محمد فياض: الخوف من المستقبل هو الهاجس الأكبر للطبقة الوسطى
قال الكاتب والباحث المصري محمد فياض، إن كتابه الجديد "كل الطرق لا تؤدي إلى شارع التسعين" يحاول رصد التحولات التي طرأت على الطبقة الوسطى المصرية، من خلال شخصية "أنيس المصري" الأستاذ الجامعي، التي تعكس بحسب وصفه، معاناة شريحة "المتشبثين" داخل الطبقة الوسطى، وما تعيشه من صراع بين الرغبة في الترقي الاجتماعي والخوف الدائم من السقوط.
وفي تصريحات خاصة لـ"سياق 24" كشف الكاتب أن فكرة الكتاب جاءت من موقف عابر عاشه داخل أحد الكمبوندات الفاخرة في شارع التسعين، عندما سأله صديق إن كان من الممكن أن يأتي يوم يعيش فيه داخل هذا العالم، ليجيبه "أن القاهرة التي أعرفها أكثر إغراء بالنسبة لي".
ويضيف"تلك اللحظة ألهمتنى مصطلح قصر ديل الطبقة الوسطى المتشبثة" وهو تعبير شعبي يعكس حالة العجز التي تدفع كثيرين إلى رؤية أنماط الحياة المترفة دون القدرة على الوصول إليها، فيلجأ بعضهم إلى الادعاء والتمسك بصورة اجتماعية لا تعكس واقعهم الحقيقي.
وأوضح فياض، أن الكتاب لا يهاجم الطبقة الوسطى، وإنما يحاول تفكيك أزماتها، معتبرًا أن الخوف أصبح السمة الأكثر حضورًا في حياة هذه الفئة.
وأضاف"أن أبناء الطبقة الوسطى يعيشون قلقًا دائمًا من المستقبل، فهم ليسوا من الفقراء الذين اعتادوا قسوة الظروف ولا من القادرين على تجاوزها، وإنما يقفون في منطقة رمادية تجعلهم منشغلين بالغد أكثر من استمتاعهم بالحاضر". ويرى أن هذا الخوف المستمر يستهلك طاقتهم النفسية ويحول الحياة إلى سلسلة من الضغوط والالتزامات التي لا تنتهي.
وأكد أن اختيار "التجمع الخامس" لم يكن مجرد اختيار لمكان جغرافي، بل "لأنه تحول إلى رمز اجتماعي يعبر عن النجاح والرفاهية والانتماء إلى طبقة بعينها". ويشير إلى أن بطل الكتاب لا يحلم بالسكن هناك فقط، بل يحلم بما يمثله المكان من اعتراف اجتماعي وشعور بالاستقرار.
وقد أوضح، أن كثيرين باتوا ينظرون إلى الكمبوندات باعتبارها "البر الآخر" الذي يسكنه المنتصرون، بينما يبقى الآخرون في حالة ركض دائم للحاق بحلم يبدو بعيد المنال.
وحول تأثير النزعة الاستهلاكية، قال "إن الكتاب يناقشها باعتبارها واحدة من أبرز العوامل التي عمّقت أزمة الطبقة الوسطى" موضحًا أن المشكلة لا تكمن في الاستهلاك نفسه، وإنما في تحول المظاهر إلى معيار للمكانة الاجتماعية.
وأشار إلى أن كثيرًا من الأسر أصبحت تدور في دائرة لا تنتهي من الأقساط والالتزامات والمواسم الدراسية والأعياد والمصايف، ليس بسبب احتياجات حقيقية، وإنما للحفاظ على صورة اجتماعية معينة.
ويقول"هذا النمط من الحياة يدفع الأفراد إلى مزيد من الإرهاق المالي والنفسي، ويجعلهم أسرى لسباق لا ينتهي من أجل إثبات الانتماء إلى طبقة يتخيلونها"
ويرى فياض أن الأزمة الاقتصادية لا تتوقف عند حدود المعيشة، وإنما تمتد إلى قتل الإبداع نفسه. مستشهدًا بمقولة وول ديورانت: "الإبداع يبدأ حين ينتهي الخوف والقلق".
وأكد فياض على"أن الاستقرار شرط أساسي للإنتاج الفكري، وأن الإنسان الذي ينشغل يوميًا بتأمين احتياجاته الأساسية أو البحث عن مسكن دائم، يصعب عليه أن يبدع"
كما ينتقد واقع النشر والثقافة، معتبرًا أن الكاتب اليوم يبذل جهدًا كبيرًا مقابل عائد محدود، في وقت لم تعد فيه الكتابة قادرة على توفير الحد الأدنى من الاستقرار الذي عرفته أجيال سابقة.
وعن العلاقة بين الرضا والطموح، يقول"أن القناعة قيمة إنسانية مهمة، لكنها قد تتحول أحيانًا إلى وسيلة لتبرير العجز والاستسلام" موضحًا أن الكتاب يميز بين الرضا الناتج عن بذل الجهد، وبين الرضا الذي يخفي وراءه التخلي عن محاولة التغيير.
كما شدد على أن السعي إلى الترقي الطبقي يظل حقًا مشروعًا، إلا أن تحقيقه يرتبط بمدى عدالة المجتمع وتكافؤ الفرص، وليس بالرغبة وحدها.
واختتم الكاتب تصريحاته بالتأكيد على أن الانتماء الطبقي لا ينبغي أن يحدد مصير الإنسان، لكنه حذر من أن اختلال معايير القيمة داخل المجتمع يجعل الحراك الاجتماعي أكثر صعوبة.
وأكد على "أن المشكلة لا تكمن في وجود الطبقات بحد ذاتها، وإنما في تراجع المعايير التي تمنح الفرصة لأصحاب الكفاءة، مقابل صعود معايير جديدة تصنع الشهرة والمكانة بعيدًا عن الجدارة" وهو ما يجعل الطبقة الوسطى تعيش، بحسب وصفه، في حالة دائمة من التشبث والخوف من السقوط.