الأخبار

الشرقاوي الروداني: نجاح التعاون الأمني الروسي الإفريقي مرهون ببناء قدرات مستقلة

قمة روسيا افريقيا
قمة روسيا افريقيا

أكد الدكتور الشرقاوي الروداني، خبير الدراسات الجيواستراتيجية والأمنية، أن القمة الروسية الإفريقية الثالثة تمثل فرصة لإعادة صياغة التعاون الأمني بين الجانبين، في ظل تداخل التهديدات الإرهابية مع هشاشة مؤسسات بعض الدول الإفريقية وتصاعد التنافس الجيوسياسي على القارة، مشددًا على أن تحقيق الاستقرار لا يرتبط بحجم الحضور العسكري الأجنبي، وإنما بقدرة الدول الإفريقية على امتلاك قرارها الأمني والسيادي وبناء منظومات وطنية مستقلة ومستدامة.

وقال د.الروداني، في تصريحات خاصة لـ«سياق 24»، إن موسكو تسعى إلى توسيع حضورها الأمني والعسكري في إفريقيا، خصوصًا في منطقة الساحل، غير أن التجارب الميدانية أظهرت أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق الاستقرار المنشود، موضحًا أن الإرهاب في القارة لا يمثل مجرد تهديد مسلح، بل يرتبط باختلالات بنيوية تشمل ضعف المؤسسات، وهشاشة الحدود، واقتصاديات الجريمة العابرة للحدود.

إعادة صياغة الشراكة الأمنية

وأضاف أن الرهان الحقيقي يتمثل في قدرة التعاون الروسي الإفريقي على بناء منظومات أمنية وطنية مستقلة، بدلًا من تكريس أشكال جديدة من التبعية الاستراتيجية، لافتًا إلى أن القمة يمكن أن تشكل محطة لإعادة صياغة الشراكة الأمنية، شريطة الانتقال من منطق الدعم العسكري الظرفي إلى بناء قدرات إفريقية مستدامة.

وأوضح أن التحديات الراهنة تتطلب ما يتجاوز صفقات التسلح والتكوين العسكري، لتشمل تطوير منظومات مخابراتية متكاملة وتعزيز أمن الحدود وتفكيك شبكات التمويل والإمداد الإرهابي، مشيرًا إلى أن المعضلة الاستراتيجية تكمن في مدى قدرة الشراكة مع موسكو على نقل الخبرات والتكنولوجيا إلى الدول الإفريقية، دون تكريس تبعية عملياتية واستخباراتية جديدة.

وشدد على أن التحول الحقيقي لن يتحقق بمجرد توسيع الحضور العسكري الروسي، وإنما بتمكين الدول الإفريقية من امتلاك أدوات الاستباق والقرار والتنفيذ المستقل، بما يسهم في تحويل التعاون الأمني من علاقة اعتماد على الأطراف الخارجية إلى شراكة تستهدف بناء السيادة وتعزيز القدرات الوطنية.

التحديات الأمنية بمناطق القارة

وفيما يتعلق بتباين التحديات الأمنية بين مناطق إفريقيا، أشار الروداني إلى أن المعادلات الأمنية تختلف باختلاف الجغرافيا السياسية وطبيعة التهديدات وموازين القوى الإقليمية، موضحًا أن منطقة الساحل تواجه تمدد التنظيمات الإرهابية وتآكل سلطة الدولة، بينما يرتبط أمن شمال إفريقيا بالتوازنات المغاربية والمتوسطية، في حين يتداخل أمن القرن الإفريقي مع التنافس على البحر الأحمر والممرات البحرية الاستراتيجية.

وأكد أن هذه الاختلافات تجعل من الصعب على موسكو اعتماد عقيدة أمنية موحدة لقارة تتعدد فيها بؤر التوتر وتتباين مصالح الفاعلين، لافتًا إلى أن فعالية الشراكة الروسية ستظل رهينة بقدرتها على التكيف مع الخصوصيات السيادية والمؤسساتية لكل دولة، دون تغذية الاستقطابات الإقليمية.

وأضاف أن الرهان الجيوستراتيجي لا يتمثل في توسيع الانتشار الروسي داخل القارة، بل في المساهمة في إنتاج توازنات أمنية مستقرة تحول دون تحول إفريقيا إلى مسرح لإعادة توزيع النفوذ الدولي.

التنافس الدولي واستقلال القرار الإفريقي

وحول كيفية توظيف الدول الإفريقية علاقاتها الأمنية مع روسيا في ظل التنافس الدولي على النفوذ، أوضح الروداني أن الشراكة الأمنية مع موسكو تتيح لهذه الدول توسيع خياراتها الاستراتيجية وإعادة التفاوض بشأن شروط تعاونها مع القوى الدولية، لكنه حذر من أن تعدد الشركاء لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقلال في اتخاذ القرار.

وأشار إلى أن ارتباط الجيوش الإفريقية بمنظومات تسليح وتكنولوجيا ومخابرات تتحكم فيها أطراف خارجية قد يحد من استقلال قرارها، مؤكدًا أن أهمية الموقع الجيوسياسي للقارة تكمن في قدرتها على توظيف التنافس الدولي لخدمة مصالحها، مع تجنب الانخراط في محاور متصارعة.

ولفت إلى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تنويع مصادر التسليح ونقل التكنولوجيا وتطوير الصناعات الدفاعية الوطنية، والحفاظ على التوازنات الإقليمية، موضحًا أن الدولة التي لا تتحكم في قدراتها الدفاعية وشروط استخدامها تظل سيادتها الاستراتيجية محدودة، مهما تعددت تحالفاتها الدولية.