القصْرُ الأبيضُ.. ذاكرةٌ ملكيّةٌ بغداديّةٌ لكنّهٌ مهملٌ وتعيس
عَلامةٌ فارقةٌ في المكان الذي هو فيه، قَصرٌ أبيض ناصعٌ ، ترتسمُ عليه سماتُ الملكيّة ، لكنهُ شاخ وقد صار عمرُه 92 عاماً فتعبتْ ملامحُه حتى ذبلتْ.
يمرُّ العابرونَ منهُ ولا ينظرونَ إليه بلْ لا يبصرونهُ أو لا يعرفونهُ لأنهُ ما عاد يلفتُ الانتباه لا ببياضهِ ولا بشكلهِ ولا بكونهِ جثةً هامدة تفوحُ منها رائحةُ الاسى، وربما لا يراودهم سؤالٌ عنه ، فهو مجردُ مبنى قديم مهمل متروك على قارعة طريقٍ تمرُّ السيارات منه سريعة ، وإن كان موقعُه في قلب بغداد وكإنه في المكان علامة فارقة ، يحاولُ ان يشرئبَ برأسه لكنهُ لا يستطيعُ فكلُّ شيءٍ فيه مثخنٌ بالاهمال والتهميش.
حينَ وقفتُ بالقرب منه ذات صباحٍ ، ذهبتُ لأقرأ على بعض جدرانه كتاباتٍ مختلفة بألوانٍ متباينة وملصقات إعلانات شوّهتْ التشوّهات التي عليه ليكونَ قبحُها أقبح !!، فيما أبوابه ما بين عتيقة وصدئة أو مغلقة بـ (صبّات / كتل) كونكريتية ، وتبدو على أجزاء منها آثارُ تهرؤ بائس فيما الاشجارُ الكثيفةُ غير المنسقة ولا المشذبة تحجبُ الرؤية ولا يتضحُ من بياضه الذي يحملُ إسمه سوى ملامح عتيقة، مجرد بقع قاتمة تنامُ على جسده كإنها طُليتْ بطلاءٍ سيء .
أبوابُهُ المتوزعةُ، على ثلاث جهاتٍ ، كانت مغلقة، تؤكدُ انّ الصدأَ الذي فيها متوغلٌ من سنوات بعيدة ، حين زرتهُ لأستطلع أحواله وهو بعمر 92 عاماً ، لا شيء مدهش فيه سوى ما تختزنهُ الذاكرةُ له عبر الكتابات الكثيرة عنه ، لا أحدٌ فيه سوى الصمت أو الصدى الذي يترددُ من الأصوات التي من حوله ، ولكنني حين سألتُ عنه قيل له : هناك حارسان له لكنهما يتواجدان ما بين الساعة 8-11 صباحا فقط ، يتناوبان أحيانا، لكنني لمْ أرَ أياً منهما ، فالقصرُ مجردُ بناء خالٍ كما يبدو ، لذلك حاولتُ أن أمدّ رأسي من فوق سياجه الذي إرتفاعُه نحو مترين ، صعدتُ على كتلة صخرية وأستعنتُ بالكاميرا لإلتقاط ما يمكنني لأرى ما يمكنني منه ، كانت أرضُهُ عبارة عن أحراشٍ ونباتات عشبية فوضوية لمْ تعرف التشذيب .
يقعُ القصرُ الابيضُ في حي السعدون ببغداد، المحلة 102، مقاطعة البتاويين التابعة لناحية الكرادة الشرقية، على شارع النضال، على مسافة ليست بعيدة من ساحة الطيران، وتبلغُ مساحته نحو 2500 متر مربع، فيه حديقةٌ كبيرةٌ، ويتميزُ تصميمه المعماري بقبّة رئيسية شُيدتْ فوق قاعة إجتماعات فسيحة، إلى جانب غرفِ ضيافة وملحقات خدمية متنوعة ليكون دارَ ضيافة لإستقبال كبار الشخصيات التي تزور بغداد، والمميز في كونه علامة فارقة في المكان ان الشوارع القريبة والمساكن المحيطة به تُسمّى على اسمه، فيقال منطقة القصر الأبيض .
وحسب الزميل الصحفي الرائد زيد الحلي إنهُ في مساء يومٍ ماطرٍ، من العام 1933، طلب الملك غازي (1912 – 1939) من (أمين العاصمة) الحضورَ الى قصر الزهور لأمرٍ مهم، وفعلاً حضر الامينُ وأثناء جلوسه تحت القبة الدائرية في القصر الملكي، أظهر الملكُ الشابُ الذي لم يمْض على إعتلائه عرش العراق سوى بضعة أيام، صورةً للقصر الأبيض في واشنطن، قائلاً : أريد قصراً مقارباً له في بغداد .
ويضيف :خرج أمين العاصمة أرشد العمري (1888 - 1978)، وبيده الصورة الفوتوغرافية، وفي اليوم التالي تدارس مع طاقمه الهندسي قرار الملك ثم توالتْ الاجتماعاتُ واستقر الرأي على مشاركة مهندس أجنبي في التنفيذ، بعد أن تمّ اختيار منطقة (بارك السعدون) لبنائه وسط بغداد، وكانت من أجمل المناطق، وبعد نحو عام اكتمل البناء، وافتتحهُ الملكُ بحضورٍ رسمي وشعبي كبير.
بالفعل، افتتحه الملكُ غازي في العام 1934 في عهد أمين بغداد آنذاك أرشد العمري، وسُميّ بالقصر الأبيض بسبب لونه الأبيض، وقد مرّ بمراحل مختلفة تخلّى فيها عن مهمته وتناوبتْ عليه التحولات، فبعد ثورة 14 تموز 1958 تحولتْ ملكية القصر إلى أمانة بغداد وفي السبعينيات أصبح متحفاً عسكرياً تابعا لوزارة الدفاع امتلأت غرفه وأروقته بالأسلحة التاريخية وكل ما يخصّ الجيش العراقي، وفي التسعينيات أصبح مقراً للرواد من الفنانين والمثقفين لإقامة النشاطات والجلسات الثقافية حيث ألحق بوزارة الثقافة..، وبعد أحداث العام 2003 جرى إستغلاله من قبل أصحاب الصحف، ثم عُقدت تحت قبة القصر الابيض العديد من الإجتماعات لتشكيل منظمة موحِدة لمنظمات المجتمع المدني لغاية 2006 حينما قامت جريدة البينة بإتخاذه مقراً لها ،لكنني قرأتُ لافتةً على أحد جدرانه عليها ما يأتي (بناية القصر الأبيض / مشروع متحف الشمع/ منتديات بغداد الثقافية / المديرية العامة للعلاقات والإعلام / أمانة بغداد) كما قرأتُ على أحد الجدران (النقابة العامة للمهن الرياضية) !!، فيما قال لي بائع الشاي الواقف لصق سياج القصر أنّ القصرَ مغلقٌ منذ عامٍ ونصف، لكنه لا يعرف من كان يشغله ، موضحا انه يعرف ان حارسين يحرسانه صباحا ..فقط !!.
درْتُ دورة كاملة حول القصر ، تارة أتأمل الأشياء البارزة منه ، وتارة أخرى أنظر اشجاره الباسقات وأتكهن إنّ يداً لم تمتدّ إليها فظلتْ ملتفة على نفسها من غير تشذيب، فيما اللونُ الابيض فقد روحه الناصعة .
وكان عليَّ أن أعود بذاكرة الناس الى ما كان عليه القصر الأبيض ببياضه الناصع الموشحة حوافه وكذلك سياجه باللون الأزرق، تشاهده يتلألأ وتراه يزهو بروعته وبهجة قبته الملفتة للعيان وحديقته المرتبة جداً التي تتوسطها دائرة اسمنتية صغيرة بثلاثة اتجاهات تؤدي نحو ثلاثة أبواب تحيط بها ممران إسمنتيان على شكل قوسين من مبنى القصر الى نهاية الحديقة فيما ارصفة القصر الخارجية نظيفة وخالية من اية هوامش .
لكنَّ المثيرَ، أنّ المنطقة التي يقعُ فيها القصرُ الابيضُ قد أهملتْ بشكل كبير وتحولتْ إلى منطقة صناعية وورش لتصليح السيارات مما تسبب بقتل المنطقة وإضمحلال الحركة السياحية في حين كانت إضافة لـمنطقة (بارك السعدون) التي تقع على مقربة من مكان القصر الأبيض التي تعد من أرقى مناطق بغداد وأهمها في زمن الحكم الملكي.
أتوقفُ عن بعض المارين من هناك لأسألهم عنه ، قال رجلٌ في الستين من عمره : مؤسفٌ ما نراه لهذا القصر الجميل، وأضاف: هذه الأماكنُ جزءٌ من ذاكرة بغداد التاريخية التي يجب أن تحظى بقدر كبير من الاهتمام والرعاية .
وقال رجلٌ آخرٌ بعد ان تجاذبتْ معه اطراف الحديث عن القصر : ان القصر الابيض امانة كبرى في عنق القائمين على وزارة الثقافة على الاقل، فلنحافظ عليه من سراق الغفلة، ونعيد اليه ماضيه الجميل.
ثم ذهب ليستذكر شيئا من الماضي قائلا : كنت دائما أنظر اليه ، يوم كان الباصُ الاحمرُ ذو الطابقين يسيرُ بمحاذاته، وكنت أسعد بمشاهدته من الداخل .
هذا القصر كان دار ضيافة للعديد من الشخصيات ، ولكنّ البغداديين يذكرون إنّ شاه يران محمد رضا بهلوي (1919 – 1980) أُستضيف فيه بعد هروبه من إيران أثر ثورة مصدّق في 16 آب عام 1953 ، وذكر شاهدُ عيانٍ شيوعي انه شاهد الشاه أثناء مرور موكب الشاه في شارع الرشيد وعند محلة سيد سلطان علي قادماً من مطار بغداد ومتوجهاً إلى القصر الأبيض، وحينها نظم الحزبُ الشيوعيُّ العراقيُّ فعالية ضد الشاه الهارب حيث رشق المشاركون فيها موكب الشاه محمد رضا بهلوي بالطماطم والبيض الفاسد !!.
كما يذكرون حكاية الرئيس اليمني عبد الله السلّال (1917م -1994) ، الذي جاء في زيارة رسمية إلى العراق عام 1967، ولكنْ تمّ إبلاغه من قبل وزير الداخلية العراقي شامل السامرائي آنذاك، بأن انقلاباً وقع على حكمه في اليمن، فما كان منه إلا البقاء لمدة سنتين في القصر الأبيض ليعود إلى بلاده بعد الاستقرار السياسي وعودة الأمور إلى طبيعتها الأولى.
نظرة أخيرة للقصر الابيض قبل مغادرة المكان ، لا أجد الا أنّ أقول انّ القصر الآن مهملٌ مقفلٌ، وإذ لا بد من كلمة ، فأنقلُ ما قالهُ عنه الصحفي زيد الحليّ : القصرُ الابيضُ يقبعُ حالياً، مكسورُ الجناح في مكانه الأصلي بشارع النضال وقد تشققتْ واجهاته، وتغيّر لونهُ بفعلِ غدر الزمن، وإنتشار الورش والمعامل الأهلية في محيطه، وتحوّلتْ حدائقُهُ الغنّاء الى أشجار ميتة، وسط أرضٍ سبخة.


