الأخبار

الروائي علي لفته سعيد: رحلتي في الحياة لم تكن سوى محاولةٍ طويلة لفهم الإنسان والعالم (حوار)

الروائي العراقي علي
الروائي العراقي علي لفته سعيد

أعرب الروائي العراقي علي لفته سعيد عن اعتزازه بالتوصيفات التي منحها اياه النقاد المصريون حول ما تتناوله رواياته ، مؤكدا في حوار مع (سياق 24) ان الكتابة ليست مجرد مواجهة مع الورق، أو اليوم مع الحاسبة والكيبورد، بل هي حالة ولادة مؤلمة، موضحا انه مولود على هيئة قلم .
ويعد علي لفته سعيد من ابرز كتاب السرد  العراقيين واغزرهم نتاجا في مجالات الرواية والشعر والنقد، فضلا عن مشاغله الصحفية.
 

*عرّف لنا نفسك؟ بكلمات وبالأسلوب الذي تختاره؟


- أنا إنسان بسيط خرج من بيئة بسيطة، وكلما تقدّمتُ في العمر شعرتُ أنني لم أغادر طفولتي حقًّا. ما زلتُ ذلك الطفل الذي يشتاق إلى حضن أمّه، ويبكيها سرًّا وعلانيةً، رغم أنّها رحلت قبل ثلاثةٍ وستين عامًا. بعض الغياب لا تقوى السنوات على محوه، بل يزداد حضورًا كلما امتدّ العمر، أنا أحمل اسمًا كلما داعبته أغنيةٌ حزينة، أو مرّ عليه صوتُ نايٍ شجيّ، توجّعت ثقوبه كأنّها تنوح على ما في هذا العالم من خيبات وآلام. ولدتُ بين أحضانٍ كثيرة، لكنني لم أجد الدفءَ الحقيقي إلا في حضن الحروف والكتب. هناك فقط شعرتُ أنّ أحدًا يفهمني دون أن أشرح نفسي، ويصغي إليّ دون أن أقول شيئًا، كانت الكتب رفيقتي الأوفى، والحروف ملاذي الأخير. هي التي بحثت عنّي حين ضعت، ومنحتني شيئًا من الاكتمال بعد النقصان، وصوتًا بعد الصمت، وطمأنينةً بعد الصخب، وسؤالًا جديدًا كلما ظننتُ أنّني وصلت إلى الجواب. ولهذا أستطيع أن أقول إنني ابنُ الكلمة قبل أيّ شيء، وإنّ رحلتي في الحياة لم تكن سوى محاولةٍ طويلة لفهم الإنسان والعالم، والبحث عن المعنى وسط هذا الزحام الكبير.

* ما السحر في الكتابة لكي تستمر معها؟


- الكتابة بالنسبة لي هي سحر السؤال الذي بدأ معي مبكرًا. منذ طفولتي وأنا أتساءل، ما جدواي في هذه الحياة؟ وكيف يمكن للإنسان أن يكتمل وهو يشعر أن شيئًا أساسيًا قد انتُزع منه منذ البداية؟، لقد وُلدتُ ناقص الحنان. كان رحيل أمي المبكر جرحًا لم يلتئم يومًا. لا أعرف تفاصيل ملامحها جيدًا، ولا أملك لها صورة أعود إليها كلما اشتدّ الشوق. لذلك كنت أبحث عنها في الحروف، وأحاول أن أرسم وجهها بالكلمات. كانت الكتابة طريقتي الخاصة لاستعادة ما فقدته، ومحاولة دائمة لترميم ذلك النقص الذي سكنني منذ الصغر، لهذا أقول إن الكتابة هي اكتمالي بعد نقصان، وهي مهجتي بعد حزن. ليست سحرًا خافتًا يعبر حياتي مرورًا عابرًا، بل هي سرّ التعلّق بالضياع حتى لا يعود، وسرّ التعلّق بالوضوح حتى لا أتيه. إنها الفاعلية التي تمنح الاستمرار معناه، وتمنح التنفس قدرته على المطاولة في مواجهة الحياة، وربما كان الحظ، أو القدر، هو الذي رماني بين الأسطر والحروف والأغلفة.
 

* هل من ذكرى خالدة من السحر الاول ذاك؟
- ما زلت أتذكر تلك اللحظة الأولى حين دخلت المكتبة العامة في سوق الشيوخ. كنت حينها في الصف السادس الابتدائي، وربما الخامس. يومها شعرتُ أن شيئًا هائلًا قد حدث في داخلي. كانت عناوين الكتب مصطفّة أمامي، لكنها لم تكن مجرد عناوين، كانت أبوابًا لعوالم مجهولة. أصابتني دهشة تشبه الصدمة، حتى إن داخلي صرخ من شدّة الانبهار، هناك اكتشفت قدرة الكتب على استلاب الوعي والدخول إلى أعماق اللاوعي، واكتشفت أن الحروف ليست أشكالًا صامتة، بل كائنات قادرة على إثارة الأسئلة وتغيير المصائر. ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلتي الحقيقية مع الكتابة والقراءة، رحلة لم تتوقف حتى الآن.. وربما أستمر في الكتابة لأنني ما زلت أحاول، بعد كل هذه السنوات، أن أكمل تلك الدهشة الأولى، وأن أجيب عن الصدمة الجميلة التي صنعتها الكتب في روحي يوم وقفت أمامها للمرة الأولى. فما أكتبه اليوم ليس سوى امتداد لذلك الطفل الذي دخل المكتبة مبهورًا، وما زال حتى الآن يطارد المعنى نفسه، ويحاول أن يفهم الحياة بالكلمات.

* متى دخلت دائرة الشهرة لأول مرة؟

- الشهرة، في تصوري، لا تأتي دفعة واحدة، بل تتكوّن ببطء من خلال المطاولة والاستمرارية. لذلك لا أستطيع أن أحدد لحظة زمنية بعينها وأقول، هنا بدأت شهرتي. ما أعرفه أن الكتابة والنشر صنعا لي هذا الحضور المتراكم عبر السنوات.
ربما بدأت الحكاية حين نشرت أول قصيدة تفعيلة في جريدة «الراصد» عام 1975، وشعرت يومها أن صوتي خرج للمرة الأولى من حدودي الضيقة إلى فضاء أوسع. وربما كانت البداية الحقيقية عندما نشرت أول قصة قصيرة عام 1980، أو حين أصدرت أول مجموعة قصصية عام 1988، فانتقلت من النشر المتفرق إلى مشروع إبداعي أكثر وضوحًا، وربما دخلت دائرة الشهرة عندما حصلت على أول جائزة تقديرية عام 1989، أو عندما نلت جائزة الإبداع عن إحدى مجموعاتي القصصية عام 1999. لا أعلم على وجه الدقة. لعل الشهرة ليست محطة واحدة، بل هي حصيلة كل هذه المحطات مجتمعة، وكل هذه السنوات التي قضيتها بين الكتابة والقراءة والنشر، والحقيقة أنني لا أعرف إن كنت مشهورًا بالمعنى المتداول للكلمة، فما زلت أنظر إلى نفسي بوصفها كاتبًا يسعى إلى إنجاز ما يؤمن به. لكن ما أشعر به يقينًا هو أن لي صوتًا مسموعًا بين القرّاء والمتابعين.

* ما الذي جذبك الى السرد وانت الشاعر الذي نعرف؟

- أجيالنا كانت تبدأ بالشعر قبل أي شيء آخر. كنا نتنفس الشعر كما نتنفس الهواء، سواء كان الشعر العربي الفصيح أم الشعر الشعبي. لذلك لم يكن غريبًا أن تكون بداياتي شعرية، فمعظم أدباء جيلي مرّوا من هذه البوابة. في ذلك الوقت لم تكن هناك هيمنة لمصطلحات مثل السارد أو الروائي كما هي اليوم، بل كان المشهد الأدبي يقوم أساسًا على الشاعر والقاص. لهذا بدأت شاعرًا، بل إنني قبل الشعر كنت رسامًا. كنت مأخوذًا بالألوان والخطوط ومحاولة الإمساك بالعالم عبر الصورة. لكنني سرعان ما اكتشفت أن الحروف المرسومة على صفحات الكتب أكثر جاذبية بالنسبة لي، وأنها تحمل سرًا لا تملكه الألوان وحدها. كانت الكلمة قادرة على أن ترسم وتوحي وتفتح أبوابًا لا تنتهي من التأويل والتخيّل، وحين بدأت أقرأ القصص، عادت إليّ حكايات أبي. تذكرت ليالي الشتاء الطويلة وهو يجلس بيننا يحكي ويسرد، أو كما نقول في لهجتنا العراقية "يسولف". كان قادرًا على أن يشدّ انتباهنا لثلاث ليالٍ متتالية وهو يتابع الحكاية نفسها، يضيف إليها ويمنحها الحياة بصوته وخياله. اليوم أستطيع أن أقول إن أبي كان الأثر الأول في تكوين السارد داخلي، والتأثير الأعمق الذي قادني نحو عالم الحكاية.

 

* ما سر ذهابك الى النقد وممارسته حتى اصدار كتب ؟
- الذي جذبني إلى النقد هو السؤال نفسه الذي صاحبني منذ البدايات الأولى لتفتح الوعي. لم أكن أقرأ لأستمتع فقط، بل كنت أقرأ لأكتشف وأفهم. كان هناك سؤال يرافقني كلما انتهيت من قراءة قصيدة أو قصة، كيف كتب المبدع نصه؟ وكيف استطاع أن يبني هذا العالم من الكلمات؟، لقد جاءت تجربتي النقدية بوصفها امتدادًا طبيعيًا لتجربتي الإبداعية، لا نقيضًا لها. فأنا أؤمن أن كل كاتب يحمل في داخله ناقدًا يرافقه أثناء الكتابة، يراجع ويقارن ويختبر ويختار. غير أنني حاولت أن أمنح ذلك الناقد مساحة مستقلة، وأن أجعله يدوّن أسئلته وتأملاته على الورق. لذلك فإن كتبي النقدية ليست سوى تطورات متعاقبة لذلك السؤال القديم الذي بدأ معي منذ الطفولة وما زال يرافقني حتى الآن. فالنقد بالنسبة لي ليس إصدار أحكام على النصوص، بل هو محاولة لفهم أسرارها، والكشف عن الطرائق التي تجعل من الكلمات عملاً إبداعيًا قادرًا على البقاء والتأثير.

 

* متى تتفرغ لمجالاتك كي تكتبها او لا موعد لها ؟
- أنا مولود على هيئة قلم، لذلك لا أنتظر الوقت بقدر ما أنتظر اكتمال اللحظة داخلّي. فالكتابة عندي ليست موعدًا محددًا، بل حالة تنبيه داخلي، كأن شيئًا يشبه الناقوس يضرب في أعماقي حين تكتمل الفكرة وتصبح جاهزة للتدوين.
الكتابة ليست مرتبطة بالفراغ الزمني، بل بالامتلاء الداخلي. حين تكتمل الفكرة تبدأ بالضغط على الوعي، كأنها تطلب الخروج من منطقة التأمل إلى منطقة التدوين. عندها فقط أبدأ الكتابة، لا لأن لدي وقتًا، بل لأن الفكرة لم تعد تحتمل التأجيل.

* ما اكثر وقت اخذته منك رواية ؟
- كثر عمل روائي أخذ مني وقتًا هو رواية "مواسم الأسطرلاب". بدأت بوادرها في بدايات الكتابة الروائية الأولى، حين كنت أدوّن محاولات سردية داخل سجل ورقي كبير، لم أكن آنذاك أدرك تمامًا ملامحها أو اتجاهها، لكنها كانت تتشكل بصمت، كأنها تبحث عن زمنها الخاص.
 

*هل سبقتها تجارب معينة ؟
- هذه التجربة الجادة في كتابتها بدأت بعد أن أنجزت ثلاث مجموعات قصصية، حين بدأت أتعامل مع السرد الروائي بوصفه مشروعًا واعيًا وليس مجرد تجربة عابرة. عندها أخذت هذه الرواية مني ما يقارب تسع سنوات من الكتابة المتقطعة، وأكثر من سبع محاولات تدوينية، بين كتابة وإعادة كتابة، وبين اقتراب وتراجع، وكأن النص كان يختبرني بقدر ما كنت أختبره.. كانت هذه الرواية مخيفة بالنسبة لي، لأنها ارتبطت بمرحلة حساسة من تاريخ المنطقة، بعد غزو الكويت، ومع تصاعد سؤال ظلّ يلاحقني بإلحاح، من يصنع الدكتاتور؟ وكيف تتحول الجماعات إلى أدوات في يد السلطة، ثم تعود لتدفع الثمن؟، كنت أرى مشاهد الحرب وكأنها ذهاب جماعي إلى مقصلة، ومع ذلك كان هناك من يهتف ويضحّي ويمنح حياته بسهولة مدهشة، وهو سؤال ظلّ يتكرر داخلي، كيف يُصنع هذا الوعي؟ ولماذا يستمر حتى اليوم بنفس الصيغة تقريبًا؟.
 

* هذه الرواية المخيفة .. هل اخذت طريقها بسلاسة الى النشر؟
- هذه الرواية كانت جريئة ومربكة في آن واحد. وعندما أنهيتها، قدّمتها إلى دائرة الشؤون الثقافية في حينها، لكن خبيرها رفضها، ثم حصلت على تقريره وقرأته، فوجدت فيه خوفًا أكثر من نقد. بعدها قدّمتها إلى وزارة الثقافة للحصول على موافقة الطبع على حسابي، وكان الخبير هناك الأديب حسب الله يحيى، فاكتفى بكلمة واحدة، "أعتذر"، وحين التقيته لاحقًا قال لي إنني مجنون، وطلب مني ألا أنشر الرواية إطلاقًا. بقيت تلك التجربة معلّقة لفترة طويلة، إلى أن تغيّر الزمن بعد عام 2003، حيث كتب حسب الله نفسه مقالًا صغيرًا عنها في جريدة "المدى"، قال فيه إنني كنت شجاعًا لكتابتها.. لاحقًا تحولت هذه الرواية إلى طبعتها الأولى الصادرة عن دار الشؤون الثقافية عام 2004، وكأنها خرجت أخيرًا إلى الضوء بعد رحلة طويلة من القلق والرفض والتأجيل، لكنها بقيت بالنسبة لي واحدة من أكثر التجارب الروائية التي اختبرت صبري ووعيي وحدود الكتابة نفسها.

 

* أي قلق يساورك مع مراحل الكتابة؟
- كل مرحلة من مراحل الكتابة تحمل قلقها الخاص، لكن القلق الأشد يبدأ في المرحلة الشفاهية، حين يكون التفكير في حالة اشتعال داخلي، محاولًا اصطياد الفكرة، ثم تحويلها إلى حكاية، ثم البحث عن الطريقة المناسبة لتدوينها. هنا بالضبط يبدأ الامتحان الحقيقي. فالكتابة ليست مجرد مواجهة مع الورق، أو اليوم مع الحاسبة والكيبورد، بل هي حالة ول٨ادة مؤلمة. إنها شعور متناقض، أن تكتب وأنت ترتجف من البرد في عز الشتاء، وأن تتصبب عرقًا في قلب الصيف، وكأنك واقف أمام مدفأة داخلية لا تنطفئ. هذا التوتر هو جوهر التجربة، وهو ما يمنح الكتابة حرارتها وحياتها.

 

* من اطلق عليك لقب خليفة نجيب محفوظ ولماذا؟
- ليس دقيقًا أن أقول إن أحدًا أطلق عليّ لقب "خليفة نجيب محفوظ" بالمعنى المباشر، وإنما ما حدث هو أن بعض النقاد العرب أطلقوا توصيفات نقدية مرتبطة بتجربتي الروائية. فقد أشار الناقد المصري الدكتور هشام عقل إلى ملامح قريبة من تجربة نجيب محفوظ في الرواية العراقية، بينما استخدم الدكتور خالد عبد الغني توصيف "نجيب محفوظ الرواية العراقية". أما الناقد وعالم النفس المصري فقد قدّم قراءة مختلفة لتجربتي الروائية، في سياق اشتغالي على بنية الواقع العراقي وتحولاته التاريخية.. وفي المقابل، أشار الناقد الجزائري الدكتور حمام محمد إلى توصيف آخر، حين عدّني "روائي الفكرة"، في إشارة إلى اشتغالي على البنية الفكرية العميقة للنص أكثر من اشتغالي على السرد بوصفه حكاية فقط، هذه التوصيفات جاءت نتيجة طبيعية لطبيعة ما كتبته، إذ إن أغلب رواياتي كانت تتتبع الواقع العراقي عبر مراحله التاريخية الممتدة، من بدايات القرن العشرين حتى السنوات الأخيرة من القرن الحادي والعشرين، محاولًا قراءة التحولات السياسية والاجتماعية والإنسانية داخل هذا الامتداد الزمني الطويل.
 

* ما الذي ميّز هذه التوصيفات بالنسبة لك ؟
- اللافت في هذه التوصيفات أنها جاءت في أغلبها من نقاد عرب، لا من داخل العراق. وربما يعود ذلك إلى أن المتلقي العربي أحيانًا يتعامل مع النص بحثًا عن الدهشة والاكتشاف، بينما ينشغل بعض النقد المحلي بالبحث عن التفاصيل الجزئية أو الهفوات التقنية. مع ذلك، لا يمكن التعميم، فهناك نقاد عراقيون مبدعون كتبوا عن تجربتي بعمق واهتمام، خصوصًا أولئك الذين هم في الأصل روائيون ويمارسون الكتابة الإبداعية إلى جانب النقد، في النهاية، هذه التسميات تبقى قراءات نقدية متعددة، وليست ألقابًا نهائية أو تصنيفات مغلقة. ما يهمني أكثر من أي توصيف هو أن يُقرأ النص في حد ذاته، وأن يجد طريقه إلى القارئ بوصفه تجربة إنسانية وفكرية، لا مجرد انتماء إلى مدرسة أو تشبيه بكاتب آخر.