الأخبار

وفوائد الديون ترتفع بأكثر من ضعف نمو الإيرادات

تقرير دولي : 100 دولة فى العالم فقدت القدرة على الإنفاق التنموي

سياق 24

 

تواجه الدول النامية معضلة مالية متصاعدة حيث احتياجاتها الاستثمارية تتسع، بينما يصبح التمويل الخارجي أقل وفرة وأكثر تكلفة. وفي الوقت الذي تحتاج فيه هذه الاقتصادات إلى مليارات الدولارات سنويًا لتمويل البنية التحتية والصحة والتعليم والطاقة والتحول المناخي، تلتهم خدمة الدين جزءًا متزايدًا من الموارد العامة، لتتحول تكلفة الاقتراض من مشكلة مالية إلى عائق مباشر أمام التنمية. وتؤكد أحدث بيانات الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» أن الصورة أصبحت أكثر صعوبة؛ إذ شهدت 100 دولة نامية تقريبا ، يقطنها نحو 5.5 مليار شخص، انخفاضًا في الحيز المالي المتاح للإنفاق التنموي خلال الفترة بين 2018 و2024، بعدما أدت الزيادة في مدفوعات الفائدة إلى استنزاف جزء أكبر من الإيرادات الحكومية.

 

 

4.3 تريليون دولار فجوة سنوية

 

تكشف بيانات الأونكتاد أن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم الديون، وإنما أيضًا بعدم كفاية التمويل المتاح مقارنة بحجم الاحتياجات الاستثمارية.

ففي عام 2024، حصلت الدول النامية على نحو 1.5 تريليون دولار من التدفقات المالية الخارجية الجديدة، توزعت تقريبًا بالتساوي بين أدوات قائمة على الأسهم وأدوات الدين.

لكن هذا المبلغ لا يزال بعيدًا عن احتياجات التنمية؛ إذ تقدر الأمم المتحدة فجوة التمويل السنوية اللازمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بنحو 4.3 تريليون دولار.

وبعبارة أخرى، فإن التمويل المحلي والخارجي مجتمعين لا يزالان غير كافيين لتغطية حجم الاستثمارات المطلوبة سنويًا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، بينما تحتاج الدول النامية إلى زيادة التمويل المحلي والخارجي بنحو الثلث مقارنة بمستويات 2024 لسد هذه الفجوة.

وتكشف المقارنة أيضًا عن اختلال واضح في دور التمويل الخارجي؛ فقد مثلت المصادر الخارجية نحو 11% فقط من تمويل تكوين رأس المال في الدول النامية عام 2024، مقابل نحو 38% في الاقتصادات المتقدمة.

 

التمويل الخارجي يتراجع بدلًا من الزيادة

المفارقة الأكثر أهمية أن الدول النامية لا تواجه فجوة تمويلية كبيرة فحسب، بل إن تدفقات التمويل الخارجي نفسها أصبحت أقل مقارنة بما كانت عليه قبل عقد.

وبحسب الأونكتاد، تراجعت التدفقات المالية الخارجية إلى الدول النامية 18% بين عامي 2014 و2024، في حين ارتفع التمويل المحلي بنحو 60% خلال الفترة نفسها.

وتتفاوت المشكلة جغرافيًا بدرجة كبيرة؛ فقد حصلت أفريقيا على نحو 10% فقط من إجمالي التدفقات الخارجية إلى الدول النامية رغم أنها تضم حوالي 22% من سكان العالم النامي، بينما استحوذت آسيا والمحيط الهادئ على أكثر من 70% من تلك التدفقات.

وهذا يعني أن المشكلة ليست نقص الأموال العالمية فقط، بل أيضًا كيفية توزيعها وشروط الحصول عليها.

384 مليار دولار فوائد في عام واحد

في الجانب الآخر من المعادلة، ارتفعت فاتورة خدمة الدين بوتيرة أسرع من قدرة الحكومات على زيادة إيراداتها.

وتشير أحدث بيانات الأونكتاد إلى أن الدول النامية دفعت في عام 2024 نحو 384 مليار دولار فوائد على أدوات الدين الخارجي.

وخلال الفترة بين 2014 و2024، ارتفعت مدفوعات الفوائد الحكومية في الدول النامية بنحو 102%، في حين لم ترتفع الإيرادات الحكومية إلا بنحو 39%.

وهذه الفجوة بين سرعة نمو الفوائد وسرعة نمو الإيرادات هي جوهر أزمة «الحيز المالي»: فكلما ارتفعت فاتورة الفوائد، تقل الأموال المتبقية للحكومات بعد سداد التزاماتها المالية، وبالتالي تتراجع قدرتها على تمويل المدارس والمستشفيات والطرق وشبكات المياه والطاقة وغيرها من الاستثمارات العامة.

وتشير الأونكتاد إلى أن 73% من الدول النامية فقدت جزءًا من حيزها المالي بين 2018 و2024 نتيجة ارتفاع تكاليف الفائدة التي زاحمت الإنفاق العام الآخر.

الاقتراض ليس فقط أغلى.. بل أصبح أقصر أجلًا

وتزداد المشكلة تعقيدًا لأن الدول النامية لا تواجه أسعار فائدة مرتفعة فقط، وإنما تواجه أيضًا آجال استحقاق أقصر وعلاوات مخاطر أعلى.

ووفق تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD Global Debt Report 2025، ارتفعت العوائد الحقيقية عند إصدار السندات في الأسواق الناشئة والنامية، باستثناء الصين، من مستويات سالبة خلال فترة أسعار الفائدة المنخفضة إلى قرابة 4% في 2024.

أما الدول منخفضة الدخل، فقفزت العوائد الحقيقية عند الإصدار من نحو 4% إلى أكثر من 7%.

وفي سوق السندات المقومة بالدولار، تجاوزت تكاليف الاقتراض للدول منخفضة ومتوسطة الدخل 7% في 2024، بينما تخطت تكاليف الاقتراض في بعض الدول ذات التصنيف الائتماني غير الاستثماري 8%.

والأكثر خطورة أن متوسط آجال استحقاق السندات السيادية للدول النامية تراجع إلى نحو 9.5 سنوات في 2025، مقارنة بنحو 17 عامًا قبل عام 2021، وفق أحدث تحليل للأونكتاد.

وهذا يعني أن الحكومات لا تدفع فوائد أعلى فحسب، بل تضطر أيضًا إلى إعادة تمويل ديونها في فترات أقصر، ما يزيد مخاطر التعرض لصدمات أسعار الفائدة أو أسعار الصرف أو تراجع ثقة المستثمرين.

البنك الدولي: فاتورة خدمة الدين بلغت مستويات قياسية

وتؤكد بيانات البنك الدولي الاتجاه نفسه.

فبحسب International Debt Report 2025، ارتفعت مدفوعات الفائدة على إجمالي الدين الخارجي للدول منخفضة ومتوسطة الدخل إلى مستوى قياسي بلغ نحو 415.4 مليار دولار في 2024، بزيادة 2.2% عن العام السابق.

وكان البنك الدولي قد أظهر في تقريره السابق أن الدول النامية دفعت في عام 2023 نحو 1.4 تريليون دولار لخدمة ديونها الخارجية، بينما بلغت الفوائد وحدها نحو 406 مليارات دولار.

وفي الدول المؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ارتفعت مدفوعات الفوائد إلى مستوى قياسي بلغ 34.6 مليار دولار في 2023، أي نحو أربعة أضعاف مستواها قبل عقد. كما بلغ متوسط ما تنفقه هذه الدول على خدمة الدين الخارجي نحو 6% من حصيلة صادراتها، وهو مستوى لم تشهده منذ عام 1999.

وتكشف هذه الأرقام عن انتقال الأزمة من مجرد ارتفاع في حجم الدين إلى ارتفاع تكلفة الحفاظ على الدين نفسه.

لماذا تدفع الدول النامية أكثر؟

لا توجد إجابة واحدة لهذه الظاهرة؛ فالأسواق المالية تسعر مخاطر مختلفة بين الاقتصادات.

فالدولة ذات التضخم المرتفع، أو الاحتياطيات الأجنبية المحدودة، أو العملة الأكثر عرضة للتراجع، أو العجز المالي المرتفع، تحصل عادة على تصنيف ائتماني أقل، وبالتالي يطالب المستثمرون بعائد أعلى مقابل تحمل المخاطر.

وتضيف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الاقتصادات الناشئة والنامية تعتمد بدرجة أكبر من الاقتصادات المتقدمة على الديون المقومة بالعملات الأجنبية، وهو ما يضيف خطرًا آخر إلى تكلفة الاقتراض.

فباستثناء الصين والهند، تمثل الديون المقومة بالعملات الأجنبية نحو 20% من إجمالي ديون الاقتصادات الناشئة والنامية، مقابل نحو 6% في متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وفي الاقتصادات النامية الأصغر، وصلت حصة الدين بالعملة الأجنبية إلى نحو 40% من إجمالي الدين القائم منذ 2018.

وعندما تنخفض قيمة العملة المحلية أمام الدولار، ترتفع التكلفة المحلية لسداد أصل الدين وفوائده، حتى لو لم تتغير قيمة الدين بالدولار.

حتى المساعدات الدولية تتراجع

في الوقت الذي ترتفع فيه تكلفة التمويل التجاري، لا يبدو أن المساعدات الإنمائية الرسمية قادرة على سد الفجوة.

وتظهر أحدث بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن المساعدات الإنمائية الرسمية المقدمة من دول لجنة المساعدة الإنمائية DAC تراجعت في عام 2024 بنسبة 7.1% بالقيمة الحقيقية، إلى نحو 212.1 مليار دولار وفق البيانات الأولية.

وفي البيانات النهائية للعام نفسه، بلغ إجمالي المساعدات من أعضاء اللجنة على أساس المنح نحو 214.6 مليار دولار، بانخفاض حقيقي قدره 6% عن 2023، بينما بلغت التدفقات الرسمية من جميع المانحين نحو 255.4 مليار دولار، بانخفاض 4.5%.

وتزداد الصورة قتامة مع بيانات 2025 الأولية؛ فقد أعلنت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن المساعدات الإنمائية الرسمية من دول DAC انخفضت 23.1% في 2025، في أكبر تراجع سنوي مسجل على الإطلاق، لتعود إلى مستويات تقارب ما كانت عليه في بداية أجندة التنمية المستدامة.

وبذلك تواجه الدول النامية ضغطين متزامنين: ارتفاع تكلفة الاقتراض وتراجع أحد مصادر التمويل الميسر.

الاستثمار نفسه يتعرض للضغط

 

لا تتوقف آثار أزمة التمويل عند الموازنات الحكومية. فالأونكتاد أشار إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر في الاقتصادات النامية انخفض 2% في 2024، في ثاني تراجع سنوي متتالٍ، بينما هبط التمويل الدولي للمشروعات بنحو 31%.

كما انخفض الاستثمار في القطاعات المرتبطة مباشرة بأهداف التنمية المستدامة بنحو 11% عالميًا في 2024، مع تراجع عدد المشروعات في قطاعات البنية التحتية والزراعة والمياه والصرف الصحي مقارنة بمستويات عام 2015.

وهنا تظهر الحلقة الأكثر خطورة: ارتفاع تكلفة الدين يضغط على الموازنة، وضعف الاستثمار يحد من النمو، وتباطؤ النمو يقلل قدرة الدولة على زيادة الإيرادات، فتزداد صعوبة خدمة الدين.

 

خطر التحول من أزمة سيولة إلى أزمة ديون

 

وتحذر الأونكتاد من أن مشكلة ارتفاع تكاليف التمويل قد تتحول في بعض الاقتصادات من أزمة سيولة إلى أزمة ديون أعمق. ففي سبتمبر 2025، كان 49% من الدول المؤهلة للحصول على التمويل الميسر من صندوق النقد الدولي إما في حالة ضائقة ديون أو معرضة بدرجة مرتفعة لها.

والأكثر إثارة للقلق أن ثلاثة أرباع الدول التي صنفها صندوق النقد والبنك الدولي في حالة ضائقة ديون أو معرضة بدرجة مرتفعة لها في سبتمبر 2025 كانت موجودة في هذه الحالة منذ عام 2018 على الأقل.

وهذا يشير إلى أن المشكلة ليست مجرد موجة مؤقتة ناتجة عن ارتفاع أسعار الفائدة العالمية، بل أزمة ممتدة تتداخل فيها ضعف القدرة على النمو، وارتفاع تكاليف التمويل، وتقلب أسعار الصرف، وضيق الحيز المالي، ومحدودية الوصول إلى شبكات الأمان المالي الدولية.

المفارقة الكبرى: 500 مليار دولار يمكن توفيرها

 

وتقدم بيانات الأونكتاد رقمًا يكشف حجم المشكلة بصورة أكثر وضوحًا.

فلو استطاعت 94 دولة نامية الاقتراض بالشروط وأسعار الفائدة نفسها المتاحة للاقتصادات المتقدمة، فإنها يمكن أن توفر نحو 500 مليار دولار سنويًا من مدفوعات الفائدة.

وتعادل هذه الوفورات، وفق الأونكتاد، تمويل نحو 375 ألف مدرسة، أو أكثر من 1.3 مليون عيادة رعاية صحية أولية، أو ما يزيد على 920 جيجاوات من الطاقة الشمسية سنويًا.

وهنا تتضح طبيعة المشكلة: القضية لا تتمثل فقط في أن الدول النامية «تدين بأموال كثيرة»، وإنما في أن السعر الذي تدفعه مقابل الوصول إلى رأس المال العالمي أعلى بكثير من السعر الذي تدفعه الاقتصادات الأكثر ثراءً.

أزمة تمويل أم أزمة في النظام المالي العالمي؟

تضع هذه الأرقام النظام المالي الدولي أمام معادلة صعبة.

فالدول النامية تحتاج إلى زيادة الاستثمار كي تحقق نموًا أعلى وتوفر فرص العمل وتواجه تغير المناخ وتوسع خدمات الصحة والتعليم، لكن تنفيذ هذه الاستثمارات يحتاج إلى تمويل.

وفي الوقت نفسه، يؤدي ارتفاع مخاطرها الائتمانية إلى رفع تكلفة التمويل، ما يدفع المزيد من مواردها إلى خدمة الدين، ويترك مساحة أقل للاستثمار العام.

وترى الأونكتاد أن الخروج من هذه الحلقة يتطلب إجراءات على المستويين الوطني والدولي، من بينها تحسين إدارة الدين، وتنويع مصادر التمويل، وتوسيع الاقتراض بالعملة المحلية، وتحسين الشفافية المالية، إلى جانب زيادة التمويل الميسر الذي توفره بنوك التنمية متعددة الأطراف، وتعزيز آليات إعادة هيكلة الديون للدول التي تعاني من أعباء غير مستدامة.

الخلاصة

تكشف البيانات الدولية أن العبء المالي الذي تواجهه الدول النامية لم يعد مجرد قضية مرتبطة بارتفاع حجم الديون، بل أصبح مشكلة في تكلفة رأس المال نفسه.

فبينما تحتاج هذه الدول إلى تمويل إضافي يقدر بنحو 4.3 تريليون دولار سنويًا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، تراجعت التدفقات المالية الخارجية بنسبة 18% خلال عقد، وقفزت مدفوعات الفوائد الحكومية بنسبة 102% خلال 2014-2024 مقابل نمو الإيرادات بنسبة 39% فقط.

وفي عام 2024 وحده دفعت الدول النامية 384 مليار دولار فوائد على أدوات الدين الخارجي وفق الأونكتاد، بينما تشير بيانات البنك الدولي إلى أكثر من 415 مليار دولار من فوائد خدمة إجمالي الدين الخارجي للدول منخفضة ومتوسطة الدخل وفق منهجية أوسع.

وبينما تتراجع المساعدات الدولية والاستثمارات في بعض القطاعات الحيوية، تصبح آجال الدين أقصر وتظل علاوات المخاطر مرتفعة.

النتيجة النهائية ليست فقط أن الدول النامية تدفع أكثر مقابل الاقتراض، وإنما أنها تحصل في المقابل على قدرة أقل على تحويل التمويل إلى تنمية. وكلما استمرت هذه المعادلة، أصبح خطر تحول أزمة التمويل إلى أزمة نمو، ثم إلى أزمة ديون، أكثر وضوحًا.