الشيخ عمر سلمان: «زواج النفحة» يهدد استقرار الأسرة ويضيع الحقوق ومخالف للشريعة
أكد الشيخ عمر سلمان، الباحث في الشريعة الإسلامية وعلوم القرآن الكريم، إن ما يُعرف بـ«زواج النفحة» لا يجوز شرعًا، لما تشتمل عليه الصورة المتداولة منه من عناصر تؤدي إلى ضياع الحقوق واضطراب الأنساب وتهديد استقرار الأسرة، مؤكدًا أن الزواج في التصور الإسلامي «ميثاق غليظ» تترتب عليه حقوق وواجبات وآثار تمتد إلى الزوجين والأبناء والأسرة والمجتمع.
وقال الشيخ عمر سليمان في تصريحات خاصة لـ«سياق 24» إن الشريعة الإسلامية جعلت الزواج إطارًا كريمًا للعلاقة بين الرجل والمرأة، وأحاطته منذ بدايته بضوابط تحفظ الحقوق وتصون الكرامة وتحفظ الأنساب، موضحًا أن الصيغ المستحدثة للعلاقة بين الرجل والمرأة تُقاس بأركان عقد الزواج وشروطه والآثار المترتبة عليها.

صيغة زواج سرية غير موثقة
وجاءت تصريحات الشيخ عمر سليمان تعليقًا على الجدل المثار حول ما يُسمى بـ«زواج النفحة»، وهو مصطلح حديث انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي لوصف صيغة زواج سرية غير موثقة، تتضمن، وفق الصورة المتداولة عنها، أن تعقد المرأة البالغة زواجها بنفسها من غير ولي، وأن يتم الزواج في السر دون إشهار، وألا يوثق رسميًا، مع اتفاق الطرفين على إمكانية الانفصال في أي وقت، ووضع مسألة الاعتراف بنسب الأبناء في حال حدوث حمل ضمن رغبة الزوج واختياره.
وأوضح سليمان أن أولى المسائل التي ينبغي النظر إليها في هذه الصيغة تتعلق بالولي، مشيرًا إلى أن الفقه الإسلامي عرف خلافًا مشهورًا في هذه المسألة؛ فجمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة يشترطون الولي لصحة عقد النكاح، بينما للمذهب الحنفي تفصيل معروف في ولاية المرأة البالغة على عقد زواجها.
واستند جمهور الفقهاء، بحسب سليمان، إلى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل»، موضحًا أن هذه المسألة تمثل أحد الجوانب التي ينبغي مراعاتها عند النظر في الصورة المتداولة لما يسمى «زواج النفحة».
شرط التوثيق لحفظ الحقوق
وفيما يتعلق بعدم توثيق الزواج، أكد سليمان أن التوثيق في العصر الحالي يعد من الوسائل التي تحفظ بها حقوق الناس وأعراضهم وأنسابهم، مشيرًا إلى أن دار الإفتاء المصرية قررت وجوب توثيق عقد الزواج شرعًا ونظامًا، لما يحققه من إثبات الزوجية وصيانة الحقوق وحماية المرأة والأبناء من الإنكار أو الجحود أو ضياع ما يثبت لهم من حقوق.
وأضاف أن قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» تؤكد أهمية منع كل صورة تفضي إلى إهدار الحقوق أو إلحاق الضرر بأحد أطراف العلاقة، موضحًا أن الوثيقة في هذا السياق تمثل وسيلة لحفظ آثار الزواج وإثباتها، وتزداد أهميتها في ظل كثرة صور الإنكار والجحود والتلاعب بالحقوق.
أما عن سرية الزواج وعدم إعلانه، فأوضح سليمان أن الشريعة جعلت الإعلان والإشهاد سياجًا يحفظ عقد النكاح ويظهره للمجتمع في صورته الشرعية، مستشهدًا بوصف القرآن لعقد الزواج بأنه «ميثاق غليظ»، بما يحمله ذلك من دلالة على مكانة العقد وقوة ما ينشأ عنه من عهود وحقوق وآثار.
وأشار إلى ما ورد في السنة بشأن إعلان النكاح وإشهاره، قائلًا إن أهل العلم نقلوا منع نكاح السر الذي يتم بغير إشهاد، كما نُقل عن الإمام النووي أن الأمة أجمعت على أن العقد إذا عُقد سرًا بغير شهادة لم ينعقد.
حفظ النسب في مقدمة الحقوق
وشدد سليمان على أن حفظ النسب يأتي في مقدمة الحقوق التي جاءت الشريعة بصيانتها، مؤكدًا أن النسب «حق للولد» ولا يجوز جعله تابعًا للأهواء أو الاختيارات الشخصية.
واستند في ذلك إلى قوله تعالى: «ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله»، وإلى الحديث الشريف «الولد للفراش»، موضحًا أن النسب تترتب عليه حقوق عديدة في الحياة والأسرة والميراث والمحرمية وغيرها، ومن ثم يحتاج إلى حماية تمنع العبث به أو جعله خاضعًا لإرادة أحد أطراف العلاقة.
وأكد أن جعل الاعتراف بنسب الأبناء أمرًا متروكًا لرغبة الزوج يمثل إشكالًا جوهريًا، لأن النسب حق ثابت للإنسان تترتب عليه أحكام شرعية وحقوق اجتماعية وقانونية.
وبناءً على ذلك، قال الشيخ عمر سليمان إن الصورة المتداولة لما يسمى «زواج النفحة» تخرج عن مقصود الزواج المشروع، لأنها تقوم على إخفاء العقد، وإهدار توثيقه، وتعليق الحقوق على الإرادة الفردية، فضلًا عن اضطراب أمر النسب.
الزواج في ميزان الشريعة
وأشار إلى أن هذه الصورة لا يجوز الإقدام عليها شرعًا، لما اجتمع فيها من عناصر تفضي إلى الإضرار بالحقوق وتهديد استقرار الأسرة واضطراب الأنساب ومخالفة مقاصد الشريعة في عقد الزواج.
ولفت سليمان إلى أن دار الإفتاء المصرية أصدرت فتوى في 31 أغسطس 2025 انتهت فيها إلى حرمة إبرام هذا النوع من الزواج، لما ينطوي عليه من أمور تفضي إلى ضياع الحقوق واضطراب الأنساب والإخلال بالمقاصد التي أقام الشرع عليها عقد الزواج.
واختتم الشيخ عمر سليمان تصريحاته بالتأكيد على أن الزواج في ميزان الشريعة ليس مجرد علاقة بين رجل وامرأة، وإنما «ميثاق غليظ» وعهد تترتب عليه حقوق وواجبات وآثار تمتد إلى الزوجين والأبناء والأسرة والمجتمع.