الأخبار

في غزة.. النساء يزرعن الحياة بينما الحرب تحصدها (حوار)

كتاب كف مريم
كتاب كف مريم

ليست كل الكتب تبدأ بفكرة، فبعضها يبدأ بيدٍ تبحث بين الركام عن خيط، أو امرأة تحمل الماء من مسافات بعيدة لتسقي زرعة صغيرة في أرضٍ أنهكتها الحرب.

 هكذا وُلد كتاب "كف مريم" للدكتورة حكمت المصري، الصادر عن "دار روافد للنشر والتوزيع" في 254 صفحة، لا بوصفه رواية عن الحرب، بقدر ما هي شهادة حيّة على قدرة الإنسان على حماية الحياة حين يصبح الموت هو المشهد اليومي.


في هذا الكتاب، تتحول "مريم" من اسم امرأة إلى رمز لآلاف الفلسطينيات اللواتي حملن عبء الأسرة وتمسكن بالأرض وصنعن الأمل من تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها كانت كفيلة بإبقاء الحياة ممكنة.
في هذا الحوار، تتحدث حكمت المصري ل"سياق 24" عن سر اختيار عنوان "كف مريم" وعن المرأة التي ألهمت الكتاب وكيف يمكن ليدٍ تجمع خيوطًا متناثرة من تحت الأنقاض أن تصبح استعارة لوطن بأكمله يرفض الانكسار.
 

بدايةً... لماذا اخترتِ "كف مريم" عنوانًا للكتاب؟


لم يكن اختيار عنوان الكتاب مصادفة ولا مجرد عبارة جميلة توضع على الغلاف. كنت أبحث عن عنوان خرج من الأرض ومن التجربة ومن يدٍ حقيقية تعبت وما زالت تمنح الحياة. لذلك جاء "كف مريم"، لأنه يحمل في داخله قصة كاملة قبل أن يفتح القارئ الصفحة الأولى.
ماذا يمثل "كف مريم" بالنسبة لك؟
كف مريم في الأصل نبتة متجذرة في التربة كثيرة السيقان ذات أزهار بيضاء تميل إلى البنفسجي. في الذاكرة الشعبية ارتبطت بالحياة والخصوبة والقدرة على منح الأمل حتى في أقسى الظروف.
حين كنت أتأمل ما تعيشه نساء غزة، وجدت أن هذه النبتة تشبههن كثيرًا. فهن ثابتات رغم محاولات الاقتلاع، وخصبات رغم الحصار وقادرات على إنجاب الحياة وسط الدمار. لذلك أصبح الاسم بالنسبة لي أكثر من نبات أصبح رمزًا للصمود الفلسطيني.
لكن العنوان يحمل أيضًا اسم امرأة حقيقية!
بالفعل، لم يكن "كف مريم" رمزًا مجردًا، بل اسمًا ووجهًا وقصة.
مريم هي أختي، لكنها في الوقت نفسه أكبر من كونها فردًا من عائلتي. بقيت في شمال غزة عندما اختار كثيرون النزوح، ورفضت مغادرة الأرض مهما اشتد القصف أو تعاظم الخوف. كانت ترى أن الرحيل ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل اقتلاع من الجذور.


كيف تغيرت حياتها بعد الحرب؟


بعد اعتقال أخي في التاسع من ديسمبر 2023، أصبحت مريم تتحمل مسؤولية الأسرة كاملة. لم تعد أمًا فقط، بل أصبحت تقوم بدور الأب أيضًا.
كانت ترعى الأطفال وتبحث عن الطعام وتتنقل بهم من مكان إلى آخر بحثًا عن مساحة أكثر أمانًا في زمن كانت فيه المجاعة والخوف يلاحقان الجميع. كانت تعيش كل يوم معركة جديدة، لكنها لم تسمح لليأس بأن ينتصر.
من أكثر المشاهد تأثيرًا في الكتاب قصة مشغل الخياطة أحكي لنا قصته
هذا المشهد لا يفارق ذاكرتي.
كانت مريم تعمل في الخياطة، ولديها مشغل صغير بنتْه بجهد سنوات. وعندما عادت إلى شمال غزة بعد فترة، وجدته مدمّرًا بالكامل.
وقفت أمام الركام بصمت ثم انحنت والتقطت بكف يدها خيوطًا متناثرة بين الأنقاض.
بالنسبة لي لم تكن تلتقط خيوط فقط، بل كانت تجمع ما تبقى من معنى الحياة، وكأنها ترفض أن تسمح للدمار بأن يكون الكلمة الأخيرة.
رغم كل هذا، تذكرين أنها عادت إلى الزراعة..
نعم، وهذا ما جعلني أزداد يقينًا بأن الإنسان الفلسطيني يملك قدرة استثنائية على صناعة الحياة.
في شهر رمضان زرعت الأرض بما توفر من نباتات سريعة النمو. كانت تحمل الماء من مسافات بعيدة وتسقي الزرع يومًا بعد يوم.
وعندما خرج المحصول لم تحتفظ به لنفسها، بل قسمته بين الجيران والنازحين.
في غزة يصبح العطاء وسيلة للبقاء ومشاركة لقمة العيش فعل مقاومة لا يقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال الصمود.
إذن لماذا كان هذا الاسم هو الأنسب للكتاب؟
لأن "كف مريم" لا يحكي عن يد واحدة.
إنه يحكي عن آلاف الأيدي الفلسطينية التي تعبت وزرعت وحصدت وربت أبناءها، وضمدت الجراح بصبر هادئ.
أردت أن يكون العنوان تحية لكل امرأة حملت الحياة فوق كتفيها بينما كان كل شيء حولها ينهار.
 

هل يمكن اعتبار الكتاب سيرة شخصية؟
 

لا. قد تبدأ الحكاية من تجربة شخصية، لكنها لا تتوقف عندها. مريم ليست بطلة فردية بقدر ما هي مدخل لرواية جماعية. هي صورة مكثفة لنساء كثيرات ربما لا يعرف العالم أسماءهن، لكنهن كن يحملن عبء الحياة اليومية في ظروف استثنائية.
وصفتِ الكتاب بأنه ليس رثاءً... لماذا؟
لأنني لم أرد أن أكتب كتابًا يبكي على ما ضاع فقط. هذا الكتاب ليس رثاءً، بل توثيق للثبات وهو محاولة لحفظ الذاكرة الإنسانية للحرب، وتسجيل قدرة الناس على الاستمرار رغم كل ما مروا به. كنت أريد أن أكتب عن الحياة بقدر ما أكتب عن الألم.



ماذا تعنين بقولك إن الأمل لا يُرى لكنه يُمسك بكف يد صادقة؟


الأمل ليس دائمًا فكرة كبيرة أو شعارًا. أحيانًا يكون في يد تحمل الماء إلى زرعة صغيرة، أو في أم تبحث عن الطعام لأطفالها، أو في امرأة تجمع خيوطًا من تحت الركام لتبدأ من جديد. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تحفظ الحياة، وهي التي أردت أن يوثقها الكتاب.
قلتِ في نهاية الكتاب إن "مريم ليست أختي وحدي".. ماذا تقصدين؟
أقصد أن مريم أصبحت بالنسبة لي رمزًا. هي كل امرأة فلسطينية عانت في هذه الحرب، وتحملت مسؤوليات تفوق طاقة البشر وأصرت رغم ذلك على الصمود. هي كل امرأة اختارت الحياة، بينما كانت الظروف كلها تدفعها نحو اليأس.
 

وما الرسالة التي تودين أن تصل إلى القارئ بعد الانتهاء من "كف مريم"؟
 

أتمنى ألا يرى القارئ هذا الكتاب باعتباره مجرد حكاية عن الحرب، بل أن يراه شهادة على قدرة الإنسان على التشبث بالحياة. أردت أن أقول إن خلف الأخبار اليومية والأرقام وصور الدمار، توجد وجوه حقيقية وأيدٍ تعبت ونساء صنعن الأمل بصمت. وربما لهذا السبب اخترت اسم "كف مريم".
لأن اليد التي تزرع وتطعم وتداوي وتحمي أطفالها، تستطيع أيضًا أن تحفظ الذاكرة، وأن تمنح العالم درسًا في معنى الصمود، حتى حين يبدو كل شيء من حولها ركامًا.