل مع اسرته الى بغداد مطلع الستينيات بتشجيع من اخيه تاجر الخضراوات سكن في منطقة الاعظمية شمالي بغداد (محلة راغبة خاتون) ، ولم تخمد تلك الجذوة في نفسه من اعادة التجربة في بغداد فعمد الى تأسيس مقهى جديد بنفس الأسم (مقهى أم كلثوم) ، في العام نفسه ، كان مكانها في باب المعظم مقابل مبنى وزارة الدفاع ، شمالي شارع الرشيد، يقال (تم افتتاحه في يوم الخميس المصادف 19 آب/ أغسطس من عام 1961) .
يقول الكاتب فوزي عبد الرحيم : في شتاء 1968 كانت المرة الاولى التي دخلت فيها مقهى أم كلثوم حين كان في موقعه القديم قرب طوب أبو خزامة ، مع زميل الدراسة والصديق الراحل صاحب، فقد كان من موجبات الاحاديث في الجلسات ان تكون ملما بأغاني ام كلثوم اضافة الى الموضوع الاساسي وهو المعرفة بالسياسة!! ،كنت حين ذاك استمع لام كلثوم في المناسبات فقط ولست (سميعا) رغم أني كنت أطرب لها لكني كنت بخلاف معظم أصدقائي أفضل الاستماع الى فيروز.
واضاف: بعد ان أخذنا مكاننا في المقهى وطلبنا قدحي شاي وحامض بدا مسجل المقهى يصدح بمقدمة موسيقية لاحد أغاني أم كلثوم ، طال وقت المقدمة ولم نتبين الاغنية فاختلفنا في تشخيصها ، فارتأى صديقي أن يسال العامل الذي يدير المقهى ويجلب الطلبات والخبير باغاني ام كلثوم وهو رجل في اواسط العمر يدعى أبو عباس ، لكنني بسبب طبعي المتحفظ لم اوافق على ان اظهر جاهلا باغاني ام كلثوم، فيما اصر صديقي فاستدعى ابو عباس وسأله ، هاي يا اغنية؟ بدت ملامح الانزعاج على ابو عباس وتحققت مخاوفي ، (انت فد يوم متواعد وما إجوا) ،قال ابو عباس بتأفف ، لم نفهم المقصود وبدا ذلك على وجهينا، زادت مظاهر الانزعاج على وجه ابو عباس، فصعد من وتيرة صوته قائلا ما متواعد وملطوع بالشمس ، هنا وجهانا أصبحا يشعان بلاهة!! فشروحات ابو عباس توهتنا بدل أن تدلنا، وهنا صرخ ابو عباس ووجهه يتكلم باكثر مما قاله فعلا عن تصاريف الدهر التي تجعله في هذا الموقف مع أغرار يدعون كذبا الطرب على أغاني ام كلثوم،انا في انتظارك!! ، انا بانتظارك!! وهو يهز يديه بعصبية، اذ يبدو اننا ارتكبنا جرما بوجودنا بمقهى ام كلثوم ونحن لا نعرف اغانيها المهمة!!
وتابع : كانت الاغنية : (انا بانتظارك خليت ناري في ضلوعي ، وحطيت ايدي علىً خدي وعديت، بالثانية غيابك ولاجيت) ، بعد هذا الموقف تاكد لي ان تحفظي في عدم تعريض نفسي لاختبار مبكر كان صحيحا كما أخذت ، ادقق في كل اغاني ام كلثوم كلمات ولحن حتى اكون محاورا كفوءا في جلساتنا في السياسة وام كلثوم.!!
مستقرها الاخير
استمرت في مكانها الثاني لسبع سنوات قبل ان ينقلها الى مكانها الاخير الذي استقرت به ونمت وازدهرت واشتهرت .
وتؤكد الباحثة فاطمة الظاهر (ونتيجة لخبرته الطويلة في أدارة مقهى (أم كلثوم) في الموصل أستطاع وخلال فترة وجيزة أن يجعل من مقهاه الواسعة المساحة ذات الديكورات البغدادية القديمة والتي تقع في أقدم وأعرق شارع في بغداد ( شارع الرشيد) أشهر مقهى في بغداد حيث وضع نظاماً لم يكن متبعاً في باقي المقاهي في بغداد وقد تفرد به ، لقد منع لعب الطاولي (النرد) والدومنو والأراجيل في المقهى معتمداً على بث أغنيات أم كلثوم فقط ، الجلوس في المقهى كان للأستماع وشرب الشاي والقهوة فقط، لذا تجد تزاحم الرجال من المثقفين والمستمعين الجيدين وبالذات من عشاق سيدة الغناء العربي السيدة أم كلثوم من الشباب وكبار السن يردون المقهى للأستماع لكل ما غنته أم كلثوم من قصائد الشيخ أبو العلا محمد الى أدوار داود حسني وطقاطيق الدكتور احمد صبري النجريدي وطقاطيق وأغنيات محمد القصبجي وزكريا أحمد وباقي الأغنيات التي لحنها لها السنباطي ومحمد عبد الوهاب وبليغ حمدي وغيرهم ، كان رواد المقهى يأتونه من كل صوب ومن كل أنحاء العراق بعد كل حفلة شهرية لأم كلثوم والتي كانت تبث من محطة صوت العرب من القاهرة وكذلك بعد حفلاتها السنوية والتي كانت تغني فيها أغنية جديدة كما كان متعارف عليه حيث كان لها كل سنة أغنية جديدة تقدمها لجمهورها التواق لسماع كل ما هو جديد من صوتها العذب).
ما يطلبه المستمعون
عبد المعين الموصلي.. كان يحرص على حضور حفلات الست الغنائية الشهرية التي كانت تقام في العاصمة المصرية القاهرة ويجلب معه عند عودته الى بغداد التسجيلات النادرة لاغانيها وصورها ليحتفي بها في مقهاه مع جمهورها البغدادي، حتى صار لديه ارشيف هائل ونادر واكبر مكتبة صوتية في العراق ابتداء من ستينيات القرن العشرين ،وكانت المقهى تنتعش وتتميز بين الكثير من المقاهي البغدادية وما اكثرها ، وكان عبد المعين هو العلامة الفارقة فيها ، فالرواد لا يبدون اعجابهم به وبعشقه للسيدة الذي نتج عنه هذه المقهى الجميلة ، بل يهدونهم صور السيدة ام كلثوم ، ولأن المقهى تعيش على اغنيات السيدة فكان يصغي لطلبات المستمعين في بث الاغنيات التي يريدون سماعها ، ولم يجد بدا في ان يلصق ورقة في لوحة الاعلانات ليسجل عليها كل زائر اسم الاغنية التي يحب سماعها تباعا .
واذ ان الحديث عن المقهى هو حديث عن صاحبها ، حيث حافظ على كينونتها مع الاعوام ، تؤكد الباحثة فاطمة ظاهر ان عبد المعين أستمر بأدارة مقهاه حتى سنوات التسعينيات وكان قد أتخذ معه شريكاً لأدارة المقهى وهو (أبو مروان) ، وتقول : في سنوات التسعينيات كان الحاج عبد المعين قد بلغ من العمر مبلغه بالاضافة الى أمراض الشيخوخة ، أضطر حينها الى ترك المقهى الى شريكه ليديرها بنفسه وبنفس النظام المتبع وتفرغ هو لتكملة مشوار تأسيسه لمكتبته الموسيقية التي أنشأها في دار سكنه الخاص ، حيث خصص غرفة كبيرة تبلغ مساحتها 5 متر عرضاً في 5 متر طولاً وبأرتفاع 4 أمتار ، ملئها بالأشرطة والصور وأجهزة التسجيل)
العودة الى الموصل
اتعبته الشيخوخة و وانهكه الحزن بسبب رحيل زوجته الثانية ، فقرر ان يستريح ويلوذ بالهدوء من تعب الحياة ، فعاد الى مدينته الموصل في العام 1997 ، باع بيته في بغداد وحمل مكتبته الفخمة لكن شغفه الكلثومي لم يخمد لذلك قام في العام 1999 بمساعدته ابنه في أعادة تأسيس مقهى جديد له في الموصل ، فكان (منتدى أم كلثوم) في عمارة الشواف في الموصل ، ولم تمر السنوات عليه هادئة فرحل عن الدنيا في العام 2004 ، لكن اسمه ظل منقوشا في المقهى وما زال الرواد يذكرونه ، فالمقهى كانت مشروعا ثقافيا ومتحفا فنيا وحياة سعيدة لمحبي كوكب الشرق .
كلمة لا بد منها
يقول الشاعر علي الحديثي عن المقهى التي اعتاد الجلوس فيها : لم يعد جلوسي في أم كلثوم كما كان، كثيرةٌ هي المقاهي التي نرتادها، إلْا أنْ لهذا المكان صوتًا يختلف، المقاهي مقاه ، إلّا مقهى أم كلثوم، فهو أنا الذي أبحث عنه، القلم الذي أضعته، الكتاب الوحيد الذي أجدت قراءته، كلّ واحد منّا يحتاج إلى مرآة يراجع معها ملامحه قبل أن تندثر، ومَن لا يفعل ذلك أكاد أجزم بأنّه سيفقد الإنسان الذي في داخله، وفي هذا المكان مرآتي.. هنا فقط يباح لقلبي أن يتمتم بما شاء من النبض.. يصرخ بما يستهوي من الأفكار.. يذرف ما يحب من الكلمات، مقهى أم كلثوم.. بوصلتي..