محمد العلي.. رحيل شاعر جعل من الأسئلة مشروعًا للتنوير
توفى مساء الثلاثاء، الشاعر السعودي محمد عبدالله العلي، المعروف بـ«أبو عادل»، عن عمر ناهز 94 عامًا، بعد مسيرة أدبية وفكرية امتدت نحو سبعة عقود، برز اسمه خلالها كأحد أهم الأصوات التي أسهمت في تشكيل ملامح الحداثة الشعرية والفكرية في السعودية. ورغم ذلك إلا أن أسمه تشكل فى المشهد الثقافي بالأساس بناء على مشروعه الفكري الذى حمله شعره. ورغم عدم غزارة انتاجه إلا أنه ظل حاضرًا في النقاشات التي تناولت علاقة الأدب بالمجتمع والحرية وموقع العقل في تشكيل الوعي، وهي قضايا جعلت اسمه مرتبطًا بمسار الحداثة السعودية منذ ستينيات القرن الماضي.
من الأحساء إلى النجف وبغداد
وُلد محمد العلي عام 1932 في بلدة العمران بمحافظة الأحساء، وتلقى تعليمه الأولي في الكتاتيب حيث تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم. ثم انتقل مع والده إلى النجف بالعراق ودرس العلوم الدينية قبل أن يكمل تعليمه ويلتحق بكلية الفقه في جامعة بغداد وتخرج فيها عام 1962.
أحتك خلال أعوامه الدراسية فى العراق بالمناخ الثقافي والأدبي هناك وشهد تحولات مهمة في الشعر العربي الحديث، في وقت كانت فيه أسماء مثل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي تفتح مسارات جديدة أمام القصيدة. وكان لتلك التجربة أثر في تكوينه الأدبي والفكري إذ جمع بين المعرفة الدينية واللغوية من جهة، والانفتاح على أسئلة الشعر الحديث وقضايا المجتمع والحرية من جهة أخرى
عاد العلي إلى الأحساء عام 1964، وعمل مدرسا في ثانوية الدمام عام 1965، ثم انتقل إلى العمل في إدارة التعليم بالمنطقة الشرقية، قبل أن يتولى الإشراف التربوي في الهيئة الملكية بالجبيل بين عامي 1986 و1993. وإلى جانب عمله التربوي، خاض تجربة صحفية، فتولى رئاسة تحرير صحيفة «اليوم» لمدة عامين، وكتب فيها زاويته «كلمات مائية»، التي أتاحت له التعبير عن تأملاته الفكرية والثقافية.
الحداثة بوصفها مشروعًا يتجاوز الشعر
رغم ارتباط اسم محمد العلي بمسار الحداثة الشعرية بالسعودية، لكنه لم يتعامل معه باعتبارها مجرد انتقال من شكل شعري إلى آخر، أو استيراد تقنيات فنية جديدة. فقد انشغل بما وراء الشكل من تحولات في الرؤية والوعي وبالعلاقة بين الإبداع وحرية التفكير وبقدرة الثقافة على مراجعة المسلمات التي تستقر في المجتمع من دون مساءلة. وهو ما انعكس على مقالاته وكتاباته الفكرية أيضا.
ولم يقتصر تأثيره على قصائده المنشورة، بل امتد إلى دوره في النقاشات الثقافية التي صاحبت تحولات الأدب السعودي. وقد وجد فيه شعراء ومثقفون من أجيال مختلفة مرجعا للحوار والنقد لما أتاحه من مساحة للاختلاف ومراجعة الأفكار.
قلة الانتاج وسعة الأثر
من المفارقات اللافتة في تجربة محمد العلي أن مكانته الثقافية تجاوزت حجم إنتاجه الشعري المنشور. فقد كان شديد التردد في جمع قصائده وإصدار دواوينه، وظل شعره أقل غزارة من حضوره الفكري والنقدي. لكنه تعامل مع القصيدة بوصفها تجربة لا تستجيب بالضرورة لضغط النشر أو الرغبة في الاستمرار.
ومن أبرز أعماله الشعرية ديوان «لا ماء في الماء»، الذي صدر عام 2009، إلى جانب كتبه «هموم الضوء»، و«درس البحر»، و«البئر المستحيلة»، و«نمو المفاهيم: تساؤلات وآراء في الوجود والقيم»، و«حلقات أولمبية: مقالات في قضايا التنوير والحداثة».
شكلت الكتابة الصحفية جانبًا أساسيًا من حضوره العام. فمن خلالها تابع القضايا الثقافية والفكرية وقدم تأملاته في الإنسان والمجتمع، وشارك في نقاشات تجاوزت حدود التخصص الأدبي.
جائزة لمسيرة طويلة
في عام 2015، أُطلقت تسمية الدورة الأولى من مهرجان «بيت الشعر» بالدمام باسمه، وصدر كتاب تكريمي بعنوان «تلك الزرقة التي علمتنا الأناشيد»، ضم شهادات وقراءات في تجربته. وفي عام 2022، فاز بجائزة الأمير عبدالله الفيصل العالمية للشعر العربي في فرع «التجربة الشعرية»، تقديرًا لمسيرته وإسهاماته في الشعر والأدب والنقد







