اتفاق صيد يعيد رسم خريطة الثروة السمكية بين البلدين
31 ألف طن أسماك تفتح مياه موريتانيا أمام الأسطول الجزائري
تقرير اقتصادي – بحري
تدخل العلاقات الجزائرية-الموريتانية مرحلة جديدة في قطاع الثروة السمكية، بعدما فتحت نواكشوط جزءًا من مواردها البحرية أمام الأسطول الجزائري بموجب اتفاق تعاون يسمح لـ7 سفن جزائرية بالصيد في المياه الموريتانية ضمن حصة سنوية تبلغ نحو 31,120 طنًا من الموارد السمكية.
وجاء الاتفاق خلال الدورة العشرين للجنة المشتركة الكبرى الجزائرية-الموريتانية، التي انعقدت في الجزائر، قبل أن تبدأ مرحلة تفعيله ميدانيًا مع استعداد ميناء تانيت الموريتاني لاستقبال السفن الجزائرية المخصصة لاستغلال الحصة المتفق عليها.
ولا يمثل الاتفاق مجرد زيادة في فرص الصيد أمام الجزائر، وإنما يفتح الباب أمام تعاون أوسع في الصيد البحري والاقتصاد البحري وتربية المائيات والبحث العلمي ومكافحة الصيد غير القانوني، في وقت تمتلك فيه موريتانيا واحدة من أغنى المناطق السمكية في الساحل الأطلسي لغرب إفريقيا، بينما تحاول الجزائر رفع إنتاجها المحلي وتقليل الفجوة بين العرض والطلب.
31 ألف طن.. ماذا سيصطاد الأسطول الجزائري؟
بموجب البروتوكول، تحصل السفن الجزائرية السبع على تراخيص للعمل في مناطق الصيد الموريتانية ضمن حصة سنوية تبلغ 31,120 طنًا، موزعة على مجموعات من الموارد البحرية، من بينها الأسماك السطحية والأسماك القاعية والجمبري.
وتشمل الترتيبات إلزام السفن بتفريغ المصيد في الموانئ الموريتانية، مع تعزيز آليات المراقبة والتتبع وضمان الالتزام بالقوانين الوطنية، إلى جانب تشغيل نسبة معتبرة من البحارة الموريتانيين على متن السفن.
كما يتضمن الاتفاق فترة تجريبية لمدة عام قابلة للتجديد، مع خفض بنسبة 50% من رسوم الولوج، فضلًا عن تطوير التعاون العلمي والتقني بين البلدين.
وبذلك لا تذهب قيمة المصيد بالكامل إلى خارج الاقتصاد الموريتاني، إذ يفترض أن تستفيد الموانئ والعمالة والخدمات اللوجستية المحلية من وجود السفن الجزائرية وعمليات تفريغ ومعالجة المنتجات السمكية.
موريتانيا.. عملاق أطلسي بثروة بحرية هائلة
تكشف البيانات الرسمية الموريتانية حجم الأهمية التي يمثلها قطاع الصيد بالنسبة إلى البلاد.
فالمياه الموريتانية تضم نحو 600 نوع من الكائنات البحرية، بينها أكثر من 200 نوع ذي قيمة تجارية، بينما تقدر الإمكانات السمكية في المنطقة الاقتصادية الخالصة بحوالي 1.8 مليون طن سنويًا لجميع الأنواع، وفق بيانات وزارة الصيد الموريتانية المستندة إلى تقييمات المعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصيد.
وتؤكد أحدث بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو» حجم الثروة الموريتانية؛ إذ أنتجت موريتانيا في عام 2024 نحو 600 ألف طن من المصيد البحري، لتأتي في المرتبة الثانية بين أكبر منتجي المصايد البحرية في إفريقيا بعد المغرب تقريبًا، وفق أحدث عرض إقليمي للمنظمة.
وهذا الرقم يضع الحصة الجزائرية المتفق عليها، البالغة 31,120 طنًا، في سياق أوضح؛ فهي تمثل نحو 5% من حجم المصيد البحري الموريتاني المسجل في 2024، مع التأكيد على أن المقارنة بين الرقمين لا تعني أن الحصة الجزائرية ستأتي بالضرورة من إجمالي الإنتاج نفسه، وإنما توضح حجمها النسبي.
ما أهم الأسماك في موريتانيا؟
تتميز المياه الموريتانية بتنوع كبير في الموارد، لكن الثروة السمكية تنقسم بصورة أساسية إلى عدة مجموعات رئيسية.
في مقدمة هذه الموارد تأتي الأسماك السطحية الصغيرة، ومنها السردين والسردينيات والأنشوجة والماكريل والشنشار، وهي من أكبر مكونات المصايد الموريتانية، ويقدر إمكانها القابل للاستغلال بنحو 1.35 مليون طن سنويًا وفق البيانات الوطنية.
أما الرخويات فتضم الأخطبوط والحبار والسيبيا، ويحتل الأخطبوط مكانة اقتصادية بارزة في الصيد الموريتاني، إلى جانب أهميته التصديرية.
وتوجد كذلك أسماك قاعية ذات قيمة تجارية، من بينها الدنيس والهامور والكوربينة والصول والناجل والنازلي، فضلًا عن القشريات التي تشمل الجمبري واللانجوست والكابوريا.
وتشير البيانات الرسمية الموريتانية إلى أن المصايد التجارية الرئيسية تشمل مصايد الأخطبوط والحبار والسيبيا، والأسماك القاعية، والقشريات، والأسماك السطحية، والتونة.
الأخطبوط.. ثروة ثمينة تحت المراقبة
يحتل الأخطبوط موقعًا خاصًا في الاقتصاد السمكي الموريتاني، لكنه في الوقت نفسه يمثل أحد أكثر الموارد التي تحتاج إلى إدارة دقيقة.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن إنتاج الأخطبوط الموريتاني ارتفع من نحو 14 ألف طن عام 2006 إلى 33 ألف طن في 2018، قبل أن تواجه المصايد ضغوطًا متزايدة.
ولهذا تطبق موريتانيا إجراءات لإدارة المصيد، من بينها فترات توقف بيولوجي تستهدف حماية المخزون خلال مراحل التكاثر والتجدد، بينما تظهر التقارير الرسمية أن الأخطبوط من الأنواع التي تعرضت لضغط استغلال مرتفع.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في الاتفاق الجزائري؛ لأن زيادة عدد السفن العاملة في المياه الموريتانية يجب أن تظل مرتبطة بحدود الاستغلال المستدام، حتى لا تتحول زيادة الإنتاج إلى ضغط إضافي على المخزونات.
وماذا عن الجزائر؟
الوضع الجزائري مختلف تمامًا من حيث حجم الموارد وطبيعة الساحل.
فالجزائر تعتمد بصورة أساسية على صيدها في البحر المتوسط، إلى جانب نشاط متنامٍ في تربية المائيات، لكنها تواجه منذ سنوات مشكلة استقرار الإنتاج البحري عند مستويات محدودة مقارنة بحجم الطلب المحلي.
وتشير بيانات وزارة الصيد الجزائرية إلى أن الإنتاج من الصيد البحري ظل يدور تاريخيًا حول 100 ألف طن سنويًا، وهو مستوى اعتبرته السلطات غير كافٍ لتلبية الطلب المتزايد، خصوصًا مع نمو عدد السكان وتوسع السوق الداخلية.
وكانت الجزائر قد استهدفت في خطتها لعام 2024 الوصول إلى نحو 135 ألف طن من الإنتاج السمكي، منها 120 ألف طن من الصيد و15 ألف طن من تربية المائيات.
لكن استراتيجية الجزائر لا تتوقف عند الصيد البحري؛ إذ تراهن بقوة على تربية المائيات، وتستهدف رفع إنتاجها إلى مستويات أكبر بكثير خلال السنوات المقبلة.
السردين في المقدمة.. والجمبري والدوراد واللوقوس في الواجهة
تختلف الأنواع الرئيسية في الجزائر عن تلك الموجودة في موريتانيا بحكم اختلاف البيئة البحرية.
ويعد السردين من أهم الأسماك التي يعتمد عليها الصيد الجزائري، إلى جانب أنواع من الأسماك السطحية والقاعية الأخرى.
أما في تربية المائيات البحرية، فتبرز بصورة خاصة الدوراد «الدنيس» والقاروص/اللوقوس البحري، إذ تشير بيانات قطاعية جزائرية إلى أن الإنتاج البحري المستزرع في 2024 كان يتركز بصورة رئيسية في هذين النوعين داخل الأقفاص العائمة.
كما تعمل الجزائر على توسيع إنتاج الجمبري والأسماك في المياه العذبة، وعلى رأسها البلطي الأحمر، ضمن استراتيجية تستهدف جعل تربية المائيات ركيزة أساسية لزيادة المعروض السمكي.
وقد أعلنت السلطات الجزائرية هدفًا بعيد المدى للوصول إلى 200 ألف طن سنويًا من الإنتاج السمكي بحلول 2030، اعتمادًا على تطوير الصيد البحري وتوسيع الاستزراع المائي، مع استهداف 100 ألف طن من تربية المائيات وحدها.
لماذا تحتاج الجزائر إلى مياه موريتانيا؟
هنا تظهر أهمية الاتفاق الجديد.
فالجزائر تمتلك ساحلًا طويلًا على البحر المتوسط، لكن الإنتاج السمكي المحلي لا يزال أقل من الإمكانات المطلوبة لتلبية الطلب الداخلي، في حين تمتلك موريتانيا موارد أطلسية ضخمة ومياهًا غنية بالأسماك نتيجة الظروف المحيطية الملائمة.
وبالتالي يوفر الاتفاق للجزائر نافذة إضافية على أحد أغنى المصايد البحرية في غرب إفريقيا، دون أن يعني ذلك التخلي عن خطط تطوير الأسطول الجزائري والاستزراع المائي.
كما يمكن للجزائر الاستفادة من الخبرة الموريتانية في التعامل مع المصايد الأطلسية، بينما تحصل موريتانيا على عوائد مالية ولوجستية وفرص تشغيل مرتبطة بوجود السفن الجزائرية وتفريغ إنتاجها داخل موانئها.
اتفاق يتجاوز الأسماك
أحد أهم أبعاد الاتفاق أنه يربط الصيد بالتعاون الاقتصادي والعلمي.
فإلزام السفن الجزائرية بتفريغ المصيد في الموانئ الموريتانية يفتح المجال أمام استفادة قطاعات أخرى مثل الخدمات المينائية، والنقل، والتخزين المبرد، والصيانة، والتسويق والتصنيع الغذائي.
كما أن تشغيل بحارة موريتانيين يضيف بعدًا اجتماعيًا للاتفاق، في حين تتيح أنظمة التتبع والمراقبة إمكانية ضبط نشاط السفن والحد من التجاوزات.
وتأتي مكافحة الصيد غير القانوني في مقدمة الملفات المشتركة، وهو أمر شديد الأهمية بالنسبة إلى موريتانيا، التي تستضيف مياهها عددًا كبيرًا من الأساطيل الأجنبية ضمن اتفاقات مختلفة.
وتظهر أهمية هذا الموقع في أن الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، لديه بروتوكول للصيد مع موريتانيا يسمح لأساطيل أوروبية باستغلال موارد تصل إلى 280,050 طنًا سنويًا لفئات مختلفة من الأسماك والقشريات.
هل تصبح موريتانيا بوابة الجزائر إلى الأطلسي؟
قد يكون هذا أحد الأبعاد الاستراتيجية الأبعد للاتفاق.
فالجزائر، التي تطور قطاعها السمكي والاستزراع المائي في البحر المتوسط، تحصل عبر موريتانيا على فرصة لاختبار وجود أسطولها في مصايد أطلسية مختلفة تمامًا من حيث طبيعة الموارد وحجمها.
وفي المقابل، تستطيع موريتانيا الاستفادة من الخبرة الجزائرية في مجالات تربية المائيات والتكوين والبحث العلمي، خصوصًا أن الجزائر نفسها تعمل على توسيع الاستزراع البحري والمياه العذبة.
ومن هنا، يمكن أن يتحول الاتفاق من مجرد رخصة صيد لـ7 سفن إلى منصة تعاون أوسع في الاقتصاد الأزرق إذا جرى ربطه بالتصنيع السمكي والبحث العلمي والاستزراع المائي وتطوير الموانئ.
معادلة صعبة: زيادة الإنتاج دون استنزاف البحر
لكن النجاح الحقيقي للاتفاق لن يقاس بكمية الأسماك التي ستصطادها السفن الجزائرية، وإنما بمدى قدرة البلدين على تحقيق معادلة أكثر تعقيدًا: استغلال الموارد مع الحفاظ عليها.
فموريتانيا تمتلك مخزونًا بحريًا ضخمًا، لكن بعض الأنواع تواجه بالفعل مستويات استغلال مرتفعة؛ وتظهر التقييمات الرسمية ضغوطًا على عدد من الأسماك السطحية والأخطبوط وبعض الأنواع القاعية والقشريات.
ولهذا فإن أنظمة المراقبة، وتحديد الحصص، والالتزام بفترات التوقف البيولوجي، والتعاون العلمي، ليست تفاصيل إدارية هامشية، وإنما تمثل الضمان الأساسي لاستمرار الاتفاق على المدى الطويل.
شراكة تبحث عن السمك.. وتراهن على الاقتصاد الأزرق
يضع الاتفاق الجزائري-الموريتاني البلدين أمام فرصة لإعادة صياغة التعاون في قطاع الثروة البحرية. فالجزائر تحصل على حصة تبلغ أكثر من 31 ألف طن سنويًا من مياه موريتانيا، بينما تحصل نواكشوط على عوائد مباشرة وغير مباشرة من التراخيص والتفريغ والتشغيل والخدمات.
لكن الأهمية الأكبر تكمن في إمكانية تحويل الاتفاق إلى شراكة اقتصادية بحرية متكاملة، تستفيد من الثروة الأطلسية الموريتانية والخبرة الجزائرية في الصيد وتربية المائيات والتكوين.
وفي بلد يمتلك نحو 600 ألف طن من المصيد البحري السنوي مثل موريتانيا، مقابل إنتاج جزائري يدور حول 100 ألف طن من الصيد البحري سنويًا وفق أحدث التصريحات القطاعية المتاحة، تبدو الفوارق في الموارد واضحة؛ لكن الفارق لا يعني بالضرورة أن المكاسب ستقتصر على الجزائر.
فالاختبار الحقيقي يبدأ مع وصول السفن إلى المياه الموريتانية: هل تتحول الـ31 ألف طن إلى قيمة اقتصادية أكبر للبلدين، أم تظل مجرد حصة صيد جديدة؟
الإجابة ستتوقف على ما إذا كان الطرفان سينجحان في بناء سلسلة متكاملة تبدأ من البحر ولا تنتهي عند الميناء، بل تمتد إلى التصنيع والتسويق والتكوين والبحث العلمي وتربية المائيات؛ وهي المجالات التي يمكن أن تجعل من الاتفاق خطوة فعلية نحو بناء اقتصاد أزرق مشترك بين الجزائر وموريتانيا.