الأخبار

نهى الصراف: أينما أكون في العالم أتساءل: لماذا أنا هنا؟!

نهى الصراف
نهى الصراف

في الجزء الثاني من الحوار معها، تؤكد الروائية نهى الصراف أنّ السؤال الذي يراودها في أيّ مكان تكون فيه هو: لماذا أنا هنا؟، مشيرة إلى أنها لا تستطيع أن تهجر الكتابة، لأن معنى ذلك أن تهجر حياتها.

أيّ الشخصيات في قصصك تشعرين أن الحرب أنهكته وجعلت منه علامة فارقة لنبذ الحرب؟

  • أحبُّ جدًا قصة (حصالة نقود بثقب واحد)، هي قصة الشخص الذي أمضى حياته يراقبُ الحرب من دون أن يشترك بها، يراقبها عن بعد، فيجد نفسه في النهاية غير فاعل في المجتمع، كأنه غير موجود، لأن الحرب والأموات والذين رحلوا كانوا مثل العبء على قلبه، كان يراقبُ كل الأشياء التي تحدث وهو صامت من دون أن يبادر أن يكون ميتًا مثلهم، هو رجلٌ مسنّ، أحسّه يشبهني في بعض الجوانب، الصمتُ والحروبُ ولكونك تخرج حيًّا ليس كالبقية، هذه مسائل مؤلمة جدًا، تجعلك تشعر بالذنب والخزي لأنك لم تكن جزءًا من عالم الموت هذا.

لا بد للكاتب من تجربة أولى يخفيها عن النشر.. أين كانت التجربة الأولى؟

  • ليس عندي شيء أخفيه، والإنسانُ الذي يحاولُ أن يخفي الأشياء التي تعبّر عن نفسه وعن العالم المحيط به لا يصبح كاتبًا، لأنّ من شروط الكتابة المشاعر.

ما السؤالُ الذي يراودك دائمًا وليست له إجابة؟

  • دائمًا، وفي أيّ مكان أذهبُ إليه وفي أي بلد، يبقى هذا السؤال: لماذا أنا هنا؟ وماذا أفعلُ هنا؟ فتكن هويتي مشتتة، يضيعُ التركيزُ ويضيعُ الهدفُ ويبقى هذا السؤال.

فنجان قهوة وطاولة في مقهى لندني وورقة وقلم.. أي شيء يساورك للكتابة عنه؟

  • وحاسبة (لابتوب)، لأنني من زمان تركتني الكتابة بالقلم وصرت أواجهُ صعوبة، على الرغم من إن خطّي جيد، صرت أواجهُ صعوبة بالكتابة بالقلم، على الرغم من إنني أحنّ إليه، وأعتبرُ الورقة والقلم أجمل شيء ممكن أن يحصل عليه الكاتب، لكن بحكم التعوّد وهذا العالم الغريب الذي يحيط بنا صرت أستخدم اللابتوب، وأجمل الظروف المناخية التي من الممكن أن تتوفر لي هو فنجان القهوة والطاولة ووقت متاح للكتابة، فتراودني الكثير، لكن بطبيعتي لا تكون هناك فكرة محددة، أجلس وأكتب ومن ثم تخرج الفكرة، وعلى الأغلب تكون الفكرة متعلقة بالمكان وليس بالزمان، لأن عندي ارتباطًا قويًّا بالأمكنة وأكاد أشمّ رائحة الجدران القديمة والأزقة التي عمرها مئات السنين، هذا الإطار المكاني مهم جدًا بالنسبة لي.

كإمرأة أديبة، ما الصرخة التي تحاولين إطلاقها؟

  • لا يتوجب عليّ ذلك، فلماذا أصرخ؟ ولا داعي للصراخ، وببساطة من الممكن أن أكتب وأعبّر عن أفكاري، وهذا هو نوع الصراخ الذي يمارسه الكاتب، وأنا عندي تحفظ على المرأة الأديبة والرجل الأديب، وأنا أعتقد إنّ الإنسان واحد والكاتب واحد ولا يوجد شيء اسمه أدب نسوي، فهذه تصنيفات لا أعترف بها، فالكاتب لا يحتاج إلى أن يصرخ بل أن يكتب، والكتابة أحيانًا أقوى من كل الصرخات.

هل اعتقد أن بطلات قصصك عاشقات حالمات أم معنفات ومتمردات؟

  • غير محدد، قد تكون إحداهن عاشقة أو معنفة ربما أو ضعيفة الشخصية أو حزينة، أو متمردة وغير مبالية مثل كل الشخصيات التي نواجهها في حياتنا اليومية، ولكن في النهاية أنا أركز على الإنسان المهمش في المجتمع الذي يعيش في الظل ولا يشعر به بقية الناس وربما لا يحسون بوجوده.

هل تشعرين بالغربة.. أم تتوقين إليها وأنت فيها؟

  • لا أشعرُ بالغربة، فحتى تشعر بالغربة لا بد أن تكون خسرت شيئًا جميلًا وقويًّا، وعندما تجيء إلى الغربة تحسّ بفقدك هذا الشيء، ولكن أنا حياتي معقدة وقد فقدت الكثير من الأشياء على مدى محطات تنقلي، وفقدت الكثير من الأحلام ومن الأوهام ومن الأشخاص، وفقدتُ يقيني في بعض الأشياء وفقدت إيماني ببعض الأشياء، الغربة بالنسبة لي ليست عقوبة وإنما محطة للاستراحة والتأمل.

ما الأسئلة التي تقف أمامك على الورقة وأنت تفكرين للبدء بالكتابة؟

  • لا توجد أسئلة معينة، وأفترض أن تكون هذه الأسئلة تدور في رأسي منذ أيام وفجأة أجلس للكتابة وأدوّن هذه الأفكار والأسئلة، فبالنسبة لي الكتابة ليست لها بداية ولا نهاية، فالكتابة تأتي في أي وقت في اليوم فأكتب ألفي كلمة أو أكتب سطرًا واحدًا، وهي في العادة عندي لا تأتي بتخطيط ولا بأسئلة ولا بأفكار محددة، أنا أحبّ العشوائية، ومن ثم أعرف إن النص يحتاج إلى أن يبقى على ما هو عليه أو تعديلات.

هل يهمّك رأي النقاد في تجاربك الأدبية؟

  • يهمّني طبعًا، لأنّ الكاتب يحتاج رأي النقاد لأنه يحتاج إلى مرآة تعكس عمله ومستواه وهذا لا بدّ منه، وأنا يهمّني رأي القراء مهما كان مستواهم بسيطًا ثقافيًا، لكنني أعتبرهم أهمّ من النقاد، ربما قارئ واحد من الممكن أن يصنع يومي، وكثيرًا ما يحدث أنّ قارئًا أو قارئة يرسلان إليّ ويكتبان مشاعرهما بعد قراءة الكتاب هذا أو القصة المعينة أو المقال، وأحسّ من خلال كلامهما أنني أوصلتُ الأفكار إليهما، وهذا الأمر يهمّني بكثير من أي ناقد، وكما أخبرتك إنّنا نحن الذين نعيش في الخارج لا تتسلط الأضواء الكثيرة على كتاباتنا بحكم بُعد المكان، ومرات قليلة جدًا تناول النقاد كتاباتي وخاصة قصصي القصيرة، وأنا أكون سعيدة حتى مع النقد السلبي، فهذا يساعد على التطوير والإنجاز الأفضل.

متى شعرتِ إنك تريدين هجر الكتابة؟

  • ولا مرة!، فمعنى أن أهجر الكتابة أن أهجر حياتي، وحتى لو إنني في ساعات أو أشهر لا أمارس الكتابة لكنها موجودة بشكل ما في حياتي، ومستحيل أن أفكر في هجرها.

كيف تنظرين إلى واقع الأدب النسوي العراقي؟

  • أنا متابعة غير جيدة للحركة الثقافية عمومًا في العراق، بسبب، من وجهة نظري، يوجد الكثير من التشويش والتعتيم على الأقلام الجيدة، وهناك نوعٌ من الإقصاء المتعمد لبعض الأسماء المبدعة سواء نساءً أو رجالًا في سبيل تلميع أسماء أخرى لا تستحق، وهذا شيء معروف، وهذه الظاهرة في تزايد مستمر، وأتصور إنها مخطط لها، وهذا يسبب إحباطًا كبيرًا للشباب من الشباب والشابات، خاصة إن لم تكن شخصياتهم الإبداعية على قدر من الاتزان والقوة والدافعية، ربما يتركون الكتابة.

ما الذي يتأرجح في داخلك؟

  • الألم..!

هل يمكن أن يذهب خيالك إلى المدينة التي ولدتِ فيها ووصفها بكلمات؟

  • كثيرًا.. ما يذهب خيالي إلى البصرة، وسبق لي أن وصفتها، ولكن يحضرني الآن مقالٌ كتبته في جريدة العرب اللندنية بعنوان (لماذا تخاف الأمهات من النهر؟)، كان هذا مقارنة حينما كنت جالسة على نهر هنا في لندن وخطر في بالي النهر الموجود في (أبي الخصيب)، وهذه القصة فيها نوع من الحنين (النستوليجيا) إلى المدينة التي ولدت فيها.