الأخبار

ألمانيا تستنفر لإنقاذ اقتصادها.. ميرتس يضغط لتسريع الإصلاحات وسط ضغوط الصناعة والطاقة

سياق 24

تستعد الحكومة الألمانية لتسريع تنفيذ حزمة من الإصلاحات الاقتصادية، في محاولة لدفع أكبر اقتصاد في أوروبا نحو نمو أقوى ومعالجة ضغوط هيكلية تواجه الشركات والصناعة، في وقت تسعى فيه برلين إلى تعزيز الاستثمار والتنافسية وخلق مزيد من فرص العمل.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة «بيلد أم زونتاغ» ونقلته وكالة رويترز، يعتزم المستشار الألماني فريدريش ميرتس الضغط خلال اجتماع حكومي مرتقب من أجل الإسراع في تنفيذ الإصلاحات التي جرى الاتفاق عليها قبل العطلة الصيفية، معتبرًا أن النمو الاقتصادي والتوظيف يمثلان أولوية أساسية للحكومة.

إصلاحات تستهدف الشركات والاستثمار

وتتضمن الحزمة التي تدفع الحكومة نحو تنفيذها إجراءات في مجالات الضرائب والتقاعد وتخفيف القيود التنظيمية والرقمنة، مع تركيز واضح على تخفيف الأعباء عن الشركات، ولا سيما الشركات الصغيرة والمتوسطة وأصحاب الأعمال والحرف.

وتأتي هذه التحركات في ظل تحديات أعمق تواجه الاقتصاد الألماني، من بينها ارتفاع تكاليف الطاقة، وتراجع القدرة التنافسية في بعض الصناعات، وضغوط المنافسة الدولية، إلى جانب الحاجة إلى تحديث البنية التحتية وتعزيز الاستثمار في التكنولوجيا.

التصنيع يتحسن.. والخدمات لا تزال تحت الضغط

ولا تعكس البيانات الاقتصادية صورة انهيار شامل للاقتصاد الألماني؛ فقد أظهر مؤشر S&P Global Flash Composite PMI ارتفاع النشاط الاقتصادي في أغسطس إلى 51.0 نقطة، فوق مستوى 50 الفاصل بين النمو والانكماش.

وكان المحرك الرئيسي لهذا التحسن هو قطاع التصنيع، الذي ارتفع مؤشره إلى 54.1 نقطة، وهو أعلى مستوى له في 51 شهرًا، بينما ظل قطاع الخدمات في منطقة الانكماش عند 48.5 نقطة، مسجلًا خامس شهر متتالٍ من التراجع.

وتشير هذه الأرقام إلى اقتصاد يعيش مرحلة تعافٍ غير متوازن؛ فالصناعة تظهر علامات تحسن، بينما لا تزال قطاعات خدمية تواجه ضغوطًا واضحة.

الطاقة والصناعة في قلب الأزمة

وتشكل تكاليف الطاقة أحد أهم التحديات أمام الشركات الألمانية، خصوصًا الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، في وقت تواجه فيه ألمانيا منافسة قوية من الصين وتحولات سريعة في الأسواق العالمية.

ويضاف إلى ذلك التحول الكبير في قطاع السيارات، الذي يفرض على الشركات الألمانية الاستثمار بصورة أكبر في السيارات الكهربائية والبطاريات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي للحفاظ على موقعها التنافسي.

كما أن الضغوط لا تقتصر على الصناعة؛ فارتفاع تكاليف التمويل والحاجة إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية والطاقة والرقمنة تضع الحكومة أمام فاتورة اقتصادية متزايدة.

ميرتس أمام معادلة صعبة

وتزداد حساسية الإصلاحات مع اتجاه ألمانيا في الوقت نفسه إلى زيادة الإنفاق على الدفاع والبنية التحتية، ما يفرض على الحكومة موازنة الإنفاق بين دعم الاقتصاد وتمويل الاحتياجات الاجتماعية والأمنية.

وتعني هذه المعادلة أن نجاح خطة ميرتس لن يقاس فقط بعدد القوانين التي ستقرها الحكومة، بل بقدرتها على تحويل الإصلاحات إلى استثمارات وإنتاجية وفرص عمل.

وقد يساعد تسريع الموافقات على المشروعات وتخفيف الإجراءات التنظيمية الشركات على توسيع استثماراتها، لكن النتائج لن تكون فورية، خصوصًا أن جزءًا من المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد الألماني يرتبط بعوامل هيكلية تراكمت على مدى سنوات.

خطر التأخير

ويرى مؤيدو الإصلاح أن تأجيل الإجراءات قد يزيد تكلفة معالجة الأزمة، في ظل الحاجة إلى رفع الاستثمار وتحسين الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة.

وفي المقابل، تظل الحكومة أمام تحدٍ سياسي يتعلق بكيفية توزيع تكلفة الإصلاحات، خصوصًا في حال تضمنت تغييرات في الإنفاق أو الضرائب أو نظام التقاعد.

وتزداد صعوبة المهمة في ظل ضغوط أسواق الديون الأوروبية؛ فقد ارتفع عائد السندات الألمانية لأجل 30 عامًا إلى 3.79%، وهو أعلى مستوى منذ 2011، بالتزامن مع توسع الاقتراض لتمويل الإنفاق على الدفاع والبنية التحتية.

اختبار لأكبر اقتصاد أوروبي

وتكشف خطوة ميرتس أن برلين لم تعد تتعامل مع ضعف النمو باعتباره مشكلة دورية فقط، وإنما باعتباره تحديًا يرتبط بالطاقة والصناعة والتكنولوجيا والقدرة على المنافسة عالميًا.

وفي الوقت الذي تظهر فيه بعض المؤشرات الصناعية تحسنًا، فإن استمرار انكماش قطاع الخدمات وارتفاع تكاليف التمويل والطاقة يعني أن الطريق أمام الاقتصاد الألماني لا يزال صعبًا.

وبالتالي، فإن نجاح إصلاحات ميرتس سيتوقف على سرعة التنفيذ وعمقها: فالإجراءات الإدارية وحدها قد تمنح الشركات بعض الهامش، لكن استعادة القوة الاقتصادية الألمانية تحتاج إلى استثمارات واسعة في الطاقة والبنية التحتية والرقمنة والمهارات، إلى جانب بيئة أعمال أكثر قدرة على المنافسة.

ولا يقتصر أثر هذا المسار على ألمانيا، إذ إن أداء أكبر اقتصاد أوروبي يظل عنصرًا مؤثرًا في النمو والاستثمار وسلاسل الصناعة داخل القارة بأكملها.