كمال عبدالله: مصر تمنح الفن روحًا مختلفة وتفتح آفاقًا للإبداع
بين الذات والآخر، تتشكل مساحات من الأسئلة حول الهوية والصورة التي نرى بها أنفسنا، وتلك التي يرسمها الآخرون لنا. من هذه الفكرة ينطلق معرض «أنا الآخر» للفنان التشكيلي البحريني كمال عبدالله، الذي يدعو من خلال أعماله إلى تأمل ما بداخلنا، واكتشاف الوجوه المتعددة للذات، وكيف يمكن للفن أن يصبح مرآة يرى فيها كل منا شيئًا من نفسه، أو يكتشف الآخر من زاوية مختلفة.
وفي حواره مع موقع «سياق 24»، يتحدث كمال عبدالله عن فلسفة المعرض، وعلاقة الفن بالتراث والهوية، وتجربته في القاهرة، ورؤيته لمستقبل الفن التشكيلي في البحرين والخليج.

معرضك الجديد بالقاهرة يحمل عنوان «أنا الآخر»، ما الفكرة التي انطلقت منها لاختيار هذا العنوان، وما الذي تريد أن تقوله من خلاله؟
هي نابعة من أربعة أشياء، إن صح التعبير. أولها اكتشاف الذات، أن يواجه الإنسان جوانب من نفسه لم يكن يراها من قبل.
ثانيًا، من الآخر الذي يسكننا، أن نكتشف داخل ذواتنا شخصيات ومشاعر وأفكارًا تتناقض أحيانًا مع الصورة التي نعرفها عن أنفسنا.
ثالثًا، من نظرة الآخرين إلينا، هل أنا حقيقتي التي أعيشها، أم الصورة التي يرسمها الآخرون عني؟
رابعًا، الفن بوصفه مرآة قد يرى المتلقي في لوحاتك شيئًا من ذاته، فيصبح هو الآخر جزءًا من التجربة، وكأن العمل يتحدث عنه.

ماذا يعني لك عرض أعمالك في القاهرة، في ظل تاريخها الطويل ومكانتها في الحركة التشكيلية العربية؟
لا شك أن القاهرة عاصمة الثقافات العربية، وإن صح التعبير، الثقافات العالمية، وطالما كانت منارة وقبلة للثقافة والمبدعين. وعرض تجربة «أنا الآخر» في القاهرة لا شك أنه يمثل رصيدًا قويًا بالنسبة لي كفنان خليجي، كما أنها تجربة فنية وإنسانية مهمة. فالقاهرة ليست مجرد مدينة تحتضن معرضًا، بل هي ذاكرة طويلة للفن التشكيلي العربي، وفضاء غني بالتجارب والإبداع. وبالنسبة لي كفنان، أن أقدم «أنا الآخر» كمعرض شخصي سادس في القاهرة، لا شك أنها حلم كل فنان يسعى لتطوير ذاته من خلال الالتقاء بالآخر، وخوض تجارب فنية معاصرة تضيف إلى رصيده الكثير.

ما الذي يجمع اللوحات المشاركة في المعرض؟ هل يجمعها خيط فكري أو تجربة إنسانية واحدة، أم أن لكل لوحة حكايتها الخاصة؟
تجمع لوحات معرض «أنا الآخر» فكرة البحث في الذات وعلاقتها بالآخر، وكيف تتشكل هويتنا من خلال تجاربنا ومشاعرنا وعلاقتنا بالعالم من حولنا. ورغم أن لكل لوحة حكايتها الخاصة ولغتها البصرية المستقلة، فإنها تلتقي في مساحة إنسانية مشتركة، تترك للمتلقي حرية التأويل واكتشاف ذاته داخل العمل. بالنسبة لي، لا أريد أن أفرض حكاية واحدة على جميع اللوحات، بل أترك لكل عمل أن يقول ما لديه، وللمتلقي أن يجد فيه شيئًا من نفسه، أو يرى من خلاله الآخر بصورة مختلفة.

كيف تستلهم التراث في لوحاتك دون أن تكتفي باستعادة الماضي، بل تعيد تقديمه برؤية معاصرة؟
أستلهم التراث بوصفه ذاكرة حية تحمل هويتنا وتجاربنا الإنسانية، وليس مجرد ماضٍ نستعيده. أحاول أن أعيد قراءة مفرداته ورموزه من خلال اللون والخط والتكوين، وأمزجها برؤيتي الفنية المعاصرة، لتتحول من أشكال مألوفة إلى تعبيرات جديدة تحمل روح الحاضر.
بالنسبة لي، التراث ليس ما نحتفظ به من الماضي فقط، إنما ما نستطيع أن نمنحه من معانٍ جديدة للمستقبل. ولا شك أن الطابع التراثي كان بارزًا بوضوح من خلال معرضي الشخصي في جدة بعنوان «مدن»، حينما ظهرت الأبواب والنوافذ بشكل يبرز الهوية الخليجية والعربية، سواء من خلال أشكال البيوت العربية والأبواب والزخارف التي تتماشى مع هويتنا الأصلية.

في ظل الحروب والصراعات التي تشهدها المنطقة العربية، كيف ترى دور الفن التشكيلي في التعبير عن معاناة الشعوب ونقل آثار الحروب إلى العالم؟ وهل لك لوحات تعبر عن التوترات الحالية التي تعيشها المنطقة العربية؟
أرى أن الفن التشكيلي لغة إنسانية تتجاوز الحدود، وهو قادر على نقل معاناة الشعوب وآثار الحروب بطريقة قد تعجز الكلمات عن التعبير عنها. فالفنان لا ينقل المشهد كما هو فحسب، بل يترجم ما يتركه في النفس من ألم وقلق وفقدان، ويحوّله إلى لون ورمز وتكوين يحمل رسالة إنسانية تصل إلى العالم.
أما بالنسبة إلى أعمالي، فإنني أتعامل مع الواقع من خلال رؤيتي الفنية الخاصة، ولا أحرص بالضرورة على تصوير الحدث بشكل مباشر، بقدر ما أهتم بالتعبير عن أثره في الإنسان والوجدان.

هل تعتقد أن الفن قادر على مقاومة العنف والحروب، وأن تكون اللوحة شكلًا من أشكال المقاومة والدفاع عن الإنسان؟ وكيف يمكن للفنان أن يمارس هذا الدور من خلال أعماله؟
أعتقد أن دور الفنان لا يقتصر على توثيق الألم، بل يتجاوز ذلك إلى تحويله إلى تجربة إنسانية تلامس وجدان المتلقي. فالفنان لا ينقل المأساة كما يراها فقط، بل يعيد صياغتها من خلال اللون والتكوين والرمز، ليمنحها أبعادًا إنسانية وفكرية أعمق. بالنسبة لي، الفن الحقيقي هو الذي يجعلنا لا نكتفي بمشاهدة الألم، بل نتأمله ونشعر بمسؤوليتنا تجاه الإنسان، لأن خلف كل مأساة حكاية، وخلف كل ألم إنسان يستحق الحياة والسلام.

كيف يستطيع الفنان التعبير عن المآسي الإنسانية دون أن تتحول أعماله إلى مجرد توثيق للألم؟
أعتقد أن ما يميز اللوحة التي يصنعها الفنان أنها تحمل جزءًا من روحه وتجربته الإنسانية، وليست مجرد صورة جميلة أو تكوين متقن. فالفنان يرسم من ذاكرته ومشاعره ومواقفه، ومن الأشياء التي عاشها وتأثر بها، فتنعكس كل هذه التجارب في اللون والخط والتكوين.
الذكاء الاصطناعي يستطيع إنتاج صور مبهرة، لكن تجربة الإنسان بما تحمله من تناقضات وأسئلة وقلق وأحلام، هي التي تمنح العمل الفني خصوصيته وعمقه. فاللوحة الحقيقية ليست فقط ما تراه العين، بل ما يتركه الفنان من أثر في روح المتلقي.
مع انتشار الأعمال الفنية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، ما الذي يميز اللوحة التي يصنعها الفنان انطلاقًا من تجربته الإنسانية؟
أرى أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة لتطوير الفن التشكيلي أكثر من كونه تهديدًا له، بشرط أن يبقى أداة في يد الفنان، لا بديلًا عن تجربته الإنسانية. فهو قادر على فتح آفاق جديدة للتجريب واكتشاف أساليب وطرق مختلفة للتعبير، لكن العمل الفني لا يُقاس بجمال صورته فقط، بل بما يحمله من فكر وشعور وتجربة إنسانية. وبالنسبة لي كفنان، الذكاء الاصطناعي ليس وسيلة للفنان المتميز للإبداع والانتشار.
ما أبرز السمات التي تميز الحركة التشكيلية في البحرين والخليج عن غيرها من التجارب العربية؟
أعتقد أن أبرز ما يميز الحركة التشكيلية في البحرين والخليج هو قدرتها على الجمع بين الهوية المحلية والانفتاح على التجارب الفنية العالمية. فالتراث والبيئة البحرية والصحراوية والعمارة الشعبية والعادات والتقاليد، كلها مصادر إلهام للفنان الخليجي، لكنه لا يتعامل معها بوصفها ماضيًا يستعيده، بل مادة بصرية يعيد تشكيلها برؤية معاصرة.
وفي البحرين تحديدًا، هناك تاريخ من الاهتمام بالفنون التشكيلية والعمل الجماعي والمؤسسات الفنية، أسهم في تكوين حركة فنية لها حضورها وخصوصيتها.
هل يمكن أن يختلف تفسير الجمهور للوحة عن المعنى الذي أراده الفنان، وكيف تتعامل مع هذا الاختلاف؟
بالتأكيد، أرى أن اختلاف تفسير الجمهور عن المعنى الذي أراده الفنان أمر طبيعي، بل هو جزء من جمال الفن التشكيلي. فالفنان يقدم تجربته من خلال اللون والتكوين والرمز، لكن المتلقي يقرأ العمل انطلاقًا من تجربته الإنسانية وثقافته ومشاعره.
بالنسبة لي، لا أتعامل مع هذا الاختلاف باعتباره سوء فهم، بل أراه مساحة للحوار والتأويل.

ما الذي يحتاج إليه الفنانون الشباب لتطوير تجاربهم والوصول إلى الساحة الفنية العربية والدولية؟
أعتقد أن الفنانين الشباب يحتاجون أولًا إلى الإيمان بتجاربهم الفنية، والبحث عن هويتهم البصرية الخاصة، بعيدًا عن تقليد الآخرين أو السعي وراء الانتشار السريع. كما يحتاجون إلى الاستمرار في التجريب والتعلّم، والاطلاع على التجارب الفنية العربية والعالمية، والمشاركة في المعارض والملتقيات التي تتيح لهم الاحتكاك بفنانين ونقاد من ثقافات مختلفة.
وأرى أن من المهم أيضًا توفير الدعم المؤسسي والفرص الحقيقية لعرض أعمالهم، والاستفادة من المنصات الرقمية للوصول إلى جمهور أوسع.







