الروائي المغربي هشام ناجح لـ«سياق 24»: عندما خاب أملي في «الإيديولوجيات» عدت لرحمة قراءة الأدب
هشام ناجح؛ روائي وقاص مغربي من مواليد مدينة الجديدة / المغرب 1974، ويقيم حالياً في باريس. حاز على عدة جوائز منها جائزة "بي بي سي" للقصة، والجائزة التحفيزية لكتاب المسرح الشباب من حكومة الشارقة. صدرت له الروايات والمجموعات القصصية بالتسلسل التالي: رواية "المدينة التي..." عن منشورات المحلاج (2012)، المجموعة القصصية "وشم في السعير" عن دار سليكي أخوين (2013)، رواية "دوار الكيّة" عن دار سليكي أخوين (2016)، رواية "حديث الوجوه المائلة" عن منشورات المتوسط بإيطاليا (2017)، الرواية التاريخية "الشجعان" عن المركز الثقافي للكتاب (2024)، والمجموعة القصصية "الدائرة التي ابتلعت السيد جون مايجر" عن دار الكتاب بتونس (2026).
كان لنا معه هذا الحوار
- هل كانت أحلامك متعددة في طفولتك؟ حدثنا عن هذه الأحلام، وهل كان "حلم الخيالات الحكائية" هو الأبرز؟
أنا متعجل في أن أفصح عن قابليتي للتحليل النفسي، وأرنو بعين الإعجاب إلى فرويد؛ إذن، فالطفولة هي المرتع الخصب للأحلام. عندما كنت طفلا طفق مخي يصنع الأحلام الصاحية. أرى نفسي، أنني أرى الله يبتسم لي والملائكة تداعب وجهي في رضا تام. لم أكن أسأل الله إلحافا، في أن يمكنني من لعبي الصغيرة، فقد كان الله أكبر في تصوراتي حينئذ، لأن العقل الطفولي يجد إجاباته في التخيلات، إذ يرمي بشرارات تجريدية فيرغب في أن يجد لها مكانا بكل الوسائل؛ إنها معادلة فيزيائية تقتضي أن أعود إلى طفولتي حتى أكشف عنها من صريح الإيمان الذي يكرس نافلة بهجة الميتافيزيقا بتصور يؤجج نار الحكايا، حيث تهبط من سماء رأسي إلى أرضه، وقد تنعم بالوعد أو الوعيد، وإما أن تلج الجنة أو تدخل إلى النار. إن طفولتي من صنع الأخيلة الميتافيزيقية كما أسلفت، وقد تطور هذا الصنع إلى قلق دائم.. يا سلام، ما أجمل أن يبقى الإنسان طفلا، حيث يرتع في الأحلام الصاحية ويغوص فيها عوض الكوابيس التي تنهش روحه في الكبر الساذج.

- في طفولتك، هل قرأت "كتاب الألم" أم مزقته، وهل ظلّ موشوماً في ذاكرتك؟
لا شيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم" كما يقول دي موسيه. إن الألم وحده الكفيل برجرجة الاستبطانات، فيعمل على قرع باب الذاكرة، حيث تحس أن الأرض لم تعد تسع رحابة الأحلام، إذ تعمل جاهدا على أن تحول الألم إلى أمل تناشد من خلاله بناء بيت في السماء وفي الحيز الذي يتيسر لك فيه التسامي على الواقع، فلا يمكنك أن تمنح مفتاح هذا البيت لأي كان، حتى لا يعتقد الناس أنك على حافة الجنون، ومع ذلك يبقى الألم موشوما في الذاكرة، لهذا عنونت أحد كتبي ب " وشم في السعير"، ويمكن اعتبار هذا الكتاب صنو كتاب الألم.
- في أي عمر عرفت أن الكتابة هي علاج الخيال؟ وإلى أي جنس أدبي انتمى نصّك الأول؟
في سن الثلاثين خاب أمل على نحو كبير في كل شيء. لم تعد لي الرغبة في أن أكون أداة لإعادة التاريخ وأتقيد بما يمليه الوعي الجمعي، وقد خاب أملي كذلك في مصائر الإيديولوجيا، فعدت إلى رحمة قراءة الأدب، حينئذ، قرأت رواية موسم الهجرة إلى الشمال للزعيم الطيب صالح، ومن يومها عرف العالم طريق الخطيئة الحميدة، وكبلتني الأمم السرديات المرويات بحبل العبودية الطيّع، وانسقت كعبد خانع لا يرغب في الانعتاق، فقد أضحت العبودية حرية والتحرر من هذا الحبل عبودية. وقد كان نصي الأول عبارة عن قصة لا تتعدى خمسة أسطر، لكنه اللبنة الأولى التي وهبتني سياقات الطريق؛ " وفي مكان ما على الطريق سوف يعدّون لي الجوهرة النادرة" كما قال جاك كيرواك.

- ما الذي منحته لك التجربة في المغرب ولم تمنحك إياه فرنسا، أو العكس؟
أنا ممنون جدا للمغرب الذي وشم في ذاكرتي معنى أن يبقى الأنسان واقفا رغم المآسي ورغم الضنك حيث منحني التجربة الإنسانية التي لا تأتي يسيرة، وكأبناء جيلي الذي خبر الفقر والتسلط معا، وقدرنا أننا أصبحنا نسخر من هذا الماضي بالتسلي على رهبتنا من كل شيء عكس العمة فرنسا التي وهبتني الحرية اللازمة حتى أعبر عن كل ما يدور أو لا يدور في كنهي. لقد علمتني العمة فرنسا أن أكون منضبطا ومتحررا في الآن نفسه. وأصبح العالم قريب المأخذ من يدي حتى تنتعش أممي السرديات المرويات من احتكاكات المطارات والمحطات والبارات. إن العالم ليس ما نتصور. إن العالم يمضي قدما صوب الأمام ويحتاج إلى الالتحامات والاحتكاكات حتى تفرز الحرارة المرجوة. لقد بطنت الإجابة إلى حد ما لعلك ستعلم ما هي التجربة الأفضل بين القطرين.
- هل تغلب القراءات باللغة العربية على قراءاتك باللغات الأخرى؟ ولماذا؟
بكل بساطة أقرأ كثيرا باللغة العربية لأنها لغة الحلم أيضا.

- أي الكتب يثيرك أكثر: الرواية، أم الفلسفة، أم التاريخ؟
أنا متيم بالقراءة ولا أفرق بين الرواية والفلسفة والشعر والتاريخ، أقرأ أربعة كتب دفعة واحدة حتى أستريح مليا. إن التنويعات تفتح شهية القراءة كالطعام المتنوع خاصة إذا كان دسما.
- في موقفٍ مصيري طُلب منك التخلي عن أحد كتابيك وإلقاؤه في البحر؛ هل تضحي بمجموعة "الدائرة التي ابتلعت جون مايجر " أم برواية "الوجوه المائلة"؟
سأكون جديرا برمي نفسي دون أن أرمي أحد أبنائي في البحر، إذ تستهويني قصة النبي إبراهيم مع ابنه إسماعيل برغبة مقلوبة.
- ربما القاري الأول هو الكاتب نفسه هل ثمة قارئ ثاني تلجأ اليه ام انت القارئ الوحيد لعملك قبل النشر؟
في تصوري كل كاتب يمتلك إشراك النية في تقييم عمله الخام قبل أن تلتهمه أسنان المطبعة، فيلجأ إلى الأصدقاء القلائل طبعا طالبا منهم أن يقرأوا هذا العمل المشكوك فيه، فينبهونه إلى مواطن الخلل النحوي عادة، حيث إن الأصدقاء في الغالب لا يمجدون النص بقدر ما يهمهمون تلك الهمهمات التي تبطن أنانيهم حتى لا يشعروك بأنك الأعلى.

- هل تهتم بملاحظات الآخرين، خاصة الأدباء، وتشتغل عليها، أم تعتمد كلياً على رؤيتك الخاصة؟
صراحة أستمع إلى ملاحظات الآخر لكنني لا أعمل بها. أعتمد على رؤيتي الخاصة؛ فأنا أشتغل ضمن مشروع لغوي لا يرغب في أن يقول أي شيء بيسر أصم وألا يهادن. لقد قتلتنا لغة الواقعية الاشتراكية بذلك الفقر بدعوى التغني بالهامش وعرق الشغيلة والرفض العام، حتى أضحت اللغة بعيدة عن وظيفتها السحرية.
- هل تصلك رسائل تتعلق بقراءة كتبك؟ وما هي أغرب رسالة تلقيتها سلباً أو إيجاباً؟
كل كاتب تدور نصوصه داخل طاحونة النقد، فهناك من ينظر بعين الإعجاب، وهناك على العكس من ينظر بعين النقص. وكل كاتب يتلقى تلك الرسائل بوجهين؛ تارة من أصحاب اليمين وتارة من أصحاب الشمال.
- ما رأيك بجائزة "نوبل"؟ وهل تجد أن بعض الأسماء لا تستحقها؟
جائزة نوبل معلومة في إنتاجها بالشروط التي طبعتها، لهذا سأكون على عكسك تماما، وأتحدث عن الأسماء التي كانت تستحقها قبل وفاتها إلى الأمس القريب، على سبيل الذكر ميلان كونديرا وبول أوستر ومن الأحياء الآن الكاتب الياباني هاروكي موراكامي.
- هل تقرأ الأدب العبري؟ وهل لديك علاقة بكتّاب يهود؟
من الطبيعي جدا أن أقرأ الأدب العالمي الذي من ضمنه الأدب العبري. لم أفهم صيغة السؤال: هل لدي علاقة بالكتاب اليهود؟ لكن، سأسلم بحسن نيتك دون تشكيك ودون خلفيات. الأدب هو الأدب، لا يعترف بالحدود. أصدقك القول؛ إنه ليس لدي أي علاقة مع أي كاتب يهودي، وإن كان كذلك سأكون سعيدا مادام يطرح القضايا الإنسانية بعيدا عن تسييس الواقع. أنا الآن بصدد كتابة رواية عن النبي موسى وتدور أحداثها في اليمن وليس كما هو متعارف عليه. ويجب أن أنبهك إلى أن معظم الكتاب العظام في العالم والذين تعشق كتاباتهم هم من أصل يهودي.
- هل قرأت لأحمد سعداوي أو زهران القاسمي؟ وما رأيك بهما؟
قرأت لكل واحد منهما العمل الفائز بالبوكر وهذا غير كاف بأن أدلي برأيي فيهما.

- حدثنا عن قراءاتك لسليم بركات؛ ماذا تقرأ أكثر: سليم الشاعر أم سليم الروائي؟
لا يمكن لأي كاتب حسب زعمي في العالم العربي ألا يقرأ لسليم بركات؛ إنه ظاهرة لغوية من كوكب آخر. إنه يشبه نفسه فقط. أعتقد أن العديد من الكتاب يكرهونه لتفوقه المستمر في الشعر والسرد معا.. إنهم يكرهونه لأنه تعذر عليهم أن يقيموا مشروعا على شاكلته.. إنهم يتنافسون في عد الأخطاء النحوية والإملائية حالما يصدر أي عمل جديد بعيدا عن مقومات الجمال التي يذخرها. لكن، الأهم في نظرهم هو أن يطرحوه أرضا من فرط الحسد، فنجمه لا يعرف الأفول. إن سليم بركات إضافة نوعية للثقافة العربية حيث يسبر كنه اللغة ويحيط بإيقاعها. إنه سيمفونية لوحده. وشخصيا أقرأ شعره وسرده بكل فرح.

- هل لديك طقوس كتابية ووقت معين للكتابة؟
أضحكتني أضحك الله سنك. عن أي طقوس سنتحدث؛ إن الكتابة الحقيقية لا ترتبط بأي طقس. الكاتب ليس درويشا في الحضرة يتطلع إلى ترديد" هو.. هو.. هو" ما عليك إلى أن تجلس إلى الطاولة وتشرع في بناء النص، بعيدا عن تلك الأسطرة المقيتة التي تتشكل من هواجس وادي عبقر.
- أيهما يأخذ وقتك أكثر: القراءة أم الكتابة؟
القراءة هي من تنعم بالوقت الوفير؛ إنها الأرض التي يزرعها المزارع، وينتظر حولا كاملا من أجل جني المحاصيل، والمحاصيل هي الكتابة. وحسب العمل يأتي المحصول.. ورحم الله رجلا يأكل من كد محصوله.
- هل تعيد كتابة النص بعد نشره وتداوله بين القرّاء؟
عندما أنشر عملا يستقل بذاته، ويصبح من الماضي، حيث لا أكلف نفسي إعادة صياغته؛ إنه وليد لحظات الزمن النفسي الذي ينتج لغته الخاصة عبر دوافع لم تعد ترغب في ولا أرغب فيها الآن.

- هل تقرأ الأدب الروائي الكلاسيكي العربي أو العالمي؟ وما هي الأسماء التي تتردد على ذائقتك؟
من البديهي أن أقرأ الأدب العربي الكلاسيكي. وقد أكرس الجاحظ كأهم جوهرة يمكن أن تزين قوام الأدب العربي، بالإضافة إلى عبد الله بن المقفع.. وأنا مغرم كذلك بصوادح الشعر الذي نظم قبل ظهور الإسلام. إني أكره اسم الشعر الجاهلي كيف نسمح لأنفسنا أن نرمي هذا السهم الحقير على هذا الخير.
أما عن الأدب العالمي فأنا أقرأ كثيرا كل المدارس. لكن، أجد ضالتي في أعمال العظيم نيكوس كزانتزاكيس التي لا تضاهى بالنسبة إلي.

