كايسيد والجامعة الكاثوليكية يبحثان دور المخطوطات في بناء جسور السلام
جمع مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار "كايسيد" اليوم في العاصمة البرتغالية لشبونة، كبار الخبراء الدوليين في جلسة نقاشية رفيعة المستوى، تمحورت حول دور المخطوطات الدينية في ترسيخ قيم التعايش السلمي.
وشهدت الجلسة، التي استضافها مركز دراسات التاريخ الديني CEHR في الجامعة الكاثوليكية البرتغالية تحت عنوان "من المخطوطات إلى الحوار: دور التراث الثقافي في تعزيز التعايش السلمي" مشاركة واسعة من المتخصصين في المخطوطات الدينية والتاريخ والتراث الثقافي وعلم اللاهوت وفقه اللغة، والحوار بين أتباع الأديان.
وقدم المشاركون رؤى معمقة استندت إلى خبراتهم الواسعة في الموروث النصي الحضاري الإسلامي والمسيحي واليهودي. ملقين الضوء على المناطق والسياقات التاريخية التي شهدت تلاقي هذا الموروث وترجمة الأعمال المتبادلة، وتداول الأفكار التي صاغت ملامح حياة فكرية مشتركة.
وجاء هذا الحدث برعاية كلية اللاهوت ومراكزها البحثية المتمثلة في "مركز دراسات التاريخ الديني" و"مركز بحوث اللاهوت للدراسات الدينية" CITER، ليعكس الاهتمام المتنامي لكايسيد بالتراث الثقافي بوصفه مدخلاً عملياً وملموساً للحوار بين أتباع الأديان والثقافات.
واستعرضت النقاشات كيف تحافظ المخطوطات على شواهد التلاقي بين المجتمعات. بدءاً من النصوص المقدسة والحواشي الهامشية، وصولاً إلى الفنون الجمالية كالخط والزخرفة وحركة الترجمة وانتقال العلوم، وتداول الكتب عبر الحدود.
وأكد السفير أنطونيو دي ألميدا ريبيرو، الأمين العام المكلف لكايسيد في الكلمة الافتتاحية لأعمال جلسة النقاش، على الأهمية البالغة التي تكتسبها المخطوطات في وقت تواجه فيه العديد من المجتمعات مظاهر الانقسام وغياب الثقة والسرديات الهوياتية السطحية.
وصرح الأمين العام المكلف لكايسيد قائلاً: "في عالم تسرّع فيه الاتصالات الرقمية وتيرة سوء الفهم بقدر ما تتيح سبل التقارب، تأتي المخطوطات لتدعونا إلى التمهل، والقراءة الواعية، والاستغراق في أبعاد المعاني الكامنة وراء التعبير الإنساني"
وتناول المتحدثون المخطوطات ليس فقط كشواهد تاريخية صامتة، بل كسجلات حية توثق الذاكرة البشرية المشتركة. وأشاروا إلى أن تقاليد المخطوطات تكشف عن قرون من التبادل الفكري والفني والديني، مؤكدين أن الثقافات والمجتمعات الدينية نمت وتطورت تاريخياً من خلال التواصل والاتصال المتبادل فيما بينها.
ومن جانبه، أكد الأستاذ بكلية اللاهوت في الجامعة الكاثوليكية البرتغالية، البروفيسور لويس ميجديل رودريجيز، على أهمية الربط بين البحث الأكاديمي، والتراث الثقافي، والممارسات الحوارية في بيئة علمية مخصصة لدراسة الأديان واللاهوت.
وضمت قائمة الخبراء المشاركين كلاً من: الدكتور نجيب جورج عوض، الباحث المشارك في معهد الدراسات المسيحية الشرقية بجامعة رادبود نايميخن. وكلوديا مونتوسكي، خبيرة المخطوطات اللاتينية ومديرة إدارة المخطوطات بمكتبة الفاتيكان الرسولية. و أحمد شحلان أستاذ فقه اللغة المقارن ومقارنة الأديان والفكر العبري بجامعة محمد الخامس بالرباط. والدكتور إدهام محمد حنش، مدير مركز الخطوط والمخطوطات بمنظمة الإيسيسكو. والدكتور هاني البلوي، الخبير بمركز الحوار الحضاري في منظمة الإيسيسكو.
إلى جانب نخبة من الأكاديميين من الجامعة الكاثوليكية البرتغالية، ومنهم البروفيسور باولو فونتيس، و نونو إستيفاو، والدكتورة ماريا لويزا ريسيندي.
وناقشت الجلسة أربعة محاور رئيسية تمثلت في:
_المخطوطات كذاكرة للتعايش.
_المخطوطات العابرة للثقافات وانتقال النصوص بين الشرق والغرب.
_النصوص المقدسة والمخطوطات العلمية كأرضية لحوار بناء وهادئ حول القيم المشتركة.
_جماليات الخط والزخرفة والمواد المستخدمة كفضاء للتلاقي الثقافي والوئام الإنساني.
وأشار الدكتور نجيب جورج عوض، الذي أدار أيضاً اللقاء الحواري المسائي، إلى أهمية قراءة تقاليد المخطوطات كأدلة حية على العلاقات، والتبادل، والتنوع المعقد عبر التاريخ الديني والثقافي:
وقال"تكمن إحدى أهم القيم الكبرى للمخطوطات في كونها إرثًا زاخرًا بالدروس الملهمة التي يمكننا الاستفادة منها بشكل ملموس. وآمل، ومن خلال إعادة تقييم أهمية النصوص التاريخية القديمة وإسقاطها على قضايا العلاقات الدينية والثقافية المعاصرة، أن ننتقل بصلاتنا من مرحلة الحوار الثنائي التقليدي إلى ما أسميه الحوار المتعدد الأطراف بين أتباع الأديان والثقافات"
واختتم الاجتماع بجلسة حوارية بحثت سبل ترجمة هذا التراث الخطي إلى مبادرات معاصرة لبناء جسور السلام وتعزيز ثقافة الحوار. وناقش المشاركون الفرص المتاحة لتطوير معارض فنية ووسائل تعليمية وقوالب سردية تفاعلية، ومحتويات إعلامية. فضلاً عن بناء شراكات ثقافية تساهم في إتاحة هذا التراث العريق للجمهور على نطاق أوسع.
وتأتي هذه الجلسة النقاشية في إطار المهام الأساسية لكايسيد الرامية لتعزيز الحوار بين أتباع الأديان والثقافات كركيزة أساسية للتماسك الاجتماعي والتعايش السلمي. ومن خلال جمع هذه القامات الفكرية في مجال المخطوطات الدينية، يبرز المركز القدرة الكامنة للتراث الثقافي في قيادة المجتمعات لتجاوز سرديات الانفصال الموروثة، والتحرك نحو فهم أكثر عمقاً ووعياً لتاريخنا الإنساني المشترك.