الأخبار

هل يصنع الإنترنت مجرمين؟.. أخصائي نفسي يفكك علاقة المراهقين بالمحتوى العنيف

الأخصائي النفسي أحمد
الأخصائي النفسي أحمد رضوان

أكد الأخصائي النفسي أحمد رضوان أن تعرض الأطفال والمراهقين للمحتوى العنيف عبر الإنترنت لا يعني بالضرورة تحولهم إلى أشخاص عنيفين أو مجرمين، موضحًا أن العلاقة بين مشاهدة العنف والسلوك العدواني أكثر تعقيدًا، وأن المحتوى العنيف قد يمثل عامل خطر عندما يتزامن مع عوامل أخرى، بينها التنمر والصراعات الأسرية والعزلة والاندفاعية والعدوان السابق وتوافر وسائل إيذاء الآخرين.

وفي تصريحات خاصة لـ«سياق 24»، قال أحمد رضوان إن وجود محتوى عنيف على هاتف أو جهاز شخص ارتكب جريمة لا يثبت أن هذا المحتوى تسبب في ارتكابها، مشددًا على ضرورة التمييز بين زيادة بعض السلوكيات أو الأفكار العدوانية وبين ارتكاب جرائم عنيفة. 

التعرض للعنف يُفقد الحساسية تجاهه

وأوضح أن التعرض المتكرر للعنف قد يؤدي لدى بعض الأطفال إلى انخفاض حساسيتهم تجاه المشاهد العنيفة، أو إلى النظر إلى العدوان باعتباره وسيلة مقبولة لحل النزاعات، خاصة عندما يقدم المحتوى المعتدي باعتباره شخصية قوية أو بطولية.

وجاءت تصريحات “رضوان” في أعقاب حادث إطلاق النار الذي شهدته مدرسة ديبسيرين نونثابوري قرب العاصمة التايلاندية بانكوك، في 7 أغسطس الجاري، عندما أطلق طالب يبلغ من العمر 14 عامًا النار، ما أسفر عن مقتل 9 أشخاص وإصابة 23 آخرين. وقالت الشرطة التايلاندية عقب الحادث إن المراهق كان مهتمًا بالأسلحة ويتابع محتوى عنيفًا ويتعلم عن الأسلحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما سبق أن أحضر مسدسًا بلاستيكيًا إلى المدرسة وصادره أحد المعلمين.

وأشار إلى أن الأدلة العلمية المتراكمة خلال العقود الماضية تشير إلى وجود ارتباط بين التعرض للعنف الإعلامي وبعض أشكال السلوك العدواني، مستشهدًا بدراسة طويلة تابعت 329 طفلًا لمدة 15 عامًا، ووجدت ارتباطًا بين مشاهدة العنف خلال الطفولة وارتفاع السلوك العدواني في مرحلة الشباب، خصوصًا عندما يتماهى الطفل مع الشخصيات العدوانية ويعتبر العنف واقعيًا.

 عدم الخلط بين السلوك العدواني والجرائم

وأوضح أن دراسات أخرى أجريت على المراهقين توصلت إلى أن التعرض للعنف عبر وسائل الإعلام يمكن أن يكون من العوامل المرتبطة بالسلوك العدواني، لكن تأثيره لا يظهر بالدرجة نفسها لدى جميع الأشخاص، بل يتزايد عندما يترافق مع عوامل خطر أخرى، مثل الاندفاعية والصراع الأسري.

وفيما يتعلق بألعاب الفيديو العنيفة، لفت "رضوان" إلى ضرورة عدم الخلط بين السلوك العدواني والجرائم العنيفة، موضحًا أن بعض الدراسات وجدت علاقة بين ألعاب الفيديو العنيفة وزيادة الأفكار والمشاعر العدوانية وبعض أشكال السلوك العدواني، إلا أن ذلك لا يعني وجود دليل يثبت أن هذه الألعاب تدفع الأشخاص إلى ارتكاب جرائم عنيفة.

وأكد أن مرحلة المراهقة تمثل فترة أكثر حساسية للتأثر بالمحتوى وبالأقران، بسبب استمرار تطور القدرات المرتبطة بضبط الاندفاع واتخاذ القرار وتقدير النتائج طويلة المدى، في وقت تكون فيه أنظمة المكافأة والانفعال والبحث عن الإثارة نشطة بدرجة كبيرة.

وأشار إلى أن الفروق الفردية والبيئة المحيطة بالمراهق تلعب دورًا أساسيًا، موضحًا أن الطفل الذي يعيش في أسرة مستقرة ويحظى بعلاقات داعمة ليس في الوضع نفسه لطفل يعاني التنمر أو العزلة أو الصراعات الأسرية أو العدوان المستمر.

وتدعم دراسات مصرية هذا الطرح. إذ أظهرت دراسة اعتمدت على بيانات 5138 مراهقًا مصريًا تتراوح أعمارهم بين 11 و17 عامًا، وجود ارتباط بين التنمر والاكتئاب وزيادة احتمالات السلوك العنيف، بينما ارتبط وجود والدين متفهمين وأصدقاء داعمين بانخفاض هذه الاحتمالات.

كما أظهرت دراسة أجريت على طلاب مراهقين في المنصورة ارتباط بعض أنماط السلوك العنيف بتقليد العنف المشاهد في التلفزيون، إلى جانب عوامل أخرى، من بينها الميل إلى المخاطرة والمشكلات السلوكية والعقاب البدني.

 أهمية الانتباه للتغيرات المفاجئة 

وأكد رضوان أن العنف بين المراهقين ظاهرة متعددة الأسباب لا يمكن اختزالها في الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي، موضحًا أن المحتوى العنيف قد يكون أحد العوامل التي تزيد الخطر لدى بعض الأشخاص، لكنه لا يمثل تفسيرًا منفردًا للسلوك الإجرامي.

وشدد على أهمية الانتباه إلى التغيرات المفاجئة في سلوك الطفل، خصوصًا زيادة العدوان والتهديدات والانشغال غير المعتاد بالعنف أو الموت والحديث الجاد عن الانتقام، مؤكدًا أن وجود علامة واحدة لا يعني أن الطفل يمثل خطرًا، وإنما تستدعي مجموعة المؤشرات المتزامنة تدخل الأسرة والمدرسة والمختصين.

ودعا إلى تبني سياسات مدرسية تركز على الوقاية، من خلال توفير قنوات آمنة للإبلاغ عن التنمر والتهديدات، وتدريب المعلمين على ملاحظة التغيرات السلوكية، وتوفير مختصين نفسيين مؤهلين، والتعامل الجاد مع التهديدات المحددة، إلى جانب تعزيز الرقابة الأسرية الواعية على المحتوى الذي يتعرض له الأطفال دون تحويلها إلى تجسس دائم.

وختم ، بالتأكيد على أن التعامل مع هذه الظاهرة يجب ألا يقوم على البحث عن «مذنب واحد»، وإنما على فهم التفاعل بين العوامل النفسية والأسرية والاجتماعية والسلوكية والمحتوى الرقمي والبيئة المحيطة بالمراهق، مع التركيز على التدخل المبكر قبل أن تتحول مؤشرات الخطر إلى سلوك يصعب احتواؤه.