معرض بغداد للكتاب.. مشاركة قياسية بـ615 دار نشر تقابلها شكاوى من التنظيم
اختُتمت، السبت 12 سبتمبر 2026، فعاليات الدورة الـ27 من معرض بغداد الدولي للكتاب، الذي أقيم على أرض معرض بغداد الدولي في منطقة المنصور، برعاية وتنظيم اتحاد الناشرين العراقيين وبإشراف وزارة الثقافة والآثار، وسط مشاركة واسعة من دور النشر والمؤسسات الثقافية العربية والأجنبية.
وشهدت الدورة مشاركة نحو 615 دار نشر ومؤسسة ثقافية من 28 دولة، بينها 17 دولة عربية و11 دولة أجنبية، إلى جانب مشاركة مؤسسات ودوائر تابعة لوزارة الثقافة عبر سبعة أجنحة، ضمت إصدارات متنوعة في الأدب والفكر والتاريخ والتراث والآثار وثقافة الطفل.

رقم قياسي غير مسبوق
ووصفت إدارة المعرض عدد المشاركين بأنه رقم قياسي غير مسبوق في تاريخ المعرض، كما أكدت أن الدورة شهدت إقبالًا جماهيريًا واسعًا وصفته بأنه الأكبر تاريخيًا. وتضمن البرنامج الثقافي إقامة 10 ندوات متنوعة يوميًا، إلى جانب الأنشطة الفنية والثقافية وحفلات توقيع الكتب، فيما أقيمت الدورة تحت شعار «بغداد عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2026».
وعلى الرغم من هذه المؤشرات، أبدى عدد من الناشرين المشاركين ملاحظات وشكاوى بشأن جوانب مختلفة من تنظيم المعرض وتكاليف المشاركة والخدمات المقدمة لهم، مؤكدين أن العائد التجاري لم يكن متناسبًا في كثير من الحالات مع حجم النفقات التي تحملوها.
تحديات المعرض
أفاد عدد من الناشرين بأن هناك التباسًا بشأن الجهة المنظمة للمعرض، إذ ينسب بعضهم تنظيمه إلى وزارة الثقافة، بينما يشير آخرون إلى اتحاد الناشرين العراقيين.
وأشار ناشرون إلى الارتفاع الكبير في تكاليف المشاركة، موضحين أن سعر المتر المربع الواحد من مساحة الأجنحة بلغ 100 دولار، وهو مبلغ اعتبروه مرتفعًا، خصوصًا مع إضافة تكاليف أخرى، من بينها رسوم تأشيرة الدخول إلى العراق، التي ارتفعت بدورها.
وأوضح الناشرون أن مشاركتهم لا تقتصر على دفع قيمة إيجار الجناح، إذ يتحمل الناشر، ولا سيما العربي، تكاليف السفر والإقامة وتذاكر الطيران وشحن الكتب إلى العراق وإعادتها، فضلًا عن النفقات اليومية الأخرى، بينما لا يحصل، وفق شهاداتهم، على خدمات تسويقية تتناسب مع قيمة ما يدفعه.
وأكدوا أن المفترض أن تشمل رسوم المشاركة خدمات تتجاوز مجرد توفير مساحة لعرض الكتب، وفي مقدمتها الخدمات الأساسية التي يحتاج إليها الناشر يوميًا، مثل توفير دورات مياه نظيفة ومياه للشرب.

شكاوى من سوء التنظيم
وفي هذا السياق، ذكر أحد الناشرين أن دورات المياه داخل المعرض لا يتجاوز عددها أربعة، ووصف حالتها بأنها «بائسة»، معتبرًا أن هذا العدد لا يتناسب مع حجم أعداد الناشرين والزوار.
كما شدد الناشرون على أهمية الدعاية والتسويق للمعرض، باعتبارهما من الخدمات الأساسية التي ينبغي أن توفرها الجهة المنظمة، مؤكدين ضرورة إطلاق حملة إعلامية وإعلانية مكثفة لتعريف الجمهور بموعد إقامة المعرض ومكانه وتشجيعه على زيارته.
وقال أحد المشاركين إنه لم يرَ في شوارع بغداد لافتات واضحة تعلن عن إقامة المعرض.
وأشار ناشرون كذلك إلى أن الجهة المنظمة كان يمكنها الاتفاق مع جهات داعمة، مثل الجامعات التي توفر دعمًا لطلابها لشراء الكتب، ووزارة الشباب والرياضة، والوزارات التي تمتلك موازنات كبيرة، ومنها وزارة النفط، بهدف دعم حركة شراء الكتب وزيادة الإقبال على المعرض، مؤكدين أن مثل هذه الترتيبات لم تتم، سواء في معارض العراق عمومًا أو في هذه الدورة تحديدًا.
أزمة إلغاء معرض النجف
كما انتقد ناشرون توقيت إقامة معرض بغداد للكتاب، معتبرين أنه غير مناسب، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة في العراق خلال فترة إقامة المعرض.
وتساءل عدد منهم عن جدوى دعوة الناشرين إلى المشاركة في ظل درجات حرارة تصل إلى 45 أو 50 درجة مئوية، موضحين أن الناشر يتحمل الظروف الصعبة لأنه صاحب مصلحة مباشرة في المشاركة، لكن الأمر يختلف بالنسبة إلى القارئ الذي قد لا يجد ما يدفعه إلى زيارة المعرض، خصوصًا خلال ساعات الظهيرة.

ووصف ناشرون توقيت المعرض بأنه «سيئ جدًا» و«عشوائي»، معتبرين أن اختيار الموعد لم يراعِ ظروف الجمهور، ومقارنته بالمعرض الآخر الذي يقام في شهر ديسمبر، حيث تكون الأجواء أكثر ملاءمة.
كما أثار عدد من الناشرين المصريين المتخصصين في الوسائل التعليمية وكتب الأطفال أزمة إلغاء معرض النجف للمستلزمات المدرسية، الذي كان من المقرر إقامته بعد خمسة أيام فقط من انتهاء معرض بغداد.
وقال هؤلاء الناشرون إنهم شاركوا في معرض بغداد بناءً على اعتبار أن معرض النجف سيقام بعده، ولذلك قاموا بشحن صناديق كتبهم إلى النجف، وتكبدوا نفقات مالية مقابل عملية الشحن.
إلا أنهم فوجئوا خلال الأيام الأخيرة من معرض بغداد بإبلاغهم بإلغاء معرض النجف، ما يعني اضطرارهم إلى إعادة شحن الكتب التي سبق نقلها إلى النجف إلى بغداد، وتحمل تكاليف إضافية، إلى جانب تغيير تذاكر الطيران والاضطرار إلى دفع فروق الأسعار للعودة إلى مصر.
واعتبر الناشرون أن إبلاغهم بقرار الإلغاء وهم موجودون في بغداد يعكس خللًا في التنظيم، وأن الناشر هو الطرف الذي سيتحمل في النهاية تكلفة هذا القرار.
خسارة مالية
وقال أحد الناشرين المصريين، معبرًا عن استيائه، إنه ترك بلده ومكتبه وعمله لمدة أسبوعين، وكان يفترض أن يعود بعائد مالي، لكنه وجد نفسه أمام خسارة مالية، بعدما خسر وقته وجهده وتعبه وأمواله أيضًا.
وانتقد ناشرون كذلك طول ساعات العمل داخل المعرض، موضحين أن المعرض استمر 12 ساعة يوميًا، قبل أن تمتد ساعات العمل خلال الأيام الثلاثة الأخيرة إلى 13 ساعة أو أكثر.
وأوضح أحد الناشرين أنهم كانوا يصلون إلى المعرض في التاسعة صباحًا ويغادرونه عند منتصف الليل، متسائلًا عن مدى منطقية إبقاء شخص واقفًا على قدميه لمدة 12 أو 14 ساعة من أجل التعامل مع القراء.
وأشار إلى أن هذا النظام غير معتاد في المعارض العربية، مستشهدًا بمعرض الكويت للكتاب، الذي يبدأ العمل فيه من العاشرة صباحًا حتى التاسعة مساء، مع تخصيص ساعتين للاستراحة في منتصف اليوم، من الواحدة إلى الثالثة ظهرًا.
مطالب بتنظيم أفضل
وأثار الناشرون أيضًا مسألة توفير أماكن مناسبة لتناول الطعام، متسائلين عن الكيفية التي يفترض أن يتناول بها الناشرون والعاملون معهم وجباتهم خلال ساعات العمل الطويلة.
وأشاروا إلى وجود مطعم داخل أرض المعرض، لكنه يكون مكتظًا طوال الوقت، ما يزيد صعوبة الحصول على الطعام خلال ساعات العمل.
وشدد الناشرون على أن المشكلة الأساسية، من وجهة نظرهم، تتمثل في الحاجة إلى تنظيم أفضل وإلى التعامل معهم باعتبارهم شركاء في إنجاح المعرض، والاستماع إلى آرائهم وملاحظاتهم قبل اتخاذ القرارات المتعلقة بالمشاركة.
وانتقد بعضهم ما اعتبروه أسلوبًا قائمًا على فرض القرارات من دون التشاور مع الناشرين، بحيث يصبح الموقف أقرب إلى قاعدة مفادها أن من يعجبه نظام المعرض يمكنه الحضور، ومن لا يعجبه فلا يأتي.
ومع ذلك، أكد غالبية الناشرين أنهم لا يستطيعون التخلي عن المشاركة في معرض بغداد، بسبب ارتباطهم بالسوق العراقية ومصالحهم فيها، فضلًا عن وجود عدد كبير من المؤلفين العراقيين الذين تنشر لهم دورهم، وهو ما يجعل حضورهم، بحسب قولهم، التزامًا تجاه هؤلاء المؤلفين.
لكن الناشرين قالوا إن المشاركة من الناحية التجارية لم تكن مربحة، وإنهم اضطروا إلى تحمل ما وصفوه بعشوائية الجهة المنظمة وسياستها غير المدروسة وعدم دقتها وعدم اهتمامها الكافي بالناشرين، لأن لديهم مصالح مباشرة في العراق.
كما أشار ناشرون إلى وجود تداخل في المسؤوليات المتعلقة بالخدمات داخل المعرض وخارجه.
وأوضحوا أن مسؤولية الخدمات داخل المعرض تقع على عاتق الشركة المنظمة، بينما تقع مسؤولية الخدمات خارج المعرض على عاتق الجهة المالكة لأرض المعرض، وهي وزارة التجارة، ومن بينها المرافق الصحية التي تخدم الناشرين والزوار.
ويرى الناشرون أن الجهة المنظمة، عندما تدفع رسوم إيجار أرض المعرض، يفترض أن تحصل في المقابل على مساحة وخدمات، وليس مجرد مساحة لعرض الأجنحة، بينما تقع مسؤولية الخدمات الموجودة داخل المعرض على الشركة المنظمة.
انتقادات عراقية
وعلى الجانب العراقي، أبدى عدد من رواد معرض بغداد للكتاب استغرابهم من غياب مؤسسات ودور نشر عراقية مهمة عن المشاركة، ومن بينها دار الشؤون الثقافية، التي وصفوا أسعار إصداراتها بأنها رخيصة ومطبوعاتها بأنها مميزة، إلى جانب اتحاد الأدباء ودار أبجد للنشر.
كما اعترض عدد من الأدباء العراقيين على طبيعة البرنامج الثقافي للمعرض، معتبرين أنه خلا، بصورة شبه كاملة، من الاحتفاء بالأدباء العراقيين، بينما تركز الاهتمام على الفنانين والأدباء العرب.
وتساءل هؤلاء عن أسباب استمرار هذا الأمر، مؤكدين أن تراجع حضور الأدباء العراقيين في برامج المعارض ليس ظاهرة جديدة.
وقال الأديب حسين رشيد إن الأديب العراقي لا يتمتع بحضور مجتمعي وشعبي كافٍ في مثل هذه الفعاليات، مشيرًا إلى أن بعض دور النشر نظمت جلسات توقيع لأدباء وكتاب عراقيين، لكنها شهدت حضورًا متواضعًا، سواء من حيث عدد المشاركين أو شراء نسخ من كتب المحتفى بهم.
وقارن رشيد ذلك بحفل توقيع كتاب لأحد مقدمي ومقدمي البرامج الفنية الذين يعتمدون على الإثارة و«الطشة» في حواراتهم مع الفنانين، موضحًا أن جمهور هؤلاء في المعارض يتجاوز جمهور الأدباء والكتاب الذين أقيمت لهم حفلات توقيع، فضلًا عن وجود حالة من النفور بين بعض الأدباء أنفسهم من حضور تلك الجلسات.
وفي ملاحظة أخرى مرتبطة براحة الزوار، طالب أحد رواد المعرض المسؤولين عن تنظيمه، انطلاقًا مما وصفه بالمصلحة العامة، بتخصيص أماكن للجلوس داخل المعرض.
وأوضح أن الزائر قد يقضي ساعات طويلة داخل أروقة المعرض، ولذلك يحتاج إلى أماكن مخصصة للجلوس والراحة، معتبرًا أن توفير هذه المساحات جزء من الخدمات التي ينبغي أن تراعيها إدارة المعرض في الدورات المقبلة.







