«مواقف ثابتة».. «السعيد» يرصد علاقات الرباط والقاهرة في عهد الملك محمد السادس
في سياق احتفال المملكة المغربية بالذكرى الـ27 لعيد العرش، الذي يصادف الـ30 يوليو من كل عام، سلط السعيد عتيق أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، والمحلل السياسي المغربي الضوء على التطور الذي حققته العلاقات الثنائية بين الرباط والقاهرة، منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش.
العلاقات المغربية المصرية
وقال السعيد عتيق في تصريح خاص لـ"سياق 24" إن العلاقات المغربية المصرية "تستند إلى أواصر وثيقة تمتد عبر التاريخ والجغرافيا، واللغة وكل ما يتقاطع في هويتهما العربية، فضلا عن العديد من تراكمات المصالح والقضايا المشتركة، وروابط الأخوة والصداقة المتينة بين شعبين يتقاطعان في وحدة المصير وتلاقي الطموحات.
واعتبر السعيد أن "هذا الإرث المشترك يجسد عمق العلاقات الأخوية بين المملكة المغربية وجمهورية مصر العربية، التي شهدت بشكل مشهود له تطورا بارزا بفضل الرؤية المشتركة لجلالة الملك محمد السادس وأخيه فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، كل هاته الروابط القوية تعكس إرادة مشتركة للارتقاء بالعلاقات الثنائية وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بما يرسخ أسس التعاون الثنائي في مختلف المجالات ويخدم مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك انسجاما مع تطلعات البلدين التنموية".
وأبرز الأكاديمي المغربي "التطور البارز الذي شهدته العلاقات المغربية المصرية بفضل الرؤية الملكية الحكيمة التي رسمت معالم دبلوماسية مغربية قائمة على الوضوح والمصداقية والفعالية، وتنويع الشراكات في إطار تكريس التعاون والتضامن بين الدول".
مسار تراكمي بين الرباط والقاهرة
ورأى أن هذا التوجه الذي تكرسه قيادة البلدين "يجسد توطيد العلاقات الثنائية بين الرباط والقاهرة مسار تراكمي من التنسيق والتعاون المشترك والزيارات المتبادلة رفيعة المستوى التي كرست التقارب الكبير بينهما".
واستحضر في هذا السياق، الدعم المستمر المعبر عنه مر الجانبين في ما يتعلق يقضايا الوحدة الترابية واستقرار البلدين في المحافل الدولية والإقليمية في ظل الأهمية المتزايدة التي تكتسيها التكتلات الدولية في سياق دولي يشهد تحولات سياسية واقتصادية متسارعة، تدفع نحو تعزيز التكتل بين الدول وتقوية التعاون والتضامن والتآزر في القضايا الوطنية السيادية، بالإضافة إلى تنويع مصادر التمويل من الأسواق الدولية الخارجية والسعي المستمر إلى تطوير العلاقات بما يضمن انفتاحا يكفل استدامة تنمية الشعوب".
وسجل أن التعاون بين الرباط والقاهرة "شكل في العديد من القضايا العربية تجسيدا لتقارب الرؤى وثبات المواقف حيث يبرز ذلك، في الملف الليبي مثلا، "إذ تحافظ المملكة المغربية تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس على مواقف ثابتة لا تتغير بتغير الأحداث أو السياقات قوامها دعم استقرار ليبيا ووحدتها باعتبارهما امتدادا لاستقرار المنطقة ووحدتها".
حل الأزمة الليبية
وتوقف السعيد عند "موقف المملكة المغربية الثابت والواضح، باعتبار أن حل الأزمة الليبية يجب أن يتم في إطار حوار ليبي-ليبي بين الأشقاء الليبيين، وهو النهج الذي عملت المملكة على ترسيخه من خلال احتضان جولات حوارية متواصلة بين المؤسسات التشريعية والقضائية الليبية، بهدف توحيد الرؤى وتقريب وجهات النظر، انطلاقا من أن الحوار يشكل السبيل الوحيد للتوصل إلى حل سياسي برعاية الأمم المتحدة، بعيدا عن التأثيرات والضغوط الخارجية".
وفي السياق ذاته، سلط السعيد الضوء على "دعم جمهورية مصر العربية التواصل المستمر مع مختلف الأطراف الليبية والمؤسسات الوطنية بهدف تحقيق تسوية سياسية شاملة للأزمة الليبية مع الحث على تعزيز دور المؤسسات المنتخبة بما يسهم في توحيد مؤسسات الدولة إلى جانب مكافحة الإرهاب، من خلال تعاون أمني مستمر، ولاسيما في مجال ضبط الحدود المشتركة".
هذا التوجه يعكس - بحسب السعيد - "الحرص المشترك بين الرباط والقاهرة على دعم ليبيا وتعزيز استقرارها ووحدتها، بما يؤكد توحيد الجهود بين البلدين خدمة لاستقرار المنطقة وأمنها".
وارتباطا بتطورات الوضع الجيو سياسي الراهن في منطقة الشرق الأوسط، توقف المحلل السياسي ذاته، عند تقاطع الرؤى بين الرباط والقاهرة.
وقال في هذا الصدد، إن "المملكة المغربية وجمهورية مصر العربية تدعمان باستمرار أمن واستقرار دول المنطقة ولاسيما دول الخليج العربي".
وأوضح "أن المملكة المغربة تؤمن بأن أمن الخليج واستقراره يشكلان جزءا لا يتجزأ من أمن المملكة المغربية واستقرارها مستندة في ذلك إلى الرؤية الملكية لجلالة الملك محمد السادس القائمة على التضامن العربي، ورفض أي مساس بسيادة الدول الشقيقة ووحدتها الترابية واعتبار أمن دول الخليج والدول العربية خط أحمر ومكملا للأمن القومي المغربي".
شراكة استراتيجية
وأكد أن "هناك مسعى دؤوب بين الجانبين من أجل إحداث تحول نوعي في العلاقات بين البلدين والسعي إلى الارتقاء بها إلى مستوى شراكة استراتيجية نموذجية ترتكز على التنسيق السياسي والاقتصادي في مختلف القضايا الإقليمية والدولية، والتعاون الاقتصادي المتكامل".
وفي هذا السياق، ذكر المحلل السياسي المغربي بانعقاد لجنة التنسيق والمتابعة المغربية المصرية بالقاهرة، "التي عكست مخرجاتها بوضوح الإرادة المشتركة للمملكة المغربية وجمهورية مصر العربية في بناء علاقات ثنائية استراتيجية واعدة تأطر هذه الدينامية بحرص قائدي البلدين جلالة الملك محمد السادس وأخيه فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، إرساء دينامية متجددة ومتطورة للعلاقات والدفع نحو الارتقاء بهذه الروابط الراسخة إلى مستوى شراكة استراتيجية".
وذهب إلى أن انعقاد اللجنة العليا المغربية المصرية "يعد حدثا بارزا يبرهن على الارادة الراسخة لدى كل من المملكة المغربية وجمهورية مصر العربية، في الارتقاء بالتعاون الثنائي إلى مستويات متقدمة وأكثر فعالية، كما يجسد هذا الحدث دينامية متنامية في العلاقات الدبلوماسية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس في الوطن العربي والقارة الإفريقية، بما يوسع آفاق شراكة أكثر شمولاوتكاملا بين الدول الصديقة للمملكة وفي مقدمتها جمهورية مصر العربية".
حصيلة عمل اللجنة الثنائية
ولاحظ أن "العلاقات المغربية المصرية تشهد اليوم مسارا جديدا منفتحا بآفاق يتسم بالثبات يعكس توجها مشتركا نحو تعزيز التعاون وبناء شراكة متقدمة تروم تقوية التنسيق في القضايا ذات الاهتمام المشترك".
واستشف السعيد من خلال حصيلة عمل اللجنة الثنائية وما أسست له من اجتماعات رفيعة المستوى وتوقيع شراكات نوعية، "حرص الجانبين على استثمار الفرص التنموية المتاحة، وكذا مواجهة مختلف التحديات المشتركة في المنطقة، هي كلها مجتمعة بمثابة إعلان وتعاقد وميثاق جديد كليا، يفتح آفاق شراكات استراتيجية تعزيزا لمكانتهما كقطبين إقليميين محوريين في المنطقة".
واستدل على ذلك بحصيلة الدورة الأولى للجنة التنسيق بين البلدين، "حيث نجد أنه تم التوقيع على حزمة من المذكرات والشراكات في مختلف المجالات الحوية حيث تم توقيع مذكرة تفاهم بين المعهد المغربي وللتكوين والأبحاث والدراسات الدبلوماسية ومعهد الدراسات الدبلوماسية المصري، وفي مجال الإسكان والتنمية العمرانية شهد هذا القطاع توقيع مذكرة تفاهم للتعاون في ميادين الإسكان والتنمية العمرانية".
وأيضا - يضيف المتحدث ذاته - "في المجال السياحي باعتباره مجالا حيويا، جرى توقيع مذكرة تفاهم في مجال السياحة، شأنه في ذلك شأن المجال الصحي والدوائي حيث تم توقيع برتوكول التعاون الصحي والدوائي بالإضافة الى توقيع بروتوكول تعاون لا يقل أهمية في مجال الكهرباء والطاقات الجديدة والمتجددة".
ولم يستثنِ التعاون بين الرباط والقاهرة، المجال الجمركي الذي يشكل -وفق المحلل السياسي نفسه - "بوابة للتعاون الاقتصادي فقد توقيع اتفاق حول المساعدة الإدارية في المجال الجمركي، كذلك المجال البيئي والتنمية المستدامة شهد توقيع مذكرة تفاهم في مجال محاربة التصحر".
وأشار كذلك، إلى توقيع اتفاق تعاون بين البلدين في مجال الشباب والثقافة، ومذكرة تفاهم في مجال تعزيز العلاقات الاستثمارية الثنائية بين الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات بالمغرب، والهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة بمصر".
وعليه، - يزيد السعيد - "يمكن القول إن الشراكة والتعاون المغربي المصري اتسم بعمق استراتيجي يتجاوز حدود المجال الدبلوماسي التقليدي، يعكس بشكل واضح تنوع الشراكات الثنائية وعمقها".
وتوقع أن يكون لتوقيع كل هذه المذكرات والشراكات "الأثر الإيجابي على تقوية دعائم راسخة من التضامن الفعال والتعاون الثنائي، بحيث سترتكز على تحقيق تكامل اقتصادي شامل بين اقتصادين واعدين في المنطقة".
دينامية مستمرة
ومن وجهة نظر الأكاديمي المغربي دائما، فإن العلاقة الثنائية بين الرباط والقاهرة "تستند إلى دينامية مستمرة من التنسيق الاقتصادي والسياسي في مختلف القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، بما يعزز فعالية التعاون ويكرس أسس شراكتهما الاستراتيجية".
ولفت إلى ما حققته المملكة المغربية وجمهورية مصر العربية "من نهضة تنموية شاملة، في ظل القيادة الرشيدة والرؤية المتبصرة لقائدي البلدين جلالة الملك محمد السادس وأخيه فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تتجلى هذه النهضة التنموية على مستوى البنيات التحتية من خلال توسيع الموانئ البحرية ورفع قدرتها الاستيعابية، وتطور المطارات وشبكات الطرق بما يسهم في تسهيل حركة الاستيراد والتصدير وتقليص مدتها".
ومن مظاهر هذه النهضة التنموية يشير السعيد إلى "توسع الشركات الوطنية التي باتت تتمتع بخبرات دولية إضافة إلى ذلك يشمل هذا التطور تحديث مجالات التكنولوجيا والصناعة وتطوير وعصرنة قطاع الزراعة، وإنشاء مناطق ومدن صناعية ومناطق حرة جاذبة للاستثمارات، مدعومة بتطوير البنية التحتية المرتبطة بالإنتاج والتصدير وفي العديد من المجالات".
وشدد على أن "البلدين حققا نقلة نوعية متواصلة بفضل القيادة الحكيمة لقائدي البلدين، ما أتاح للدولتين إمكانات وفرصا كبيرة، وموارد متعددة من شأنها ضمان ديمومة التطور وتعزيز التعاون المكثف في مختلف المجالات".
وزاد المتحدث عينه مؤكدا على أنه "من شأن هذا التطور الحاصل أن يساهم في تيسير سبل تعزيز التبادل والتعاون بين البلدين، ويحقق انفتاح فعال على الأسواق ومسارات التبادل التجاري، وتعميق التكامل الاقتصادي المغربي المصري، إضافة إلى الاستفادة من الخبرات والتجارب المتبادلة، دعما للنمو المشترك وتحقيقا لمصالح الشعبين الشقيقين، مع الأخذ بعين الاعتبار التعاون في المجال اللوجستي والنقل، الذي يتميز هو الاخر بالاستفادة من الموقع الاستراتيجي لكلا البلدين".
موقع استراتيجي
واستحضر في هذا الجانب "ما يشكله المغرب من بوابة نحو إفريقيا وأوروبا، وما تمثله مصر من حلقة ربط، وبوابة مفتوحة نحو بلدان آسيا، وباقي دول القارة الافريقية، وهو ما من شأنه بكل تأكيد أن يعزز مكانتهما كمراكز محورية للتجارة والاستثمار الإقليمي، وسيؤسس ايضا مسارا متقدماومتجددا يروم تحقيق المتكامل" .
وفي خضم هذا الزخم المتنامي على صعيد التعاون بين البلدين، أعرب السعيد عن اعتقاده بأنه "يمكن استشراف آفاق واعدة للشراكة والتعاون المغربي المصري بما يجعل مستقبل العلاقات الثنائية مرشحا لمزيد من التقارب والتكامل، في إطار من التضامن الفعلي والمواقف المتبادلة إزاء القضايا السيادية والوطنية".
المستقبل.. نظرة تفاؤل
وتابع مبينا أنه "إذا كانت مخرجات لجنة التنسيق والمتابعة المغربية المصرية تشكل اليوم محطة بارزة في مسار العلاقات بين البلدين، فإنها ستشكل حتما أرضية لتعزيز هذا المسار وتطويره عاما بعد عام، بما يرسخ تعاونا ثنائيا شاملا ومتعدد الأبعاد".
وبنظرة مستقبلية متفائلة، توقع السعيد أن "تعزز هذه الدينامية تكتل البلدين وتدعم جهود تحقيق التكامل التنموي بما يرسخ مكانة البلدين كقطبين إقليميين فاعلين وقادرين على المساهمة في تحقيق التنمية والاستقرار في محيطهما الإقليمي".
وخلص إلى العلاقات المغربية المصرية "تتمتع بإمكانات كبيرة قادرة على التطور المكثف الآني والمستقبلي بما يعكس طموح وإرادة البلدين وامكانياتهما بهدف تعزيز شراكتهما الثنائية على أسس متينة ومستدامة".