الأخبار

من التعبئة إلى إعادة التموقع.. كيف تستعد الأحزاب المغربية لخوض السباق نحو "حكومة المونديال"؟

أرشيف
أرشيف

أسابيع قليلة تفصل المملكة المغربية عن دخول معترك الحملة الانتخابية التي تسبق الاستحقاقات التشريعية المرتقبة يوم الـ23 من سبتمبر المقبل.

هذا الاستحقاق الدستوري بدأت الأحزاب السياسية تعد عدتها التنظيمية واللوجستية والبشرية لخوض غمارها في ظل حالة الاستقطابات التي تقوم بها هيئات سياسية لأسماء سياسية وازنة.

الأحزاب.. من التعبئة إلى إعادة تموقع

وفي هذا السياق، اعتبر هشام معتضد، الخبير المغربي في الشؤون السياسية والاستراتيجية أن "الاستعدادات الحالية لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية التعبئة الانتخابية التقليدية، وإنما من زاوية إعادة تموقع الأحزاب داخل مرحلة جديدة من تطور الدولة المغربية".

وأوضح معتضد في تصريح خص به "سياق 24" أن الانتخابات المقبلة "لن تكون مجرد منافسة على المقاعد البرلمانية، بل ستكون اختباراً لقدرة الفاعل الحزبي على مواكبة التحول الذي تعرفه الدولة، حيث أصبحت السياسات العمومية تُبنى حول المشاريع الاستراتيجية الكبرى أكثر من الوعود القطاعية الضيقة".

وهذا يفرض على الأحزاب -من منظور المتحدث ذاته - العمل على "الانتقال من منطق التدبير اليومي إلى منطق التخطيط الاستراتيجي طويل المدى".

وبعد أن توقف عند ما يعرفه المشهد الحزبي المغربي من عملية إعادة فرز هادئة للنخب السياسية، سجل الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية أن "الأحزاب لم تعد تتنافس فقط على استقطاب الناخبين، بل أصبحت تتنافس أيضاً على استقطاب الكفاءات القادرة على إدارة ملفات معقدة ترتبط بالاستثمار، والسيادة الاقتصادية، والأمن المائي، والانتقال الطاقي، والرقمنة، والاستعداد لكأس العالم 2030".

ورأى أن هذا الأمر "هو ما يجعل معيار الكفاءة يتقدم تدريجياً على معيار التعبئة السياسية التقليدية".

الهندسة الانتخابية

ومن منظور الهندسة الانتخابية، -لاحظ المصدر ذاته - أن "مختلف الأحزاب تبدو واعية بأن الناخب المغربي أصبح أكثر حساسية لقياس القدرة على الإنجاز، وأقل قابلية للتفاعل مع الخطابات الإيديولوجية أو الشعارات العامة".

لذلك، - يتوقع معتضد- أن "الحملات المقبلة، ستتجه على الأرجح، نحو إبراز الحصيلة، والقدرة التدبيرية، والكفاءات البشرية، أكثر من السجالات السياسية الكلاسيكية".

وفي تقدير المصدر نفسه فإن "الانتخابات المقبلة ستكون أقل ارتباطاً بمنطق [التنافس الحزبي] بالمعنى التقليدي، وأكثر ارتباطاً بمنطق [التنافس على من يمتلك القدرة على تنزيل الرؤية الاستراتيجية للدولة]"، وهذه من وجهة نظره تشكل "نقلة مهمة في تطور الحياة السياسية المغربية".

وعبر المصدر عينه عن اعتقاده بأن "المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من البرامج الانتخابية ذات الطابع الاجتماعي التقليدي إلى برامج سيادية وتنموية مرتبطة بالتحولات الكبرى التي يعرفها العالم".

الماء والغذاء.. استراتيجية السيادة

ورأى في هذا الصدد أن "المغرب يدخل عقداً استراتيجياً عنوانه الأمن المائي، والسيادة الغذائية، والتحول الطاقي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والصناعة، واللوجستيك، والتكامل الإفريقي، وهي ملفات لا يمكن مقاربتها بمنطق انتخابي قصير الأمد".

وشدد على أن "البرامج الانتخابية ينبغي أن تعكس الأولويات التي أصبحت تؤطر السياسات العمومية، وعلى رأسها تعميم الحماية الاجتماعية، إصلاح التعليم، إصلاح المنظومة الصحية، تطوير الرأسمال البشري، وتعزيز العدالة المجالية".

واستدرك قائلا: "لكن الأهم هو أن تقدم الأحزاب حلولاً قابلة للتنفيذ، مدعومة بآليات للتمويل ومؤشرات لقياس النتائج، لأن الناخب أصبح يميز بين الخطاب السياسي والخطة التنفيذية".

البرامج والتحولات الجيوسياسة

ومن زاوية استراتيجية، دعا إلى أن "تتضمن البرامج رؤية واضحة لموقع المغرب داخل التحولات الدولية، سواء في علاقته بإفريقيا، أو بالشركاء الأوروبيين، أو في مجالات الأمن الاقتصادي وسلاسل التوريد العالمية". فـ"السياسة الداخلية أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية الدولية"، وفق تعبير الخبير الاستراتيجي.

وذهب إلى أن "الحزب الذي سينجح لن يكون الحزب الذي يقدم أكبر عدد من الوعود، وإنما الحزب الذي يستطيع ترجمة الأولويات الاستراتيجية للدولة إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ، ضمن رؤية مؤسساتية طويلة النفس".

"حكومة المونديال".. الرهانات الكبرى

وبخصوص الربط الذي يقيمه مراقبون بين الحكومة المقبلة، وبين احتضان المملكة المغربية لكأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، اعتبر معتضد أن اختزال الحكومة المقبلة في وصف [حكومة المونديال]، "لا يعكس حقيقة الرهانات المطروحة".

وقال في هذا الصدد، "صحيح أن تنظيم كأس العالم 2030 سيشكل أحد أكبر المشاريع الوطنية، لكنه يمثل في الواقع جزءاً من تحول هيكلي أوسع يشمل تحديث البنيات التحتية، وتسريع الاستثمار، وتحسين جاذبية الاقتصاد الوطني، وتعزيز مكانة المغرب الإقليمية والدولي".

وأضاف أنه "من منظور هندسة السياسات العامة، فإن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بإدارة مرحلة انتقالية دقيقة، تتداخل فيها رهانات الإصلاح الاجتماعي مع متطلبات المنافسة الاقتصادية الدولية".

ولذلك يوضح معتضد أن نجاح الحكومة المقبلة "لن يقاس فقط بقدرتها على تنظيم حدث رياضي عالمي، وإنما بقدرتها على تحويل هذا الحدث إلى رافعة للإقلاع الاقتصادي والمؤسساتي بعد سنة 2030".

وأكد على أن "تنظيم المونديال يفرض مستوى غير مسبوق من التنسيق بين القطاعات الحكومية، والجماعات الترابية، والقطاع الخاص، والمؤسسات الأمنية، وهو ما يجعل الكفاءة المؤسساتية عاملاً حاسماً في تشكيل الحكومة المقبلة".

لذلك، يزيد بالقول: "فإن الحكومة القادمة ستكون، في تقديري، حكومة إدارة تحول استراتيجي شامل، وليس مجرد حكومة لتنظيم حدث رياضي مهما بلغت أهميته".

وأشار إلى أن "الرهان الأول يتمثل في رفع وتيرة تنفيذ الأوراش الملكية الكبرى وتحويلها إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، لأن نجاح السياسات العمومية أصبح يقاس بالأثر وليس بحجم الإنفاق".

أما الرهان الثاني بحسب معتضد - فهو "تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، خصوصاً في الصناعات الجديدة، والطاقات المتجددة، والاقتصاد الرقمي، وجذب الاستثمارات ذات القيمة المضافة العالية، بما يضمن خلق فرص شغل مستدامة".

أما الرهان الثالث فـ"يتعلق بتعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة. فالتحدي الحقيقي لم يعد فقط تحقيق نسب نمو مرتفعة، وإنما ترسيخ قناعة لدى المواطن بأن المؤسسات السياسية قادرة على الاستجابة لتطلعاته بكفاءة وشفافية"، بحسب تعبيره.

وسجل أنه "سيكون على الحكومة المقبلة تدبير مرحلة دولية شديدة التعقيد، تتسم بتقلبات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة، وهو ما يقتضي مرونة في السياسات، وقدرة عالية على استشراف المخاطر وإدارة الأزمات".

واستدل في ذلك على كون "الأنظمة السياسية الحديثة، أصبحت الكفاءات ذات الرصيد المهني والمؤسساتي تمثل قيمة مضافة للأحزاب، لأنها تمنحها مصداقية أكبر في تدبير الملفات التقنية المعقدة، غير أن تأثير أي شخصية يظل مرتبطاً بقدرتها على الاندماج داخل المشروع السياسي للحزب، وليس فقط برصيدها الشخصي".

ولفت إلى أنه "من منظور الهندسة الانتخابية، فإن الناخب المغربي أصبح يميز بين [الرمزية الفردية] و[القدرة الجماعية على الحكم]".

لذلك، يسترسل معتضد بالتأكيد على أن "وجود أسماء وازنة قد يعزز صورة الحزب ويمنحه زخماً إضافياً، لكنه لا يعوض الحاجة إلى تنظيم حزبي قوي، وبرنامج واضح، ونخب محلية قادرة على التواصل مع المواطنين".

وتابع شارحا أن "الأحزاب التي تنجح في استقطاب الكفاءات من مجالات الاقتصاد والإدارة والرياضة والأكاديميا قد تعزز قدرتها على إقناع جزء من الناخبين الباحثين عن الكفاءة أكثر من الخطاب السياسي التقليدي".

لكن في النهاية، حسب تقديره، فإن "الانتخابات تُحسم عبر منظومة متكاملة تشمل التنظيم، والبرنامج، والقيادة، والحضور الميداني، والثقة المجتمعية، وليس عبر الأسماء وحدها".

الخريطة السياسية.. الاتجاهات والتنبؤات

وخلص إلى أنه "من السابق لأوانه تقديم توقعات دقيقة بشأن النتائج، لأن الخريطة الانتخابية المغربية تتأثر بعوامل متعددة، من بينها طبيعة المشاركة، والحملات الانتخابية، والتحالفات المحلية، وسلوك الناخبين خلال الفترة التي تسبق الاقتراع. لذلك، فإن أي قراءة جادة ينبغي أن تركز على الاتجاهات العامة أكثر من التنبؤات العددية".

لكن يمكن القول - بحسب الخبير الاستراتيجي المقيم في كندا - إن "المرحلة المقبلة ستتسم، على الأرجح، باستمرار منطق الحكومات الائتلافية، لأن البنية الحزبية المغربية تجعل من الصعب على أي حزب أن يحقق أغلبية مريحة بمفرده".

وبالتالي، "فإن القدرة على بناء تحالفات متجانسة وبرامج مشتركة ستكون عاملاً حاسماً في تشكيل الأغلبية الحكومية"، على حد تعبيره.

واسترسل بالتشديد على أن "التحالفات المقبلة لن تُبنى فقط على التقارب الإيديولوجي، بل ستخضع بدرجة أكبر لمعيار الانسجام في تدبير الأوراش الاستراتيجية الكبرى، وهو ما يعكس تطوراً في الثقافة السياسية نحو منطق الفعالية المؤسساتية".

وخلص إلى أن "الرهان الحقيقي لا يكمن في معرفة الحزب الذي سيحل أولاً، بل في قدرة المنظومة الحزبية برمتها على إفراز أغلبية منسجمة، قادرة على مواصلة المشاريع الاستراتيجية للمملكة، وضمان الاستقرار المؤسساتي، ومواكبة التحولات الكبرى التي يدخلها المغرب خلال العقد المقبل".