ترتيبات وانفتاح حَذِر… سيناريوهات العلاقة بين دول الخليج وإيران ما بعد الحرب
شكل إعلان الرئيس الأمريكي، التوصل إلى اتفاق مع إيران، الخطوة الأولى في مسار التفاوض بين الجانبين في أفق الوصول إلى اتفاق يطوي سنوات من الصراع ويغلق ملفات ثقيلة دامت سنوات وعقود.
وتبدأ النقاط الخلافية بين الجانبين بالملف النووي، والبرنامج الصاروخي ومضيق هرمز، ولا تنتهي بعلاقات طهران بجوارها الإقليمي وتحديدا دول الخليج العربي، التي يرى مراقبون أنها ليست على قلب واحد إزاء الموقف من الاتفاق.
تأييد مشروط
وفي هذا الإطار، قال أعياد الطوفان، الخبير الأمني والاستراتيجي لـ"سياق 24" إن موقف دول الخليج "ليس موحدا بالكامل، لكنه يقوم عموما على تأييد التفاوض وخفض التصعيد مع إيران، مع المطالبة بأخذ المصالح الأمنية الخليجية في الحسبان وعدم الاقتصار على الملف النووي فقط.
ويرى الطوفان أنه ليست جميع الدول الخليجية على الموقف نفسه، مبينا أن دولة الإمارات العربية المتحدة تميل إلى اتفاق شامل يحد من التهديدات الإقليمية ويحافظ على الاستقرار.
بينما تركز قطر -وفق الخبير الأمني - على الوساطة وخفض التوتر والحفاظ على قنوات الاتصال مع الجميع، وتؤدي
عُمان تؤدي دور الوسيط التقليدي بين واشنطن وطهران وتدعم الحلول الدبلوماسية بقوة، تركز البحرين والكويت بصورة أكبر على الضمانات الأمنية والدفاعية.
مرتكزات
وأوضح الطوفان أن الموقف الخليجي يستند على عدة مرتكزات، منها التأييد المبدئي للاتفاق، حيث تفضّل معظم دول الخليج وجود تفاهم أمريكي-إيراني على اندلاع مواجهة عسكرية واسعة، لأن أي صراع مباشر يهدد أمن الخليج، وصادرات النفط والغاز، والملاحة في مضيق هرمز، والاستقرار الاقتصادي والاستثماري.
ومن هذه المرتكزات -يضيف الطوفان- "القلق من تكرار تجربة 2015، لاسيما وأن هناك شعورا لدى بعض العواصم الخليجية بأن الاتفاق النووي السابق لم يعالج الصواريخ الإيرانية، والجماعات المسلحة الحليفة لإيران في المنطقة، فضلا عن الأمن البحري وأمن الطاقة".
وأكد الخبير الأمني ذاته أنه "لأجل ذلك تطالب دول مجلس التعاون الخليجي بأن تكون أي تسوية جديدة أوسع من مجرد الملف النووي".
ترتيبات وسيناريوهات
وتوقف المتحدث نفسه عند المطالبة الخليجية بالمشاركة في الترتيبات الأمنية، وتأكيدها على أن أمن الخليج لا يمكن أن يُناقش بين واشنطن وطهران فقط، لأن الدول الخليجية هي الأكثر تأثرًا بأي اتفاق أو انهيار له، وهو يعكسه بروز دعوات خليجية للمشاركة أو التشاور المباشر في أي ترتيبات تخص أمن المنطقة أو الملاحة البحرية.
وحول إمكانية أن تكون دول الخليج العربي ضمن إطار الاتفاق الأمريكي الإيراني، -ذهب الطوفان - إلى أنه
"من المرجح أن تكون دول الخليج جزءًا من أي إطار إقليمي واسع بين الولايات المتحدة وإيران، لكن ليس بالضرورة كأطراف موقعة على الاتفاق نفسه".
ويضع هذا السيناريو ضمن ثلاثة مستويات محتملة للمشاركة، إما من خلال المشاركة غير المباشرة دول مجلس التعاون الخليجي، وخاصة المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة وقطر وعمان، ومتابعة أي تفاهم أمريكي-إيراني لأنه يؤثر مباشرة على أمن الخليج والملاحة والطاقة.
الوساطة
واستحضر في هذا السياق، "دعم العديد من دول الخليج مسار الحوار وخفض التصعيد بين واشنطن وطهران خلال السنوات الأخيرة".
ويذهب إلى أن "لعب الدول الخليجية لدور الوساطة والضمانات، يبقى من الأمور المتوقعة، لاسيما وأن سلطنة عمان كان لها دور الوسيط الرئيسي في جولات التفاوض، بينما حافظت قطر على قنوات اتصال مع مختلف الأطراف، لذلك قد تُكلَّف بعض الدول الخليجية بأدوار تنفيذية أو رقابية أو تسهيلية في أي تفاهمات مستقبلية".
ولا يغفل الطوفان في السياق، أهمية الترتيبات الأمنية الإقليمية بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، "خاصة إذا تطور الاتفاق إلى ما هو أبعد من الملف النووي ليشمل أمن الخليج أو الملاحة في مضيق هرمز أو الصواريخ والنفوذ الإقليمي".
وفي ظل هذا الوضع، يسجل الخبير الأمني أنه "سيكون من الصعب تجاهل مصالح دول الخليج، وقد تُنشأ آليات تشاور أو لجان أمنية تضمها.
لكن في المقابل، "هناك نقطة مهمة تتعلق بكون الولايات المتحدة وإيران غالبًا تفضلان التفاوض الثنائي حول القضايا الجوهرية (العقوبات، البرنامج النووي، التخصيب)، ثم يُعرض على دول المنطقة الانضمام إلى ترتيبات إقليمية لاحقة بدلاً من إشراكها في كل تفاصيل التفاوض منذ البداية"، وفق تعبيره.
بمعنى آخر، - يبين الطرفان - ستكون دول الخليج متأثرة ومتشاورة وربما ضامنة لبعض البنود، لكن ليس من المؤكد أن تكون طرفًا مباشرًا وموقعًا على الاتفاق الأمريكي-الإيراني نفسه.
بين الشراكة والعداء
وعن احتمالية سعي دول الخليج العربي إلى تغيير حساباتها تجاه إيران أو واشنطن، يرى أن ذلك يبقى مرجحا ولكن بدرجات مختلفة.
وبالمحصلة، -يسترسل الخبير الأمني - بالتأكيد على أن "دول الخليج لا تعارض الاتفاق الأمريكي-الإيراني في حد ذاته، بل ترى أن نجاحه قد يخفف المخاطر على المنطقة"، قبل أن يستدرك بالقول "لكن الشرط الأساسي بالنسبة لها هو أن يتضمن ضمانات أمنية حقيقية وألا يتم تجاهل مصالحها أو إشراكها فقط بعد اتخاذ القرارات الرئيسية".
ومن غير المتوقع -بحسب تحليل الخبير الأمني نفسه -
أن "تتحول إيران فجأة إلى شريك موثوق بالكامل في نظر دول الخليج، خاصة بعد سنوات من التوتر والقضايا المرتبطة بالصواريخ والجماعات المسلحة".
الانفتاح الحَذِر!
ومع ذلك، يتابع موضحا "هناك اتجاه متزايد نحو إدارة الخلافات عبر الحوار والاتصالات المباشرة بدلًا من الاعتماد على المواجهة فقط".
ولفت إلى أن "الكثير من التقديرات تشير إلى أن دول الخليج خرجت بقناعة أن إيران ستبقى لاعبا إقليميا مؤثرا لا يمكن تجاهله أو عزله بالكامل، ولذلك ستستمر سياسات الانفتاح الحذر والتواصل الدبلوماسي معها"، هذا في ما يتعلق بالعلاقة مع طهران.
أما تجاه واشنطن، فإن العلاقة الأمنية لدول الخليج العربي مع الولايات المتحدة "ستظل أساسية، لأن الجيوش الخليجية تعتمد بدرجات مختلفة على المظلة الأمنية والتسليح والتعاون العسكري الأمريكي. لكن الثقة المطلقة التي سادت لعقود قد تراجعت".
دروس الحرب
وتابع قائلا: "الحرب والأحداث الأخيرة عززت لدى بعض العواصم الخليجية فكرة تنويع الشراكات الأمنية والاقتصادية مع قوى أخرى وعدم ربط أمنها بالكامل بقرار أمريكي واحد".
وأشار إلى أنه "لن يكون هناك انتقال من المعسكر الأمريكي إلى المعسكر الإيراني، بل قد تتجه دول الخليج إلى سياسة أكثر استقلالية تقوم على الحفاظ على التحالف مع الولايات المتحدة، وتحسين العلاقات مع إيران لتقليل احتمالات الصدام، وتنويع الشركاء الدوليين وعدم الاعتماد على طرف واحد فقط".
وخلص إلى أن "الخليج العربي لا يبدو متجهًا إلى الابتعاد عن واشنطن لصالح طهران، بل إلى موازنة علاقاته مع الطرفين بما يخدم أمنه ومصالحه الاقتصادية".
يشار إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، قد أعلنتا أمس الإثنين، التوصل إلى اتفاق لإنهاء الصراع العسكري بينهما، بوساطة دولية قادتها باكستان.
وينص الاتفاق على الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات بما في ذلك لبنان"، وإعادة فتح مضيق "هرمز" ورفع الحصار البحري الأمريكي المفروض على إيران، على أن تُعقد مراسم التوقيع الرسمية في 19 حزيران/ يونيو الجاري في سويسرا.
ومن المقرر أن تُستكمل خلال الفترة المقبلة مناقشات تفصيلية بشأن البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية وآليات تنفيذ الالتزامات المتبادلة بين الطرفين، وهو ما يجعل الاتفاق الحالي إطارًا عامًا يمهد لتسوية أشمل للخلافات بين البلدين.
يذكر أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، اندلعت في الـ28 فبراير/شباط الماضي، وأسفرت عن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، ومقتل آلاف الإيرانيين، وتدمير مواقع في إسرائيل ومنشآت عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، علاوة على إغلاق مضيق "هرمز"، الذي يُعد من أهم ممرات الملاحة العالمية.