الأخبار

إياد أبو روك: المنفى هو "اللانتماء" يبدأ من الداخل قبل أن يكون مكانً (حوار)

إياد أبو روك
إياد أبو روك

يواصل المخرج الوثائقي والروائي الفلسطيني إياد أبو روك استكشاف أسئلة المنفى والهوية والإنسان، لكن هذه المرة عبر الرواية. ففي عمله الجديد "عبيد الجنة"، يتناول الهجرة بوصفها رحلة داخل النفس بقدر ما هي انتقال بين البلدان، كاشفًا أن البحث عن "الجنة" لا ينهي معاناة الإنسان، بل يدفعه إلى مواجهة ذاته بكل ما تحمله من خوف وذاكرة وألم.

وفى هذا الحوار ل"سياق 24" تحدث أبو روك عن اختياره للرواية بدلًا من الفيلم الوثائقي، ودلالات عنوانها، وعلاقتها بروايته السابقة "عراف النرويج"، كما يكشف رؤيته للفن والذاكرة الفلسطينية والمنفى، مؤكدًا أن الإنسان يظل جوهر الحكاية، مهما تغير المكان أو تبدلت الوسائط.

_ لماذا اخترت عنوان "عبيد الجنة"؟ وما الشرارة الأولى للرواية؟

 العنوان هوالمفارقة التي  أردت استدراج القارئ من خلالها لفهم عمق الرواية . نحن دائماً ما نصور الجنة  كمكان ديني أو مثالي، لكن في روايتي، الجنة هي وهم نضعه في رؤوسنا عن حياة أفضل بمجرد عبور الحدود للهروب من واقع يؤلمنا. الصدمة تأتي حين يكتشف المهاجر أنه حمل خوفه وذكرياته و ألمه  معه في حقيبته و مسجونه في مخيلته. مخاوفه وترسباته، وحتى عبوديته القديمة. 

القصه هي عن محاولة الهروب من جحيم الواقع، لنكتشف أننا أحياناً نستبدل قيداً بآخر أرق، لكنه لا يقل وطأة. أما الشرارة، فقد كانت تراكمات سنوات في النرويج، وتلك اللحظة التي أدركت فيها أن دراما المهاجر لا تنتهي عند وصوله للحدود، بل هناك تبدأ القصة الحقيقية. مواجهته لنفسه عارية بلا معطفه الذي يختبئ خلفه.

_ لماذا الرواية هذه المرة، وليس فيلماً وثائقياً؟

 الوثائقي ينسج الحقيقة، لكن الرواية تنسج من الروح و الوجدان. في الفيلم، الكاميرا محكومة بما تراه العين، لكن في الرواية، أستطيع أن أجعل الصمت يتحدث عن طريق الكلمات، أن أدخل إلى المناطق المعتمة داخل الشخصية التي لا يجرؤ أحد على البوح بها. كنت بحاجة لمساحة أوسع لارسم و لأحكي ما لا تستطيع العدسة التقاطه.

_هل هي سيرة ذاتية؟

 ليست سيرة ذاتية بالمعنى الحرفي، لكنها سيرة مشاعر لمهاجر مر بكل المراحل التحرر والاصطدام بالواقه والهروب المؤقت من الذات ثم قبول الواقع . هي ليست توثيقاً لحياتي، بل هي انعكاس لأرواح التقيتها. الخيال هنا هو أداتي لأقول الحقيقة. أحياناً يكون مشهد واحد من المخيلة  أكثر صدقاً في كشف جوهر الإنسان من ألف صورة واقعية.

_ النرويج كبيئة، هل هي شخصية في الرواية؟

 تماما. النرويج ليست مجرد خلفية جغرافية ولوحة طبيعية جميلة ، هي مرآة  باردة للواقع و الحقيقة المدفونه بداخل كل منا . في تلك البيئة الهادئة، لا ضجيج يغطي على صوت أفكارك، فلا يجد الإنسان مهرباً من مواجهة ذاته العاريه  بتجاربها المتراكمه و المدفونه في اعماقها . إنها الاختبار الحقيقي: هل أنت من أنت بسبب ظروفك؟ أم أنك ستحمل جوهرك معك حتى لو وضعتك في أقصى الشمال؟

_ هل تصنفها كعمل سياسي أم إنساني؟ 

لا أحب أن أضع روايتي في اطار محدد. إذا كتبت عن الإنسان بصدق، ستجد السياسة تتسرب للسطح، ستجد الفلسفة في الأسئلة الوجودية، لكن الجوهر دائماً هو  الروح البشريه و ما تكتمه و تبوح به . أنا أنحاز للإنسان قبل أي أيديولوجيا.

_ أصعب مشهد كتبته؟ 

المواجهة مع الذات دوما هي الاصعب . عندما تدرك الشخصية أن الخوف الذي قطعنا البحار للهروب منه، كان يختبئ في أعماقنا طول الوقت. عكس هذا الألم النفسي عبر الكلمات ترهق الروح بالدرجة الاولِى لانها تحمل مشاعر طالما خبأناها  لتحاول صياغتها كمشاعر لتثقل النفس.

_ هل هي امتداد لـ "عراف النرويج"؟

 طبعاً. عراف النرويج  كان سؤالاً عن  الإنتماء ، بينما عبيد الجنة  هي محاولة للبحث عن حرية الروح و عن النفس. إنهما وجهان لعملة واحدة كلاهما تعكس الإنسان الغريب الذي يحاول استعادة تعريف نفسه في عالم لا يعرفه.

_ماذا تعلمت من تجربتك الأولى؟ 

تعلمت أن أترك الشخصيات تتنفس و تعبر عن نفسها . في السابق كنت متحمس لشرح كل شيء، الآن اصبحت أكثر ثقة في ذكاء القارئ و عمق الكلمات . تعلمت أن السكوت في الرواية و الصور المرسومه بالكلمات ، أحياناً تعبر أكثر من صفحات كاملة من الوصف التفصيلي 

_ التوثيق الفني والحقيقة في أفلامك؟ 

دوري هو أن أضع الحقائق أمام المشاهد بصدق، ثم أبتعد. لا أريد أن أكون المعلم الذي يملي الدرس و يلقن الآفكار ، بل الشاهد الذي يفتح الباب ويترك للجمهور حرية الدخول والاستنتاج

_ هل غيرت الشخصيات التي وثقتها نظرتك للحياة؟

 فلسفة الصمود علمتني كثيرا و انارت افكاري في فلسفة الحياة . رأيت بشراً فقدوا كل شيء، ومع ذلك يملكون ابتسامة تكفي لهزيمة العالم. هذا غير مفاهيمي عن القوة. القوة ليست في عدم الانكسار، بل في كيفية نهوضنا بعد كل سقوط و تغيير واقع مؤلم لمستقبل لن اقول اقل ايلاما و لكن قابل للتعايش معه بسلام 

_ الذاكرة الفلسطينية والجمهور الغربي؟ 

الجمهور في أي مكان يتوق للقصة الصادقة. الفن هو جسرنا، لأنه يعكس عظمة و عمق  الإنسان الفلسطيني  لا الخبر الفلسطيني. إذا أحب الناس الشخصية، سيحملون قضيتها في قلوبهم. هذا هو جوهر حماية الذاكرة

_هل ستنتقل للإخراج الروائي؟ 

هذا حلمٌ مؤجلٌ لا يغادر رأسي في نفس الوقت  تجربتي في الرواية والوثائقي ليست منفصلة، هي أدوات تتراكم لأصنع لغة سينمائية روائية يوماً ما. السؤال ليس "هل"، بل "متى وبأي قصة ابدأ؟

_ هل تغيرت نظرتك للهجرة بعد "مراكب الموت"؟

 حقيقة قد أصبحت  أكثر تواضعاً في إصدار الأحكام بعد هذه التجربة. الهجرة ليست نزهة، إنها خيار اليائس الأخير . حين تضيق الدنيا بما رحبت، يصبح الموت في البحر أهون من البقاء في حياة لا كرامة 

_ كيف تتجنب النمطية في أفلام الأسرى؟ 

بالابتعاد عن اللقطات الكبرى  والتركيز على التفاصيل الصغيرة. الأسير ليس رقماً أو بطلاً نمطياً، هو أب، حبيب، حالم، صاحب نكتة، وذاكرة. عندما نتحدث عن تفاصيل إنسانية بسيطة، يصبح الانحياز للأسير أمراً بديهياً لا يحتاج لخطابات.

_المنفى.. مكان أم شعور؟

 المنفى هو "اللانتماء". قد تكون في قلب وطنك وتعيش في منفى روحي، وقد تجد وطناً في غربة إذا وجدت من يحترم إنسانيتك. الوطن الحقيقي هومساحة الكرامة و الحرية.

_ هل ستخرج روايتك بنفسك؟ 

ربما سأفضل أن يقوم غيري بإخراجها وأكون مؤمنا برؤيته. لأن  الرواية تمنح كل قارئ مساحة ليبني عالمه الخاص وشخصياته في خياله، بينما الفيلم يقدّم تفسيرًا مرئيا لهذا العالم. لذلك أرى أن وجود مخرج برؤية مستقلة قد يضيف بعدًا جديدًا للنص لم المسه، و يخلق مساحة تبعد الفيلم من أن يكون مجرد نسخة مطابقة لما تخيلته أثناء الكتابة.