أحمد الشامي يكشف كلمة السر في قمة البريكس.. والاختبار حتى 2030
أكد الدكتور أحمد الشامي، مستشار اقتصاديات النقل البحري واللوجستيات وعضو الجمعية العامة الأسبق للشركة القابضة للنقل في تصريح خاص ل سياق 24 ، أن قمة البريكس الـ18 في نيودلهي، المقامة يومي 12 و13 سبتمبر 2026، تمثل اختبارًا لقدرة «البريكس الموسع» على التحول من تجمع سياسي واقتصادي مرن إلى كتلة ذات أدوات تأثير فعلية، خاصة في ظل حرب روسيا وأوكرانيا، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، واضطراب الطاقة والممرات البحرية، والتنافس الأمريكي الصيني ومحاولة دول الجنوب العالمي تقليل اعتمادها على المؤسسات والنظم المالية الغربية.
وأوضح الشامي، في تصريح خاص مع “سياق 24”، أن البريكس يضم الآن 11 دولة تمثل نحو 49.5% من سكان العالم و40% من الناتج العالمي و26% من التجارة العالمية، وفق ما أعلنته الحكومة الهندية.
وأضاف أن الهند لا تريد تحويل البريكس إلى حلف معادٍ لأمريكا، وهو ما يمثل نقطة محورية لفهم القمة، مشيرًا إلى أن شعار الرئاسة الهندية هو: Building for Resilience, Innovation, Cooperation and Sustainability، أي بناء القدرة على الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة.
ولفت إلى أن نيودلهي تسعى لإعادة تعريف البريكس باعتباره منصة للجنوب العالمي وأداة للتنمية ووسيلة لإصلاح النظام الدولي، وليس تحالفًا عسكريًا أو أيديولوجيًا ضد الغرب، وهو ما يتفق مع موقف مودي الذي شدد على أن البريكس منصة تعاون للدول الناشئة وليست تحالفًا موجهًا ضد الغرب.
وأشار إلى أن تقليل الاعتماد على الدولار يمثل الملف صاحب أكبر أثر اقتصادي طويل الأجل، من خلال زيادة التجارة بالعملات الوطنية، وربط أنظمة الدفع، وتطوير المدفوعات الرقمية عبر الحدود، واستخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية، وتوسيع دور New Development Bank، وتقليل تكلفة التجارة بين الدول الأعضاء.
وأكد عدم وجود عملة بريكس موحدة جاهزة أو موعد لإطلاقها حتى الآن، موضحًا أن الهند نفسها لا تؤيد حاليًا إنشاء عملة بريكس مستقلة، وتفضل ربط أنظمة الدفع والعملات الوطنية، معتبرًا أن ذلك أكثر واقعية.
وتابع أن البريكس لا يستطيع إسقاط هيمنة الدولار، ولا في المدى القصير، لكن يمكن الانتقال من واقع الدولار باعتباره العملة الوحيدة تقريبًا للتجارة والتمويل إلى الدولار واليوان والروبل والروبية والدرهم والجنيه المصري وغيرها من عملات الأعضاء ضمن المعاهدة.
وأوضح أنه إذا أصبحت التجارة المصرية الهندية بالروبية والجنيه جزئيًا، والمصرية الصينية باليوان والجنيه، والمصرية الإماراتية بالدرهم، والمصرية الروسية بالروبل، فإن الطلب على الدولار لتسوية التجارة ينخفض هامشيًا، لكن ذلك لا يعني انهيار الدولار، نظرًا لما يتمتع به من عمق الأسواق المالية الأمريكية وسندات الخزانة وقابلية التحويل، إضافة إلى الثقة وحجم النظام المصرفي العالمي.
ورجح أن يقلل البريكس «اعتماد» الدول على الدولار أكثر مما ينهي «هيمنة» الدولار.
وأشار إلى أن سلاسل الإمداد تمثل الملف الاقتصادي الأكثر أهمية في المؤتمر، ومن أهم المسارات المطروحة في قمة نيودلهي، من خلال BRICS Global Value Chains Action Plan 2026-2030، بجانب آليات تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة والتجارة وسلاسل الإمداد، مؤكدًا أن الصراع العالمي لم يعد يقتصر على من يملك المال، بل من يملك سلاسل الإنتاج.
وأوضح أن الصين تمثل التصنيع، والهند التكنولوجيا والخدمات، وروسيا الطاقة والمواد الخام، والخليج الطاقة ورأس المال واللوجستيات، بينما تمتلك مصر قناة السويس، وموقعًا بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وقاعدة صناعية كبيرة نسبيًا، وسوقًا ضخمًا، واتفاقيات تجارية مع أفريقيا والعالم العربي وأوروبا، ما يجعلها حلقة وصل وليس مجرد سوق استهلاكي.
وبيّن أن أهمية البريكس لمصر تتمثل في زيادة التجارة مع الصين والهند وروسيا والإمارات والسعودية وإيران والبرازيل وإندونيسيا، بما يخفف فعليًا الاعتماد على الأسواق الأوروبية والأمريكية.
وأضاف أن مصر تستطيع زيادة إمكانية الحصول على تمويلات من New Development Bank، لاستخدامها في مشروعات الطاقة والنقل والمياه والبنية التحتية والتحول الرقمي والطاقة المتجددة، بما يعزز الاستثمار الأجنبي وزيادة الموارد لسداد القروض الإضافية والأولى.
وأكد أن مصر تستهدف استقطاب مصانع البريكس إلى مصر، أي توطين الصناعة والتصدير إلى أوروبا، بما يحقق قيمة اقتصادية حقيقية، مشيرًا إلى أهمية المدفوعات بالعملات المحلية التي تخفف ضغط ومشاكل تدبير العملة الأجنبية، مع ضرورة وجود توازن تجاري لتحقيق ذلك.
ولفت إلى وجود تصور مصري هندي لتطوير العلاقة داخل البريكس يقوم على الربط بين رأس المال الهندي والتكنولوجيا والصناعة الهندية، والاستفادة من الموقع المصري وقناة السويس والوصول إلى الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية، مدللًا على ذلك بالمناقشات الجارية بين مصر والهند التي سبقت القمة.
واعتبر أن الفرصة الاستراتيجية لمصر تتمثل في التحول من «دولة تستورد من البريكس» إلى «قاعدة إنتاج وتصدير للبريكس»، مؤكدًا أن البعد السياسي للقمة أهم من البعد الاقتصادي.
وأوضح أنه طبقًا للبيان المشترك الذي تم التوصل إلى صياغته، يتضمن إدانة للحرب الأحادية أو استخدام القوة دون تسمية دولة بعينها بسبب الخلافات الحادة، خصوصًا بين إيران والإمارات بشأن حرب الخليج، وهو ما يكشف أن البريكس ليس كتلة متجانسة لتاريخه.
وأشار إلى وجود تنافس استراتيجي بين الصين والهند، وصراع إقليمي ومصالح متعارضة بين إيران والإمارات والسعودية، وعلاقة استراتيجية بين روسيا والهند مع ارتباط الهند أيضًا بالولايات المتحدة والغرب، إلى جانب الصراع العالمي بين الصين وأمريكا.
وأكد أن جمع هذه الدول في كتلة واحدة لا يعني اتفاقها على كل شيء، ولا يمكن الجزم بأن ذلك نقطة ضعف، إذ يمكن أن تصبح ميزة، لأن البريكس يستطيع أن يكون أحد الأماكن القليلة التي يجلس فيها الصين والهند والروس وإيران والخليج ومصر والبرازيل على طاولة واحدة، ومن ثم يمكن اعتباره منصة تفاوض بين القوى غير الغربية وليس بالضرورة تحالفًا ضد الغرب.
وأشار إلى أن من ضمن الأجندة إصلاح المؤسسات الدولية، والأمم المتحدة، وإصلاح المؤسسات المالية الدولية، وزيادة تمثيل الجنوب العالمي، ودعم تعددية الأقطاب، وإعطاء الدول النامية وزنًا أكبر في صندوق النقد والبنك الدولي.
وأضاف أن الهند تسعى للحصول على دعم البريكس لترشيحها لمقعد دائم في مجلس الأمن، بما يعني أن القمة تحمل مشروعًا سياسيًا أوسع، يتمثل في إعادة توزيع القوة داخل النظام الدولي وليس مجرد إنشاء نظام بديل له.
وأكد أن قوة القرارات تتمثل في التجارة بين الأعضاء، والعملات المحلية، وتقليل ضغط الدولار، وتمويل التنمية، وسلاسل الإمداد، والاستثمار المتبادل، بما يزيد التأثير السياسي العالمي في مواجهة الهيمنة الأمريكية، خاصة عند إنشاء نظام مالي بديل كامل.
وأوضح أن هناك 3 عوائق كبيرة، أولها أن الصين أكبر من الآخرين، وأن زيادة قوة البريكس كثيرًا تعني أن العالم أصبح أمام تعددية أقطاب وأمام هيمنة صينية داخل كتلة متعددة الأقطاب، وهو ما تتحسس منه الهند تحديدًا حفاظًا على علاقتها بأمريكا.
أما العائق الثاني، بحسب الشامي، فيتمثل في اختلاف المصالح، إذ يضم البريكس إيران والإمارات والسعودية، والهند والصين، وروسيا ودولًا مرتبطة بالغرب، ودولًا نفطية ودولًا مستوردة للطاقة، ودولًا لديها فوائض مالية وأخرى تعاني من نقص العملات الأجنبية، ما يجعل الوصول إلى قرارات ملزمة صعبًا في ظل هذا الاختلاف.
ويتمثل العائق الثالث في غياب مؤسسات فوق وطنية قوية، فالبريكس ليس الاتحاد الأوروبي، ولا توجد حكومة بريكس أو بنك مركزي بريكس أو عملة بريكس أو برلمان بريكس أو سياسة خارجية موحدة للبريكس، ولهذا فإن وصفه بأنه «تحالف» ربما يكون مبالغًا فيه.
وخلص الشامي إلى أن قمة نيودلهي يمكن أن تكون نقطة انتقال مهمة لتقليل الاعتماد على المؤسسات الغربية وزيادة التجارة بالعملات الوطنية، مع إنشاء بنية دفع وتمويل موازية جزئيًا، وزيادة وزن الجنوب العالمي في المؤسسات الدولية، بما يعني ظهور نظام عالمي متعدد المراكز، وهو ما قد يستغرق ما يقرب من 20 سنة وليس عامين أو ثلاثة كما يتصور البعض.
وأوضح أن الفرصة لمصر في البريكس أكبر من مجرد الحصول على تمويل، مختتمًا بأن القمة قوية سياسيًا وواعدة اقتصاديًا، لكن قدرتها التنفيذية لا تزال محدودة، وأن الاختبار الحقيقي يتمثل في النتائج وما سيحدث خلال الأعوام المقبلة حتى 2030 في التجارة والعملات المحلية والاستثمار وتمويل المشروعات وسلاسل الإمداد، وهو التحدي الصحيح والواضح.