الأخبار

منتدى الاستثمار العالمي 2026.. اتفاقيات جديدة ورهانات على الذكاء الاصطناعي وتمويل التنمية.

منتدى الاستثمار العالمى
منتدى الاستثمار العالمى

لم تعد المنافسة على جذب الاستثمارات العالمية مرتبطة فقط بتكلفة الإنتاج أو حجم السوق، بل أصبحت ترتبط بقدرة الدول على امتلاك التكنولوجيا، وتأمين سلاسل الإمداد، وتوفير الطاقة والبنية التحتية والمهارات اللازمة للصناعات المستقبلية. وفي ظل هذه التحولات، استضافت العاصمة القطرية الدوحة، خلال الفترة من 25 إلى 27 أكتوبر 2026، النسخة التاسعة من منتدى الاستثمار العالمي، لبحث كيفية توجيه رؤوس الأموال نحو القطاعات والاقتصادات الأكثر احتياجًا إليها، وتحويل التعاون الدولي إلى مشروعات وفرص تنموية ملموسة.

ونُظمت الفعالية تحت مظلة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد»، واستضافتها دولة قطر تحت شعار «الاستثمار في المستقبل»، بمشاركة مسؤولين حكوميين ومستثمرين وقادة أعمال ومؤسسات دولية. وأفاد البيان الختامي بتسجيل أكثر من 7 آلاف شخص للمشاركة، إلى جانب حضور أربعة رؤساء وزراء وأكثر من 60 وزيرًا، ومشاركة متحدثين في أكثر من 80 جلسة نقاشية.

الاستثمار العالمي يدخل «عصر الاستراتيجية»

جاءت أعمال المنتدى في وقت يشهد فيه الاستثمار الدولي تغيرات متسارعة بفعل التوترات الجيوسياسية، وتزايد القيود التجارية، والتحولات التكنولوجية، والسباق نحو تأمين الصناعات الاستراتيجية. فلم تعد قرارات الاستثمار تتحرك وفق اعتبارات التكلفة والكفاءة وحدها، بل باتت الحكومات تؤدي دورًا أكبر في تحديد القطاعات التي ترى أنها ضرورية لأمنها الاقتصادي وقدرتها التنافسية.

وفي كلمته الافتتاحية، قال بيدرو مانويل مورينو، نائب الأمين العام للأونكتاد والقائم بأعمال الأمين العام، إن العالم دخل «عصرًا جديدًا من الاستثمار، هو عصر الاستراتيجية»، في إشارة إلى التحول في دور الحكومات والأسواق في توجيه رؤوس الأموال.

وأوضح أن قطاعات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة النظيفة والمعادن الحيوية تستقطب ما يقرب من نصف الاستثمارات الجديدة في المشروعات الخضراء حول العالم، بعدما كانت تمثل نحو السدس قبل خمس سنوات.

ويعكس هذا التحول أهمية الصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا والطاقة والموارد الحيوية في تشكيل خريطة الاستثمار المقبلة، لكنه يطرح في الوقت نفسه تساؤلًا حول قدرة الاقتصادات النامية على الاستفادة من هذه الفرص، في ظل تفاوت الإمكانات المالية والتكنولوجية بينها وبين الاقتصادات المتقدمة.

فجوة بين تدفقات الاستثمار واحتياجات الدول النامية .

لم تقتصر مناقشات المنتدى على حجم الاستثمارات المتاحة، بل ركزت أيضًا على وجهتها ومدى قدرتها على دعم التنمية. فوفقًا لبيانات الأونكتاد، ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر عالميًا بنسبة 6% خلال عام 2025، ليصل إلى نحو 1.6 تريليون دولار، إلا أن أكثر من 80% من التدفقات العالمية تركزت في 20 اقتصادًا فقط.

وتكشف هذه الأرقام عن فجوة في توزيع الاستثمار، إذ لا يعني ارتفاع التدفقات العالمية بالضرورة استفادة جميع الدول منها بالقدر نفسه. كما أشار مورينو إلى أن أقل البلدان نموًا والاقتصادات ذات الدخل المتوسط الأدنى تحصل على نحو 10% فقط من الاستثمارات في القطاعات الاستراتيجية، وهي حصة تقل عن نصف نصيبها من الاستثمار في القطاعات الأخرى.

وتزداد أهمية هذه الفجوة في ظل احتياج تلك الاقتصادات إلى تمويل مشروعات البنية التحتية والطاقة والصحة والغذاء، إلى جانب تطوير الصناعات المحلية وخلق فرص العمل. ولذلك ركز المنتدى على بناء شراكات تساعد الدول على تطوير استراتيجياتها الاستثمارية، وتعزيز مؤسساتها وقدراتها البشرية، وتحسين قدرتها على جذب استثمارات ذات قيمة مضافة.

الذكاء الاصطناعي.. فرص استثمارية وتحديات في التمويل والبنية التحتية .

احتل الذكاء الاصطناعي مكانة بارزة في برنامج المنتدى، باعتباره أحد المحركات الرئيسية لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، ليس فقط من خلال تطوير البرمجيات والتطبيقات، بل أيضًا عبر الاستثمارات الضخمة المطلوبة لإنشاء مراكز البيانات، وتوسيع قدرات الحوسبة، وتصنيع أشباه الموصلات، وتطوير شبكات الاتصالات والطاقة .

غير أن الاستفادة من هذه الفرص لا تتوقف على جذب الشركات التكنولوجية وحدها؛ إذ تحتاج الدول إلى بنية تحتية رقمية موثوقة، وطاقة كافية، وتمويل طويل الأجل، وكفاءات قادرة على تشغيل التكنولوجيا وتطويرها. ولهذا ناقش المنتدى سبل دعم الاقتصادات منخفضة الدخل والدول ذات الدخل المتوسط الأدنى في تخطيط استثمارات البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي.

وفي هذا السياق، أعلن المنتدى عن العمل على مبادرة لتوفير إرشادات تساعد هذه الدول على تخطيط البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي، بالتعاون مع الاتحاد الدولي للاتصالات والبنك الدولي، بما يدعم بناء قدرات محلية أكثر استدامة.

9 اتفاقيات وشراكات جديدة ونتائج في 6 مجالات .

في ختام أعماله، أعلن المنتدى عن أكثر من 20 نتيجة عملية ضمن إطار عمل الدوحة العالمي للاستثمار، موزعة على ستة مجالات ذات أولوية، شملت قواعد الاستثمار، والبيئة والمناخ، والذكاء الاصطناعي، والتمويل، والبحث، وريادة الأعمال.

كما شهد إطلاق ثلاثة تقارير إقليمية للاستثمار، وتوقيع تسع اتفاقيات وشراكات جديدة، إلى جانب تكريم خمس وكالات لترويج الاستثمار و12 رائدة أعمال.

وشملت النتائج إطلاق مبادئ إرشادية لتحديث اتفاقيات الاستثمار الدولية، وتشكيل لجنة توجيهية للعمل على تطوير مبادئ للاستثمار المسؤول في الذكاء الاصطناعي، وإطلاق زمالة عالمية للمؤسسين تهدف إلى ربط رواد الأعمال من الدول النامية بالمستثمرين والمرشدين والأسواق.

وتعكس هذه الخطوات توجهًا نحو ربط الحوار السياسي بأدوات تنفيذية تساعد على تسهيل الاستثمار، وتوسيع فرص التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات الدولية.

تحديث اتفاقيات الاستثمار.. تحرك إقليمي تقوده الكوميسا .

على المستوى الإقليمي، شاركت السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا «الكوميسا» في المنتدى بوفد قاده السفير الدكتور محمد قدح، مساعد الأمين العام للبرامج، لبحث تطوير أطر الاستثمار وتعزيز الشراكات مع المؤسسات الدولية.

ووفقًا لبيان الكوميسا الصادر في 27 أكتوبر، عرض قدح رؤية التكتل بشأن تحديث اتفاقيات الاستثمار الدولية القديمة، بما يجعلها أكثر توافقًا مع أولويات التنمية المتغيرة، ويساعد على تهيئة بيئة استثمارية أكثر ملاءمة للدول الأعضاء.

كما ناقش أهمية المبادئ الإرشادية التي أطلقها الأونكتاد لإصلاح اتفاقيات الاستثمار الدولية، والتي توفر إطارًا استرشاديًا للحكومات عند مراجعة الاتفاقيات القائمة وتحديثها.

وعلى هامش المنتدى، بحث وفد الكوميسا مع مسؤولين في الأونكتاد أنشطة تعاون مشتركة مخططا لها خلال عام 2027، لدعم تنفيذ اتفاقية الاستثمار المشتركة للكوميسا وتحديث معاهدات الاستثمار الثنائية. كما أجرى الوفد مناقشات مع ممثلين عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية والمعهد الدولي للتنمية المستدامة بشأن تعزيز الترويج للاستثمار وتطوير السياسات الاستثمارية الإقليمية.

ويكتسب هذا المسار أهمية في ظل حاجة الدول إلى قواعد استثمار واضحة ومتسقة، تحقق التوازن بين توفير الحماية للمستثمرين والحفاظ على قدرة الحكومات على تنفيذ سياساتها التنموية.

من التعهدات إلى استثمارات تحقق أثر

تكشف نتائج منتدى الاستثمار العالمي 2026 عن أن التحدي الرئيسي لم يعد يقتصر على جذب رؤوس الأموال، بل يمتد إلى كيفية توزيعها، والقطاعات التي تتجه إليها، ومدى انعكاسها على الإنتاج وفرص العمل ونقل التكنولوجيا وتحسين الخدمات.

وفي ختام المنتدى، أكد مورينو أن تجاوز اللحظات الصعبة يتطلب «حوارًا يُبقي الأبواب مفتوحة، وتعاونًا يحوّل الاتفاق إلى عمل، وتنميةً تمنح الناس مصلحة حقيقية في المستقبل».

وبذلك، يضع المنتدى الحكومات والمؤسسات الدولية والمستثمرين أمام اختبار التنفيذ: تحويل الاتفاقيات والمبادرات الجديدة إلى مشروعات فعلية، وتوسيع استفادة الاقتصادات النامية من التحولات في التكنولوجيا والطاقة والصناعة، بما يجعل الاستثمار أداة للتنمية المستدامة لا مجرد أرقام في تقارير التدفقات المالية .