جامع الوزير .. أخذ منه جسر الشهداء جزء ونهر دجلة هدّم قبته
حين أخترقت سوق السراي من جهة شارع المتنبي ، دلفت الى اليمين منه ، حيث (سوق السراجين) ، كان عليّ أن أرفع رأسي الى السقف وأنظر الجمال في العمران والزخرفة التي عليها بناء السوق هذا ، وراعني شكل الدكاكين الصغيرة التي ترتفع اعلاها أقواس..
شيء جميل جدا ..، أعتقد ان أحدا لم ينتبه اليه ، استمتعت لدقائق في التطلع الى كل ما في المكان وتحدث مع أحدهم ، ثم وجدتني أقف امام باب (جامع الوزير) ، الذي يعد من مساجد بغداد التراثية الأثرية القديمة، فالرقعة الزرقاء الملتصقة على يمين الباب تؤكد (أسس جامع الوزير في سنة 1080 هجرية من قبل الوزير حسن باشا ابن الوزير محمد باشا المصادف سنة 1660 ميلادية)، فيما الرقعة الزرقاء الثانية على يساره مكتوب عليها (بسم الله الرحمن الرحيم يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الاخر) .
كان الباب مغلقا ، وإن كان عليه يقف شرطيّ ، باب خشبي عتيق جدا كما يبدو ، وعليه ملصقة بعض الاوراق التي عليها كتابات منها ملاحظة حسب توجيهات ديوان الوقف السني (يفتح المسجد قبل الصلاة بنصف ساعة ، ويغلق بعد الصلاة بنصف ساعة)، فوجدتني اتأمل الباب وما حوله من زخارف ونقوش اسلامية يطغي عليها اللونان الاخضر والازرق ومقرنصات عالية كإنها تتدلى، تلمست بيدي الباب العتيق المتعب الذي ما زال يقاوم الظروف المختلفة، أحاول ان اشعر بقدمه وكأنني اسأله عن الناس الذين مروا من خلاله والاحداث التي شاهدها عبر نحو 400 سنة .
ولأنني أتيت ليس في موعد صلاة فقد وجدت ان هناك وقتا طويلا ، لذلك قررت ان احضر في وقت لاحق في موعد الصلاة ، وبما ان هذه زيارة لم أقررها فقد كان لا بد من تأجيلها مع موعد فتح باب المسجد بنصف ساعة ، حيث له بابان، أحدهما يقع مقابل جسر الشهداء والآخر على سوق السراجين، وهو الباب الرئيسي، وهو الذي كنت أقف عنده ، ولا بد من ذكر ان الجامع شُيّد بمساحة تصل إلى (1000م2) وفيه مكانان للصلاة : الصيفي ويسع لـ(330) شخصا، والشتوي يسع لـ(500) شخصا، فيما المعلومة المهمة ان الجامع كانت حدوده في المكان الذي عليه جسر الشهداء.
وبالفعل .. قبل آذان الظهر من يوم الجمعة ، دخلت (جامع الوزير) من بابه الجانبي الذي يعد الرئيسي ، وليس من الباب الذي بمحاذاة جسر الشهداء الذي اكثر ما لفت انتباهي فيه هو تحول الساحة التي امامه الى كراج وقوف للسيارات ، كان هذا الباب مفتوحا ايضا ، وهو من حديد مطلي باللون الاخضر يعلوه قوس مبني من الطابوق وزخرفة جميلة وتغطي اكثره لافتة مستطيلة افقية حديدية خضراء مكتوب عليها باللون الابيض وبشكل كبير (جامع الوزير) فيما هناك في اعلى وجانبي الباب خُطت آيات قرآنية.

وبما ان دخولي كان من الباب الجانبي فأول ما واجهته هو مشاهدتي لمئذنة وقُبّة ، رفعت لهما نظراتي ، قبة بصلية مغلفة بالقرميد المزجج والرخام، ومئذنة تمتد عنقها في الفضاء عليها زخارف تدور حولها ، مرتفعتان، وهما ظاهرتان للعيان من بعد وحيث تعلو قامة المنارة نجمة خماسية على عكس ما رأيته في الكثير من المساجد حيث يرتفع الهلال !!، تركت الفضاء ونظرت الى واجهة الجامع ومدخله الذي تتقدمه ثلاثة اقواس كبيرة عليها آيات قرآنية ثم قرأت على الجدار الداخلي (جمهورية العراق، رئاسة مجلس الوزراء، ديوان الوقف السني، مديرية أوقاف بغداد الرصافة، جامع الوزير) وتحتها لوحة اعلانات مثلما الجهة الاخرى ، اما مدخل محراب الجامع فهناك باب خشبي طويل بمصراعين صغيرين تعلوه (بسم الله الرحمن الرحيم / انما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم) ، لكن البناء القوسي الذي يعلو الآية الكريمة فيه زخارف تساقطت بعض احجارها ، وبغض النظر عن هذا ستدهشك الجدران المزينة بالزخارف والكتابات التي تعزز في نفسك انك أمام تحفة أثرية نادرة اسمها جامع (الوزير)، بل وستدهشك اكثر تلك الشجرة المعمرة (شجرة السدر) التي تنتشر اغصانها وسط الباحة وتغمر المكان بظلالها الوارفة والتي عمرها من عمر بناء الجامع.
لا تتفاجأ ان رأيت على واجهة الجامع زخرفة فنية في العمارة، وجمالية في البناء، بابه الخشبي محاط بالطابوق الأصفر ومزجج بالأزرق، لانها طالما كانت من علامات المساجد ، ولكن المثير ان الناظر لا يتوقع ان تكون مساحته واسعة وتصل إلى أكثر من 1000 متر مربع.
أول معلومة حصلت عليها من السيد محمد خزعل محمود ،متعهد الجامع تأكيده ان تاريخ الجامع الى سنة 1660 ميلادية أيام الحكم العثماني، وسميّ بالوزير نسبة الى الوزير حسن باشا ولذلك قصة طريفة ظريفة قصها عليّ متعهد المسجد ، موضحا : انه من ضمن الجوامع العثمانية ، البناء القديم كان بمحاذاة نهر دجلة وكان يمتاز بالقبة الكبيرة حتى ان احد المستشرقين رسم جامع الوزير وكان قد عنونه بعنوان (صاحب القبة الكبيرة) لان الجامع كله كان قبة وكان نصف هذه القبة مهدم بسبب الرطوبة ومجاورته للنهر.
وتجولت في ارجاء المكان وفي داخل المسجد وتحدثت الى من يهمه الامر هناك وحصلت على معلومات جميلة عن تاريخه وتقلبات الازمنة فيه .
ما يمكن ان نلاحظه ان هذا الجامع له خصوصية في جماليات البناء والطراز المعماري الفني النادر، خاصة وإنه يعد من أجمل عشرة مساجد تاريخية في العراق، وقد نال العديد من عمليات التأهيل والترميم منذ ثمانينيات القرن الماضي، ويؤكد المؤرخ محمود الآلوسي إن هذا الجامع كان قد انهار عام (1952م) فقامت مديرية الأوقاف ببنائه عام (1957م) بذات التصميم والزخرفة، وكانت تصدر منه صحيفة تُسمى (الثقافة الإسلامية)، وتوالى على إدارته عدد من الأئمة والخطباء؛ لأنه مركز فكري أُقيم في منطقة معروفة ببيع الكتب وتداول الأفكار والمقاهي التاريخية، وهو واحد من عشرة جوامع مهمة ونادرة.
دخلت المسجد الابيض ، أول ما قابلني كان المحراب الذي يقف طوليا امام القبلة ، تعلوه كلمة (الله) والمطوق من ثلاث جهات بالآيات القرآنية بالخط الابيض على خلفية زرقاء لازوردية ووسطه طابوق مزجج لونه يميل الى الخضرة ، كما لفتت نظري الاعمدة (الدنك) البيضاء التي توزعت على المكان حاملة أقواسا على الطراز القديم ، عاينته بتأمل من الداخل الذي لفتت نظري فيه زخارف عبارة عن حنايا ومقرنصات مزينة بآيات قرآنية وزخارف نباتية، أبدع المعماري العراقي والمهندس وحتى البناء في إنجاز هذه التحفة التاريخية، كما ان ارضه مفروشة بالعديد من (السجاد / الزوالي) الطولية المرتبة (نسجا) بشكل منظم للمصلين ، وفي المكان هناك مصلى للنساء على طرف من القاعة معزول بستائر ، فيما يمكن ملاحظة باب جانبي ونوافذ تدخل منها اشعة الشمس وثريات صغيرات تتدلى من السقف ، كما لفت نظري وجود سبعة من الكراسي البلاستيكية موضوعة امام المحراب تكهنت انها للرجال المسنين غير القادرين على الركوع والسجود ، كما انتبهت الى صندوق صغير موضوع على منضدة بلاستيكية صغيرة مكتوب عليه (سقيا الماء وعمارة المسجد والفقراء) فعرفت انه صندوق للتبرعات، كما انتبهت الى وجود شرفتين من الجهتين داخل المسجد عليهما بعض الاغراض .
ألتقيت في الجامع الشاب محمد خزعل محمود، وهو متعهد الجامع، وحدثني عنه قائلا : سبب تسمية جامع الوزير كما يقال وانا سمعتها من ابي رحمه الله لانه كان اماما في جامع الوزير وهو الشيخ خزعل الدليمي قال انه في زمن الوزير حسن باشا رحمه الله تعالى كان هناك تجار قماش فجلبوا تجارتهم بالسفن عبر نهر دجلة وكل تاجر كتب اسمه على بضاعته ، فهناك تاجر جلب بضائع جيدة واخر متوسطة وذاك رديئة وكل واحد كتب اسمه على الجزء الخارجي لبضاعته ، وكانت وسيلة النقل النهرية هي السائدة ، فيقال ان السفينة هذه غرقت في الموضع الذي بني به الجامع ، وعندما اخرجوا البضائع من النهر كانت الاسماء (ممسوحة / ممحية) كلها ، فاختلطت البضائع مع بعضها ،الجيد بالرديء بالاردأ، وبما ان تجار ذلك الزمان كانوا اهل دين وورع فما رغبوا في ان يأخذ احدهم بضاعة الاخر ، فرفعوا امرهم الى الوزير حسن باشا وكان صاحب دين وورع ، فاقترح عليهم ان يجمعوا البضاعة كلها ويتم بيعها وبثمنها يبنون مسجدا ، وبالفعل باعوا البضاعة وبثمن البضاعة بنوا الجامع فسموهم بجامع الوزير نسبة الى الوزير حسن باشا الذي اقترح عليهم الاقتراح .
واستدرك محمد خزعل : الجامع صار عمره اكثر من 360 سنة بينما الشجرة في باحته عمرها نحو 150 سنة لكنها قديمة فعلا .
وأضاف: بناء الجامع كان على النهر وقد تهدم بالتقادم ، فهو الى حد القرن التاسع عشر كان موجودا، ورسمه رحالة انكليزي في العام 1800 م ، رسم الجامع والقبة بمحاذاة النهر ، والله اعلم، كما يقال ان في ايام ثورة العشرين ولم يكن جسر (الشهداء) موجودا بل جسر قديم كان في محله مبني على الطوافات فوق نهر دجلة يسمى (جسر الكَطعة)، وكان يستخدم كممر ثابت ويربط ضفتي النهر، يقال ان الجنود صعدوا فوق منارة الجامع وهذا دليل على انه كان ضمن عقد العشرينيات ، بتأكيد ان قسما كبيرا من مساحة الجامع أخذت للشارع بسبب توسيع (الجسر القديم) في سنة (1939م) حيث نصب مجدداً ويُدعى اليوم (جسر الشهداء) ففقد سمعته،ولكن صار عليه تجديد بعد تفليشه تلقائيا ، وهذا الطابوق يعود على الاغلب الى الخمسينيات ، وهو ليس الطابوق الاصلي الذي كان بمكان الحديقة الموجودة .
وأوضح : بنى القبة رجل اسمه الحاج محمود المقدسي كان يجيء الينا في الجامع ، القبة الحالية، وهو ابن عمه عدنان المقدسي الذي بنى جامع ام الطبول .
وأكد : لا توجد اضافات على البناء الاخير الموجود الذي كان منتصف التسعينيات.
وأضاف ايضا : ابي كان في جامع الحيدرخانة منذ الستينيات ثم انتقل الى جامع الاصفية الذي فيه قبر ابو الحارث المحاسيبي (781 – 857) (جامع الكليني) حاليا ، ثم انتقل الى جامع الوزير في العام 1978 او 1976 ، وانا مذ كان عمري سنة (1979) كنت اتواجد هنا وهو البناء نفسه ، وليس فيه اي تغيير ، ولم تحدث عليه اية اضافة ، وهو نفس الحرم والقبة والمنارة نفسها ، وهو تابع للوقف السني .
كما اكد : ان محال سوق السراجين تابعة لجامع الوزير وهي وقفية لجامع الوزير ، لكن وارداتها تذهب الى هيأة الاستثمار ، التي تدير اموال الوقف السني، نحو 80 محل (دكاكين الاقواس) .
في الاخير .. كان عليّ ان اذهب لمعاينة الجامع من خارجه، من جسر الشهداء، لأطل عليه بشكل افضل، وأنا أستعيد كلاما قرأته عنه يقول (.. وقد قوي هذا الجامع على مرّ العصور، وثبت على كل الدهور ولم يختلف وضعه، إلّا أنّه في أيامنا الأخيرة أصابه الخراب، فبقى مدة طويلة مهملاً، وقد أخرجت وزارة الأوقاف من فنائه الرحب سوقاً توفيراً للمال، ولا يزال موقعه ممتازاً) ، انا الان انظره من جسر الشهداء، فهناك من الجهة المواجهة للنهر سياج عال من الطابوق يرتفع فوق سياج حديدي مكمل، تواكبه من الداخل الجامع اشجار ونخلة ، ومن جانب الجسر هناك مسقفات لكراج (مرآب) السيارات فيما تبدو صور الاهمال واضحة على العديد من الاماكن سواء في المنارة او ما تحتها وقد تساقطت العديد من القطع المزججة التي عليها كتابات او التي خالية منها وهو ما اسهم في تشويه صورة الجامع من هذه الجهة.