الأخبار

باحث سوري لـ«سياق 24»: أكتوبر أعاد تعريف القوة والردع والسلام عربيًا

نصر أكتوبر
نصر أكتوبر

قال الكاتب والباحث السياسي السوري أحمد شيخو، إن التحرك المصري في حرب أكتوبر 1973 مثّل قطيعة استراتيجية ومعرفية مع أسلوب إدارة الحروب والمواجهات العربية السابقة مع إسرائيل، معتبرًا أن الحرب لم تكن مجرد جولة جديدة في صراع ممتد، وإنما شكلت تحولًا في الوعي الشعبي والأكاديمي والعسكري والأمني العربي، خصوصًا بعد مرارة نكسة 1967.

الانتقال لعقلية التخطيط

وفي تصريحات خاصة لسياق 24، أوضح شيخو أن أول مظاهر الاختلاف تمثلت في الانتقال من حالة الانفعال والارتجال والردود الشفهية إلى عقلية التخطيط العلمي الدقيق والمنظم، مشيرًا إلى أن ذلك تجسد في قيادة الرئيس الراحل أنور السادات، وفي قدرة الجيش المصري على تجاوز عوائق هندسية وعسكرية اعتبرها خبراء غربيون ومراكز أبحاث مستحيلة الاقتحام. 

ولفت شيخو إلى أن القوات المصرية نجحت في تحطيم خط بارليف، وإسقاط الساتر الترابي الضخم باستخدام أسلوب مائي إبداعي، وإقامة الجسور على قناة السويس تحت وابل من النيران.

التنسيق بين جبهتي القاهرة ودمشق

وأضاف أن الاختلاف لم يقتصر على الإعداد الهندسي والتكتيكي، وإنما امتد إلى التنسيق الاستراتيجي بين جبهتي القاهرة ودمشق، والتنسيق الرفيع بين القيادتين، موضحًا أن هذا التضامن تُرجم إلى عمليات عسكرية معقدة وهجوم مباغت ومتقن في التوقيت نفسه عند الثانية ظهرًا في السادس من أكتوبر، وهو ما أدى، بحسب تقديره، إلى شل حركة الاحتياطي الاستراتيجي الإسرائيلي وإرباك عقيدته القتالية.

وأكد شيخو أن هذا التحول النوعي أتاح لمصر ومعها الأمة العربية، استعادة المبادرة والسيادة الوطنية والقومية، بعدما انتقلت من موقع «المدافع» أو «المتلقي للضربات» المفاجئة إلى موقع «المبادر» الذي يحدد زمان المعركة ومكانها ويفرض شروطها.

واعتبر أن هذا التحول هو جوهر الأثر العميق الذي تركته التجربة المصرية في الوعي العربي والشرق أوسطي، بوصفها ولادة جديدة للعقل الاستراتيجي المصري والعربي، وإثباتًا على أن التخطيط والوحدة والعلم تمثل السبيل لصناعة النصر واستعادة الكرامة.

إعادة صياغة معادلات القوى 

وأشار الباحث إلى أن إنجازات مصر في حرب أكتوبر لم تقتصر على النتائج الميدانية والعسكرية المباشرة، وإنما امتدت إلى إعادة صياغة معادلات القوى الإقليمية والدولية، موضحًا أن إحدى أبرز النتائج تمثلت في القضاء على أسطورة «الجيش الذي لا يُقهر» التي روج لها الإعلام الغربي والإسرائيلي لسنوات.

وأوضح أن ذلك أعاد إلى الوعي والوجدان العربي والشرق أوسطي قدرًا من الكرامة والثقة بالنفس وبالقدرة العسكرية، بعدما أثبت الجندي المصري أن التفوق في التسليح والتكنولوجيا الغربية يمكن تحييده من خلال الإرادة القتالية الصلبة، والبناء الصحيح، والتكتيك العسكري المحكم، والاستخدام الإبداعي للسلاح.

ولفت شيخو إلى أن تأثير حرب أكتوبر تجاوز الصراع المباشر مع إسرائيل، ليمتد إلى العلاقة مع الولايات المتحدة، معتبرًا أن التحرك الذي قاده الرئيس أنور السادات أجبر واشنطن وصناع القرار في البيت الأبيض على صياغة قواعد جديدة للعبة السياسية في المنطقة، والتخلي عن فرضية استمرار حالة «لا حرب ولا سلم» وتجاهل الحقوق المشروعة.

ريادة مصر

وبيّن أن الإدارة الأمريكية أدركت، بعد الحرب، أن العالم العربي بريادة مصر، بات يمتلك أوراق قوة حقيقية ومؤثرة، تجمع بين الضغط العسكري المباشر والنفوذ الاقتصادي المرتبط باستخدام سلاح النفط، إلى جانب الدبلوماسية السياسية المؤثرة.

ورأى أن هذه التطورات مجتمعة أسهمت في إعادة تعريف مفهوم السلام في الشرق الأوسط، بعدما خرج السعي إلى السلام من دائرة الاستسلام أو الإملاءات التي يفرضها القوي على الضعيف، ليصبح، بحسب رؤيته، مفهومًا نابعًا من موقع القوة وتوازن الردع والإرادة القتالية، وهو ما أجبر القوى العظمى وإسرائيل على التعامل مع معطيات الواقع الجديد والجلوس إلى طاولة المفاوضات على أسس من الندية والاعتراف بالحقوق المصرية والعربية.