الأخبار

ديميتري بريجع: روسيا تسعى لتحويل علاقاتها مع إفريقيا إلى شراكات تتجاوز الإعلانات السياسية

 ديميتري بريجع
ديميتري بريجع

أكد ديميتري بريجع، الباحث ومدير وحدة الدراسات الروسية، أن القمة الروسية الإفريقية الثالثة المقرر عقدها في موسكو يومي 28 و29 أكتوبر 2026 الجاري تستهدف نقل العلاقات بين الجانبين من دبلوماسية الإعلانات إلى دبلوماسية البرامج، في ظل التحولات الدولية الراهنة وسعي موسكو إلى تعزيز موقعها في نظام عالمي متعدد الأقطاب، مشيرًا إلى أن المؤشر الأهم على طبيعة هذه الأهداف يتمثل في اعتماد خطة تعاون بين روسيا والدول الإفريقية تمتد حتى عام 2029.

برامج تعاون بإطار زمني

وقال ديميتري بريجع، في تصريحات خاصة لـ«سياق 24»، إن القمة الأولى التي استضافتها مدينة سوتشي عام 2019 كانت محطة تأسيسية للعلاقات الروسية الإفريقية، بينما انعقدت القمة الثانية في سانت بطرسبورج عام 2023 تحت ضغط الحرب وأزمة الحبوب، أما القمة الثالثة فتأتي في سياق يستدعي الانتقال من الإعلان عن التوجهات إلى وضع برامج تعاون ذات إطار زمني واضح.

وأوضح ديميتري أن الأهداف السياسية لموسكو ترتبط بأهمية إفريقيا داخل المؤسسات الدولية، إذ تمثل الدول الإفريقية 54 صوتًا في الجمعية العامة للأمم المتحدة بما يزيد على ربع أعضائها، وهو ما يمنحها وزنًا في المحافل الدولية ويجعلها إحدى الركائز التي يستند إليها الخطاب الروسي بشأن بناء عالم متعدد الأقطاب.

وأضاف أن موسكو تسعى إلى تحويل الدعم الإفريقي أو الحياد الإفريقي على الأقل، إلى رصيد مستقر في المحافل الدولية، مقابل دعم المطالب الإفريقية بتمثيل دائم في مجلس الأمن، بما يعكس تداخل المصالح السياسية والدبلوماسية بين الجانبين.

بدئل روسية لأوروبا

وعلى المستوى الاستراتيجي، أشار بريجع إلى أن روسيا تبحث عن منافذ لوجستية ومالية بديلة في ظل تقلص سوقها الأوروبية، ومن بين المجالات التي تكتسب أهمية في هذا السياق موانئ البحر الأحمر، والمنطقة الصناعية الروسية في محور قناة السويس، والتسويات التجارية بالعملات الوطنية.

ولفت إلى أن البعد الأمني يمثل جانبًا آخر من الحضور الروسي في القارة، خصوصًا في منطقة الساحل، حيث أصبحت موسكو شريكًا أمنيًا مباشرًا لعدد من الحكومات الإفريقية.

الطموحات الروسية 

وفيما يتعلق بقدرة روسيا على تحويل تعهداتها في مجالات الطاقة والأمن الغذائي ونقل التكنولوجيا إلى شراكات تنموية مستدامة، أكد بريجع أن هناك فجوة حقيقية بين الطموحات الروسية والأدوات الاقتصادية المتاحة، موضحًا أن الصادرات الروسية إلى إفريقيا بلغت 22.7 مليار دولار في عام 2025، بتراجع نسبته 6.5%، مقابل واردات روسية من الدول الإفريقية بلغت 4.4 مليار دولار.

وأشار إلى أن حجم تجارة الاتحاد الأوروبي مع إفريقيا يتجاوز 300 مليار دولار سنويًا، وهو ما يعكس الفارق في حجم الحضور التجاري بين الجانبين، مضيفًا أن روسيا لا تستطيع المنافسة على أساس حجم التجارة وحده، كما لا تمتلك مصارف تنمية بحجم المؤسسات الصينية، فضلًا عن القيود التي تفرضها العقوبات على التمويل والتأمين والتحويلات المالية.

 الضبعة النووية في مصر

وأوضح أن موسكو لا تراهن بالضرورة على حجم التجارة بقدر اعتمادها على قطاعات نوعية تمتلك فيها مزايا تنافسية، وفي مقدمتها الطاقة النووية من خلال شركة «روساتوم»، مستشهدًا بمشروع محطة الضبعة النووية في مصر نموذجًا لهذا التعاون.

وأضاف أن الأمن الغذائي يمثل مجالًا آخر للتعاون، في ظل اعتماد بعض الدول الإفريقية على القمح الروسي بنسبة تتراوح بين 40% و60% من احتياجاتها، كما تطرح موسكو خبراتها في الحوكمة الرقمية، بما يشمل الإدارة الضريبية والرقمنة، باعتبارهما مجالين ذوي أولوية للدول الإفريقية.

وأشار بريجع كذلك إلى أهمية التعليم والتدريب بوصفهما استثمارًا طويل الأمد في النخب الإفريقية، بما يتيح بناء روابط تتجاوز التعاملات التجارية المباشرة.

وشدد على أن تحويل هذه الأدوات إلى شراكة تنموية مستدامة يتطلب ثلاثة شروط رئيسية؛ أولها التوسع في التصنيع المحلي بدلًا من الاكتفاء بتصدير المواد الخام، خصوصًا في مجالي الأسمدة وتجهيز الحبوب، وثانيها ربط المشروعات بمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وثالثها بناء آلية مستقلة للتمويل وتسوية المعاملات بعيدًا عن النظام المالي الغربي.

وأكد أن غياب هذه الشروط سيُبقي العلاقات في إطار تجارة السلع، بدلًا من الارتقاء بها إلى مستوى الشراكة التنموية المستدامة.

التعددية القطبية ومصالح موسكو وإفريقا

وحول ما إذا كانت روسيا تسعى إلى بناء شراكة متكافئة مع الدول الإفريقية أم توظيف علاقاتها لتعزيز أوراقها السياسية والدبلوماسية، رأى بريجع أن صياغة السؤال في صورة ثنائية تنطوي على قدر من التبسيط، موضحًا أن العلاقات الدولية في مرحلة التعددية القطبية تقوم على المصالح المتبادلة، وأن كل طرف يوظف علاقاته مع الطرف الآخر بدرجة ما.

وأضاف أن روسيا تحتاج إلى إفريقيا لتخفيف عزلتها وتعزيز موقعها التفاوضي، بينما تسعى الدول الإفريقية إلى الاستفادة من الحضور الروسي لتنويع شركائها ورفع سقف التفاوض مع الغرب والصين، وهو ما وصفه بتعدد الانحيازات، مشيرًا إلى أن مصر تمثل نموذجًا واضحًا لهذا النهج.

وأوضح أن الحكم على طبيعة العلاقة الروسية الإفريقية لا ينبغي أن يستند إلى النوايا المعلنة، بل إلى مؤشرات قابلة للقياس تكشف مدى التقدم الفعلي في التعاون بين الجانبين.

طبيعة العلاقات الروسية الإفريقية

وحدد بريجع أربعة مؤشرات يمكن من خلالها تقييم مخرجات القمة الروسية الإفريقية الثالثة: 

أولها مستوى الحضور السياسي، موضحًا أن قمة سوتشي شهدت مشاركة أكثر من 40 رئيس دولة، مقابل 17 زعيمًا في قمة سانت بطرسبورغ، معتبرًا أن عدد القادة المشاركين في قمة موسكو سيكون مقياسًا مباشرًا لمستوى الثقة الإفريقية.

ويتمثل المؤشر الثاني في تطور التجارة بين الجانبين، إذ أشار إلى ارتفاع الواردات الروسية من إفريقيا بنسبة 26% خلال عام 2025، معتبرًا ذلك بداية إيجابية، رغم استمرار اختلال الميزان التجاري بنحو خمسة إلى واحد لصالح روسيا.

أما المؤشر الثالث، فيتعلق بمدى تضمن مخرجات القمة آليات واضحة للتنفيذ والتمويل، بما يحدد قدرة الطرفين على تحويل الاتفاقات والتعهدات إلى مشروعات قابلة للتطبيق، فيما يتمثل المؤشر الرابع في طبيعة النتائج النهائية، وما إذا كانت ستؤسس لتعاون أكثر توازنًا واستدامة أم ستقتصر على البيانات السياسية.

واختتم بريجع بالإشارة إلى أن تضمين المخرجات آليات تنفيذ وتمويل واضحة سيعكس انتقالًا فعليًا نحو شراكة أكثر توازنًا بين روسيا والدول الإفريقية، بينما سيعني الاكتفاء بالبيانات السياسية استمرار العلاقة في إطار التوظيف المتبادل، وهو إطار قد يحقق فوائد للطرفين، لكنه لا يرتقي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.