الأخبار

منار رامودة: الشعر لا وطن له.. واللهجة المصرية منحتني أفقًا جديدًا للتعبير

الشاعرة المغربية
الشاعرة المغربية منار رامودة

أكدت الشاعرة والإعلامية المغربية"منار رامودة" أن ديوانها الجديد "قلبي شايل حكاوي" لا يمثل مجرد تجربة شعرية جديدة، وإنما يعكس رؤية إنسانية تنطلق من الإيمان بقيمة المشاعر وضرورة الإصغاء إليها، معتبرة أن الشعر ما يزال قادرًا على أداء دوره بوصفه مساحة للبوح والتأمل والتخفف من أعباء الحياة، حتى في ظل التحولات الثقافية والتكنولوجية التي يشهدها العالم العربي.

وفي حوار خاص ل"سياق 24"، تحدثت رامودة عن ديوانها الجديد، موضحة أن "قلبي شايل حكاوي" يحمل فلسفة تقوم على إعادة الإنسان إلى ذاته، وتشجيعه على الإصغاء لمشاعره بدلًا من تجاهلها أو دفنها تحت ضغوط الحياة اليومية. وقالت إن الإنسان يعتاد في كثير من الأحيان على إخفاء أحزانه وآلامه، ويجبر نفسه على التظاهر بالقوة لمواجهة المسؤوليات، بينما يأتي الشعر ليؤدي دورًا يشبه "المنقذ الروحي"، إذ يمنح صاحبه فرصة للتعبير عن كل ما يثقل قلبه.

وأضافت أن اختيار عنوان الديوان لم يكن عشوائيًا، بل جاء انطلاقًا من قناعة بأن كل قلب يحمل داخله حكايات لا يعرفها الآخرون، بعضها يحمل الفرح، وبعضها يحمل الوجع، وأن هذه الحكايات هي التي تشكل الإنسان في النهاية، لذلك أرادت أن يكون العنوان قريبًا من الناس، ومعبرًا عن تجربة إنسانية يعيشها الجميع، بصرف النظر عن اختلاف بلدانهم أو ثقافاتهم.

وتوقفت رامودة عند تجربتها اللافتة في كتابة ديوان كامل باللهجة المصرية، مؤكدة أنها لا ترى في الأمر غرابة، لأن الشعر في رأيها لا يعترف بالحدود أو الجنسيات أو اللهجات، وإنما ينتمي إلى الإنسان أولًا وأخيرًا.

وقالت إن علاقتها باللهجة المصرية لم تبدأ مع الديوان، وإنما تشكلت عبر سنوات طويلة من التفاعل مع الثقافة المصرية، سواء من خلال الأغنية أو السينما أو الشعر أو الدراما، حتى أصبحت هذه اللهجة جزءًا من مخزونها الوجداني، وهو ما جعلها تجد نفسها تكتب بها بصورة تلقائية.

وأضافت أن حبها لمصر لم يكن مجرد إعجاب ببلد عربي، وإنما علاقة إنسانية وثقافية عميقة، جعلت مصر تتحول بالنسبة إليها إلى ذاكرة خاصة، انعكست في كتابتها وأسلوبها، معتبرة أن الديوان يمثل صورة من صور التداخل الثقافي بين المشرق والمغرب، ويؤكد أن الإبداع الحقيقي قادر دائمًا على تجاوز الحدود الجغرافية.

وأكدت أنها لم تستعن بأي شاعر مصري معاصر لمراجعة نصوص الديوان، موضحة أن مرجعيتها الأساسية في العامية المصرية جاءت من قراءاتها المستمرة لشعر صلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي، اللذين وصفتهما بأنهما من أكثر الشعراء تأثيرًا في وجدانها الفني، إلى جانب ارتباطها بالشعر المغنى، واهتمامها بكتابة كلمات الأغاني، وهو ما جعلها أكثر اقترابًا من روح العامية المصرية وإيقاعها.

وترى رامودة أن اللهجة المصرية تمتلك خصوصية لا تتعلق فقط بسهولة انتشارها، وإنما أيضًا بما تحمله من ثراء ثقافي وقدرة على احتواء المشاعر الإنسانية في صور بسيطة وعميقة في آن واحد، وهو ما منحها مساحة تعبير مختلفة عما اعتادت الكتابة به بالفصحى أو الدارجة المغربية.

وأوضحت أن انتقالها إلى الكتابة باللهجة المصرية لم يكن بحثًا عن الانتشار، وإنما استجابة لحالة شعورية وجدت أن هذه اللهجة هي الأقدر على التعبير عنها، مؤكدة أن اللغة بالنسبة للشاعر ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة للوصول إلى الإحساس الذي يريد نقله للقارئ.

وعن استقبال القراء لهذه التجربة، قالت إنها لا تنشغل كثيرًا بردود الأفعال أثناء الكتابة، لأنها تؤمن بأن النص بعد نشره يصبح ملكًا للقارئ، وليس للمؤلف، مستلهمة في ذلك أفكار الناقد الفرنسي رولان بارت، الذي تحدث عن "موت المؤلف"، حيث يكتسب النص معاني جديدة مع كل قراءة.

وأضافت أنها تحرص على أن تصل أعمالها إلى القارئ العربي عمومًا، لا إلى القارئ المغربي وحده، لكنها في الوقت نفسه ترفض أن تجعل توقعات الجمهور قيدًا على حريتها الإبداعية، لأن الكتابة بالنسبة إليها فعل حرية قبل أي شيء آخر.

وفي حديثها عن الشعر والرواية، رفضت رامودة الدخول في المقارنات التي تتكرر حول أولوية أحدهما على الآخر، معتبرة أن الحديث عن أن الرواية أصبحت "ديوان العرب الجديد" لا ينبغي أن يُفهم باعتباره إعلانًا لانتهاء دور الشعر.

وأوضحت أن الرواية والشعر يؤديان وظيفتين مختلفتين ومتكاملتين؛ فالرواية تمتلك مساحة واسعة لتفكيك الشخصيات والعلاقات الاجتماعية والنفسية، بينما يمتلك الشعر قدرة استثنائية على تكثيف هذه التجارب في عدد محدود من الكلمات، عبر لغة رمزية وفلسفية تتطلب قارئًا يمتلك أدوات التأويل والقراءة العميقة.

وأكدت أن الشعر سيظل حاضرًا ما دام الإنسان بحاجة إلى التعبير عن مشاعره، لأن وظيفة الشعر تختلف عن وظيفة الرواية، ولا يمكن لأحدهما أن يحل محل الآخر.

وعن أبرز الأسماء التي أثرت في تجربتها الشعرية، قالت إن هناك عددًا كبيرًا من الشعراء الذين تركوا بصمة واضحة في تكوينها، وفي مقدمتهم محمود درويش، وأدونيس، وأنسي الحاج، وزاهي وهبي، موضحة أنها تنجذب إلى الشعراء الذين يجمعون بين العمق الفكري والجمال الفني، ويكتبون انطلاقًا من قضايا إنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان.

وفي تقييمها للمشهد الثقافي العربي، رفضت الصورة التشاؤمية التي ترى أن الثقافة العربية تعيش حالة تراجع، مؤكدة أنها ترى ملامح نهضة ثقافية واضحة، وإن كانت هذه النهضة تواجه تحديات لا يمكن إنكارها.

وأشارت إلى أن معارض الكتب العربية والدولية أصبحت تلعب دورًا مهمًا في جمع القراء والكتاب والناشرين، كما أنها لم تعد مجرد أماكن لبيع الكتب، وإنما تحولت إلى فضاءات للحوار وتبادل الأفكار والندوات الثقافية، وهو ما يسهم في تنشيط الحركة الفكرية.

وأضافت أن المنصات الرقمية أصبحت بدورها شريكًا أساسيًا في صناعة المشهد الثقافي، من خلال البرامج التي تقدم مراجعات الكتب، وتستضيف الكتاب، وتعرف الجمهور بالإصدارات الجديدة، معتبرة أن هذه الوسائل ساعدت كثيرًا في إيصال أصوات الكتاب الشباب إلى جمهور لم يكن من السهل الوصول إليه سابقًا.

ورغم ذلك، شددت على أن النهضة الثقافية لا يمكن أن تكتمل دون ترسيخ ثقافة السؤال، وتشجيع النقد، واحترام الرأي المختلف، لأن المجتمعات التي تتوقف عن طرح الأسئلة، في رأيها، تنتج أجيالًا تمتلك معلومات كثيرة، لكنها تفتقد التفكير النقدي والقدرة على التحليل.

وحول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، اعتبرت رامودة أن المثقف الحقيقي هو الذي يعرف كيف يتعامل مع أدوات عصره دون أن يفقد قيمته الفكرية، مؤكدة أن المنصات الرقمية ليست عدوًا للمثقف، بل يمكن أن تتحول إلى وسيلة فعالة لنشر المعرفة إذا أُحسن استخدامها.

وأضافت أن الكاتب لم يعد يستطيع الاكتفاء بكتابة الكتب وانتظار وصولها إلى القراء، وإنما أصبح مطالبًا أيضًا بتقديم نفسه وأفكاره عبر الوسائط الحديثة، بطريقة تحافظ على قيمة المحتوى وتحترم عقل المتلقي.

وأشادت في هذا السياق بتجربة عدد من الكتاب اللبنانيين، الذين استطاعوا في رأيها أن يوظفوا وسائل التواصل الاجتماعي بصورة احترافية، وأن يقدموا أنفسهم باعتبارهم كتابًا ومثقفين دون التخلي عن مستواهم الفكري، معتبرة أن هذه التجارب تستحق الدراسة والاستفادة منها.

وعن واقع النشر العربي، أوضحت أن تقييم هذا القطاع ينبغي أن يستند إلى دراسات متخصصة، لأن الكاتب لا يطلع على كل تفاصيل صناعة النشر، لكنها ترى أن النشر أصبح أكثر سهولة مقارنة بما كان عليه في العقود الماضية، سواء من حيث الإجراءات أو فرص وصول الأعمال إلى دور النشر.

وأضافت أن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد في طباعة الكتاب فقط، وإنما في كيفية وصوله إلى القارئ، مؤكدة أن اختيار العنوان، وطريقة تقديم العمل، وخطة التسويق، أصبحت عناصر لا تقل أهمية عن جودة النص نفسه.

ورأت أن الكاتب ينبغي أن يتابع تجارب غيره، وأن يستفيد من النجاحات والإخفاقات السابقة، حتى يتمكن من تطوير حضوره الأدبي، بدلًا من الاعتماد الكامل على دار النشر في التعريف بأعماله.

كما اعتبرت أن دور النشر تحاول في الغالب تحقيق توازن بين القيمة الأدبية والنجاح التجاري، مشيرة إلى أن أفضل الأعمال هي تلك التي تستطيع الجمع بين الجودة الفنية والقدرة على الوصول إلى أكبر عدد ممكن من القراء.

وفي ختام حديثها، دعت رامودة إلى إعادة الاعتبار للأدب داخل المناهج الدراسية، من خلال تدريس نصوص روائية وشعرية عربية وعالمية تسهم في تنمية اللغة والخيال والذائقة الفنية لدى الطلاب، مؤكدة أن القراءة في سن مبكرة هي الخطوة الأولى لبناء إنسان قادر على التفكير والتعبير والحوار.

كما طالبت بعودة البرامج الثقافية إلى شاشات التلفزيون والإذاعة بصورة أكثر عصرية وجاذبية، بعيدًا عن القوالب التقليدية، مع توظيف المنصات الرقمية في نشر الثقافة وتقديم الأدب إلى الأجيال الجديدة بأساليب تتناسب مع طبيعة العصر.

واختتمت الشاعرة المغربية حديثها بالتأكيد على أن مستقبل الثقافة العربية يرتبط بقدرتنا على صناعة قارئ جديد، يمتلك المعرفة والخيال واللغة، ويؤمن بأن الأدب ليس ترفًا، وإنما ضرورة لبناء الإنسان والمجتمع.