الأخبار

بروتون لـ«سياق 24»: هكذا أخطأت واشنطن حساباتها في حرب أكتوبر

البترول
البترول

كشف الكاتب والصحفي البريطاني فيليب ديلفز بروتون، مؤلف كتاب Embargo: The 1973 Oil Crisis That Changed the World (And What We Can Learn from It Now)، أن استخدام النفط سلاحًا سياسيًا في أعقاب حرب أكتوبر 1973 لم يكن نتاج قرار مفاجئ، وإنما جاء نتيجة شعور متنامٍ لدى الدول العربية المنتجة للنفط، خلال أواخر ستينيات القرن الماضي ومطلع السبعينيات، بأنها تمتلك قوة أكبر مما كانت تعتقد، في وقت كان فيه الغرب أكثر عرضة للضغط من ذي قبل.

السعودية قادت حظرًا النفط 1973

وفي تصريحات خاصة لسياق 24، قال بروتون إن استخدام النفط سلاحًا سياسيًا لم يرتبط بنقطة تحول واحدة، وإنما نشأ عن «شعور متنامٍ» لدى منتجي النفط العرب، في أواخر ستينيات القرن الماضي ومطلع السبعينيات، بأنهم يمتلكون قوة أكبر مما كانوا يعتقدون. 

وأوضح أن السعودية قادت حظرًا نفطيًا خلال حرب 1967، لكنه فشل، بينما كانت الظروف مختلفة في 1973. إذ أصبح السعوديون أكثر تنظيمًا وأكثر وضوحًا بشأن الهدف الذي يريدون تحقيقه، في حين كان الغرب أكثر تعرضًا للضغط، الأمر الذي جعل الحظر أكثر فاعلية. 

ويرى بروتون أن نجاح الخطوة العربية جاء من اجتماع ثلاثة عناصر: التوقيت المناسب، والدافع الواضح، والقدرة على التنفيذ.

وبحسب بروتون، كان قرار الملك فيصل استخدام النفط مرتبطًا بصورة مباشرة بالحرب وبالموقف الأمريكي منها، وتحديدًا بقرار الولايات المتحدة دعم إسرائيل عسكريًا في مواجهة مصر وسوريا. وقال إن السعوديين كانوا قد حثوا الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون على عدم المضي في هذا الدعم، لكنه قرر المضي . 

حجم الغضب العربي

وفي الوقت نفسه، كانت السعودية قد أصبحت محبطة من مفاوضاتها مع شركات النفط، ومن الطريقة التي تعاملت بها الحكومة الأمريكية معها، غير أن العامل الأهم كان إدراكًا متزايدًا لدى السعوديين بأن لديهم قوة واستعدادًا لاستخدامها يفوقان ما كانت الولايات المتحدة تفترضه.

ولم تكن واشنطن، وفق بروتون، تجهل تمامًا حجم الغضب العربي قبل اندلاع الحرب، لكن المشكلة كانت في تقديرها لما يمكن أن يترتب عليه. وأوضح أن الدبلوماسيين الأمريكيين في الشرق الأوسط كانوا غالبًا يسترشدون بتقديرات الاستخبارات الإسرائيلية، ولم يأخذوا الرئيس المصري أنور السادات على محمل الجد، كما لم يعتقدوا أن الملك فيصل سينفذ تهديداته بقطع إمدادات النفط. 

كانت القراءة الأمريكية أن السادات لا يملك الشجاعة الكافية لبدء حرب، وأن فيصل يستخدم التهديدات لأغراض سياسية دون نية حقيقية لتنفيذها. «كانوا مخطئين في الحالتين»، يقول بروتون.

تحولات فى ميزان القوة

ويضع بروتون هذا الخطأ في إطار أوسع يتعلق بكيفية إدراك القوى الكبرى لتحولات ميزان القوة. فبالنسبة إليه، كان النفط قد ظل لفترة طويلة مصدرًا لقوة الدول الصناعية، لكن أزمة 1973 أظهرت أن مصدر القوة نفسه يمكن أن ينقلب لصالح الدول التي تنتجه. 

ويرى أن الغرب أخطأ في تقدير حجم النفوذ الذي أصبح في أيدي هذه الدول لأنه لم يكن مستعدًا نفسيًا للاعتراف بأن موقعه بدأ يتراجع. ويختصر ذلك بقوله إن «المنتصرين غالبًا ما يتأخرون في إدراك أنهم بدأوا يخسرون»، معتبرًا أن الأمر يمثل خللًا نفسيًا وقعت فيه القوى الغربية كما وقع فيه غيرها.

ويشير بروتون إلى أن هذا الشعور كان مفهومًا في ضوء التاريخ السابق للعلاقة مع النفط العربي، فقد تمتعت القوى الغربية بظروف مواتية للغاية لفترة طويلة، ولم تكن راغبة في الاعتراف بأن ميزان القوة بدأ يتحول ضدها. لذلك لم يكن الخطأ مجرد فشل مخابراتي في توقع قرار سياسي، وإنما كان أيضًا عجزًا عن رؤية تحول أعمق في العلاقة بين المنتجين والمستهلكين.

الحظر سرّع زيادة السعر

لكن بروتون لا يرى في «سلاح النفط العربي» قرارًا موحدًا بالمعنى الكامل للكلمة، وإنما نتيجة التقاء مؤقت لمصالح وحسابات مختلفة فرضتها الحرب. فمصر، بحسب روايته، أرادت استخدام النفط لتعزيز أثر هجومها على إسرائيل. لكنها كانت بحاجة إلى السعودية لإشهار السلاح النفطي وجعله مؤثرًا بالفعل. أما الملك فيصل، فكان يريد دعم مصر، وكان يتعرض في الوقت نفسه لضغوط كبيرة من المحافظين داخل بلاده للقيام بذلك.

وفي المقابل، كانت لدى دول عربية أخرى حساباتها الخاصة، إذ رأت في الحظر فرصة لتسريع الاتجاه الصاعد لأسعار النفط. ومن ثم، لم يكن القرار العربي، في نظر بروتون، قائمًا على دافع واحد أو استراتيجية متطابقة بين جميع الأطراف، بل على مجموعة من الأسباب والحسابات التي تقاطعت مؤقتًا بفعل الحرب.

حسابات متباينة وأهداف مختلفة

ومع ذلك، يرى بروتون أن وراء هذه الحسابات المتباينة هدفين أساسيين جمعا الأطراف العربية: محاولة عكس نتيجة حرب 1967، وإظهار مدى تصميم العرب وقدرتهم على استخدام ما يملكونه من قوة في مواجهة الولايات المتحدة. 

وهنا تحديدًا تكمن أهمية أزمة 1973 في قراءته. إذ لم يعد النفط مجرد مورد اقتصادي تعتمد عليه القوى الصناعية، بل أصبح أداة سياسية قادرة على إعادة رسم العلاقة بين الشرق والغرب، وإجبار القوى الكبرى على التعامل مع الدول المنتجة باعتبارها أطرافًا تملك القدرة على التأثير في قواعد اللعبة نفسها.

ومن هذه الزاوية، لا يتعامل بروتون مع أزمة النفط باعتبارها أزمة اقتصادية عابرة، وإنما باعتبارها لحظة كشفت تغيرًا أعمق في ميزان القوة العالمي. لحظة أدرك فيها المنتجون أن اعتماد الغرب على نفطهم يمكن أن يتحول من مصدر للنفوذ الغربي إلى مصدر لقوتهم هم.